حين تُدار الفوضى باسم الدولة: قراءة في مشهد المنطقة الخضراء

حين تُدار الفوضى باسم الدولة: قراءة في مشهد المنطقة الخضراء

بقلم: د. رياض الدليمي

ما تشهده بغداد مؤخرًا من محاولات اقتراب من المنطقة الخضراء وتهديد لمقار دبلوماسية، لا يمكن فهمه فقط بوصفه تظاهرات غضب عفوية، بل يبدو أقرب إلى مشهد مركّب تتحرك فيه عدة مستويات من القرار: ديني، سياسي، وأمني، في وقت واحد وباتجاهات متناقضة ظاهريًا، لكنها تصب في مصلحة واحدة: إدارة الأزمة لا حلّها.

المفارقة أن الجهات التي ترفع شعارات “مناهضة التدخل الخارجي” هي نفسها التي تستثمر هذه التحركات لإرسال رسائل طمأنة إلى الخارج بأنها قادرة على ضبط الشارع متى شاءت، فيتحول المواطن إلى أداة ضغط، وتتحول التظاهرة من حق دستوري إلى ورقة تفاوض سياسي.

ففي أي دولة طبيعية، تكون العلاقة واضحة بين:
من يدعو إلى التظاهر،
ومن يحمي التظاهر،
ومن يمنع تجاوزه للقانون.

أما في الحالة العراقية، فالمشهد غالبًا ملتبس:
دعوات تصدر من جهات ذات نفوذ مسلح،
ثم تُواجَه بتحركات أمنية رسمية لاحتوائها،
فتبدو الدولة وكأنها تصارع جزءًا من نفسها.

هذا النمط المتكرر يطرح سؤالًا مشروعًا:
هل نحن أمام صراع مؤسسات؟
أم أمام إدارة محسوبة للتوتر؟
وهنا تكون الازدواجية في القرار: من يدعو ومن يمنع؟

ولا يمكن فصل هذه الأحداث عن واقع وجود فصائل مسلحة في الساحة العراقية ذات امتدادات سياسية، من بينها: كتائب حزب الله والعصائب والنجباء وبدر… الخ ، وجميعها ضمن الحشد.

وهي فصائل تختلف في خطابها وتلتقي في حقيقة واحدة: أنها تعمل داخل المجال السياسي من دون أن تكون خاضعة بالكامل لقواعد الدولة المدنية الحديثة، ما يجعل أي تحرك جماهيري قابلًا للتسييس أو الاستثمار الخارجي.

الأخطر من السلاح وحده، هو حين يُغلَّف السلاح بالدين،
ويُبرَّر سياسيًا،
ويُترك قانونيًا بلا مساءلة واضحة.
عندها يكون؛ الدين والسياسة والقانون هو مثلث الإرباك!

عند هذه النقطة، لا تعود المشكلة أمنية فقط، بل تتحول إلى:
أزمة ثقة بين المواطن والدولة.

فحين يرى المواطن أن:
المحرّض لا يُحاسَب،
والفصيل لا يُفكَّك،
والملف يُغلق بلا تفسير،

يتحول الإحباط إلى قناعة بأن القانون يُطبَّق انتقائيًا، وأن “هيبة الدولة” تُستدعى عند الضعفاء وتُعلَّق عند الأقوياء.

ما يحدث في محيط السفارات أو المؤسسات السيادية ليس مجرد حادث أمني، بل رسالة سياسية موجهة للخارج:
نحن نملك الشارع،
ونملك منعه،
ونملك إشعاله.

لكن ثمن هذه الرسائل يُدفع داخليًا:
توتر اجتماعي،
إصابات، او قتل
تراجع الثقة،
وتكريس صورة الدولة الضعيفة.

والهدف هو رسائل إلى الخارج… وأثمان في الداخل!

وهنا يصبح السؤال:
هل السياسة الخارجية تُدار بأجساد ودماء المواطنين؟

إن إنهاء هذه الدائرة لا يكون بالشعارات، بل
ان تكون دولة بلا أجنحة مسلحة
وبإجراءات واضحة:
• حصر السلاح بيد الدولة
• الفصل الحقيقي بين العمل السياسي والعمل المسلح
• إخضاع الجميع للقانون دون استثناء
• تحييد المنابر الدينية عن الصراع السياسي
• حماية حق التظاهر السلمي ومنع اختطافه

الدولة لا تُقاس بعدد بياناتها، بل بقدرتها على:
منع الفوضى قبل وقوعها،
ومحاسبة من يصنعها بعد وقوعها.

ان ما يجري في بغداد ليس معركة بين متظاهرين وقوات أمن، بل اختبار لمفهوم الدولة ذاته:
هل القرار واحد؟
أم أن القرار موزع بين عمامة، وحزب، وسلاح؟

العراق لا يحتاج إلى إدارة أزمات جديدة، بل إلى:
إنهاء منطق الأزمة نفسه.

فلا سيادة مع سلاح خارج الدولة،
ولا قانون مع حصانة غير مكتوبة،
ولا سلام حقيقي دون عدالة واحدة للجميع.