رياض سعد
في مساءٍ بدا كأنه مُقتطعٌ من حلمٍ رماديٍّ طويل، تلقّى عارف—الكاتب الذي كان يؤمن أن الكلمات تستطيع أن تُنقذ العالم ولو متأخرة—دعوةً من صديقه غسّان، أحد الوجوه المعروفة في الوسط الثقافي والإعلامي في العراق، للسفر إلى إيران ضمن وفدٍ كبيرٍ يضمُّ أطيافاً شتّى من البلاد؛ من شمالها الذي يتهجّى الثلج بلغته الخاصة، إلى جنوبها الذي يحفظ الملح في عروقه كوصيةٍ أزلية … ؛ جاءت الدعوة كغيمة عابرة في سماء الروتين البغدادي .
لم تكن الدعوة عادية؛ كانت أشبه بمسرحٍ متنقّل، يُراد له أن يعرض صورةً جامعة عن وطنٍ متشظٍ… ؛ وحين علم عارف أنّ بين المدعوين شيوخ عشائر، خطرت له فكرةٌ بدا أنها بريئة: أن يدعو قريبه وصديقه الشيخ حيدر.
نعم , عارف، الكاتب الذي اعتاد أن يختنق في زنزانة ذاته، لم يتردد في استغلال الفرصة… ؛ طلب من غسان أن يضم صديقه حيدر، ذلك الشيخ الوسيم بعينيه الخضراوين كأنهما بحران صغيران يغرق فيهما من يقترب.
حيدر، ابن العشيرة والإعلام معاً، كان كقطعة شطرنج لا تعرف إلى أي مربع تنتمي: هل هو شيخ عشيرة أم صحفي وخريج كلية الاعلام ؟ أم هو مجرد وجه جميل تختبر فيه النساء قوانين الجاذبية؟
الرجل الذي يجمع بين العباءة والكاميرا، بين الموروث والعصر… ؛ وافق غسّان، وكأنّ الأقدار كانت تنتظر تلك الموافقة لتكتب فصلاً آخر من الحكاية …
هبطت الطائرة في طهران كطائر متعب يحط على غصن ثلجي… ؛ استنشق عارف هواءً عليلاً بارداً يتساقط معه ثلج خفيف كرذاذ من سماء رمادية… ؛ فشعر أن رئتيه تُغسلان بماءٍ غير مرئي، بينما قال حيدر ضاحكاً إن البرد يوقظ في الإنسان رغبةً في الاحتماء بشيءٍ دافئ—ولم يُكمل الجملة … ؛ كان كانون الثاني، شهر البرد والعزلة، وكأن الطبيعة تريد أن تهيئهم لرحلة في متاهات النفس البشرية .
نزلا في فندقٍ شاهقٍ في قلب العاصمة، في الطابق السادس عشر تحديداً… ؛ وما إن فتحا النافذة حتى تراءى لهما برج ميلاد شامخاً في الأفق، كأنه إصبعٌ يشير إلى السماء ويسألها: إلى أين يمضي البشر وهم يشيّدون هذا العلوّ كل يوم؟
بل كأنه لؤلؤة منتصبة تروي حكاية ألف ليلة وليلة ولكن عن قصص السجاد الكاشان والحائك الصبور …
نعم , كان برج ميلاد يقف بعيداً، ممدوداً نحو السماء، كأنه رمحٌ في خاصرة الغيم… ؛ عندما شاهده ؛ قال عارف في نفسه :ما جدوى العلو إن كانت أرواحنا تزحف نحو الاسفل ؟!
اغتسلا، بدّلا ملابسهما، ونزلا إلى مطعم الفندق حيث تزاحمت الأطباق كجموع بشرية على مائدة واحدة ، ثم إلى المقهى… ؛ و هناك، بدأت أولى المفارقات الصغيرة التي ستكبر لاحقاً حتى تصير قدراً .
كان حيدر مولعاً بالقهوة، بالشاي، بدخان السجائر والنارجيلة؛ يرى في الدخان امتداداً لأحاديث الرجال في ليالي الريف والمدينة … ؛ أما عارف، فكان يضيق بالدخان كما يضيق القلب السليم بفكرة الخيانة؛ لا يطيق التلوث، كأن جسده ميثاقٌ مع الهواء…
جلس مضطراً، من باب اللياقة، ومن باب الشعور الخفي بالمسؤولية؛ فهو من أقنع حيدر بالمجيء …
هناك، في ركنٍ قصيٍّ من المقهى … ؛ وفي زحام الدخان والثرثرة، رأى عارف امرأة … ؛ كانت في الستين من عمرها , تحمل ملامح تعبٍ أنيق ، ترتدي ثياباً سوداء كأنها في حداد على شباب قد رحل… ؛ لكن عينيها كانتا تحملقان في حيدر بنظرة الغريق الذي لم يعد يرى إلا منقذاً وهمياً… ؛ تقدّمت وسلّمت عليه بحرارة … ؛ وتجاهلت عارف تماماً، وكأنه ظل زائد بلا ملامح في لوحة لا تحتمل سوى شخصيتين …!!
تأمّلها عارف طويلاً… ؛ و تساءل في داخله: لماذا حين تُصاب القلوب بحمّى الإعجاب، تتلاشى بقية الوجوه؟!
هل يتحوّل الآخرون إلى تفاصيل هامشية في روايةٍ لا بطل فيها إلا واحد؟
اسمها : نوال… ؛ مهندسة متقاعدة من كركوك، أرملةٌ تعيش نصفها في الذكرى ونصفها الآخر في الانتظار… ؛ جلست مع حيدر، دخّنت النارجيلة، وضحكت كأنها تستعيد شباباً ضاع منها في دهاليز الواجبات العائلية والالتزامات الوظيفية …
انسحب عارف إلى غرفته هارباً من الدخان، غير مدركٍ أنه يهرب أيضاً من سؤالٍ أكبر: هل الحبّ، حين يأتي متأخراً، يكون حباً أم تمرّداً على الوحدة؟
في اليوم التالي، أخبره حيدر أنّ نوال دعته إلى تناول الغداء في مطعم شهير … ؛ لم يستطع الرفض—هكذا قال… ؛ابتسم عارف مبتلعاً دهشته… ؛ و تذكر أن حيدر طالما رفض نساء أجمل وأصغر سناً في مدينته… ؛ لكنه هنا، في الغربة، ينجذب إلى هذه المرأة المسنة… ؛ أدرك عارف أن الوحدة قد تحول الإنسان إلى كائن آخر، كمن يسير في صحراء فيشرب من أي سراب .
فالغربة تضعف المعايير، و الوحدة قد تُعيد ترتيب الأولويات ببرودٍ لا يخلو من قسوة… ؛ فالإنسان، حين يبتعد عن بيته، قد يتمسّك بأي دفءٍ عابر، ولو كان وهماً .
مرت ثلاثة أيام فقط , وقبل الرحيل من طهران …؛ تجاوزت العلاقة بين حيدر ونوال حدود التعارف والاعجاب … ؛ اذ أخبر حيدر عارف، ببرود غريب، أنه مارس الجنس مع نوال … ؛ صعق عارف كمن لمس سلكاً كهربائياً , لم يصدمه الفعل بقدر ما صدمه السؤال: متى صار الجسد طريقاً مختصراً إلى الشعور؟!
ما علاقة الجنس بالإعجاب؟!
لماذا يصبح الجسد هو اللغة الوحيدة التي يفهمها العاشقون والمعجبون ؟!
وكيف تتحول المشاعر النبيلة إلى ذريعة مهذبة للوصول إلى الفراش، حتى بين من يُفترض أنهم نخبٌ مثقفة؟!
وصل الوفد الى قم في الساعة السادسة مساءا … ؛ ثم تبادل حيدر ونوال التحايا والوداع …, قالت نوال : إنها ستغادر باكراً بسبب اتصال عاجل من أهلها… ؛ لكن عارف رأى في عينيها شيئاً آخر: ربما كانت تهرب من مواجهة ما حدث، أو ربما كانت تدرك أن هذه المغامرة لا يمكن أن تستمر خارج فضاء الغربة …
في مساء ذلك اليوم، وصل الشيخ أبو علي البغدادي إلى غرفتهم… , كان الشيخ أبو علي، أحد أعضاء الوفد؛ رجل ضخم طويل , كث اللحية ؛ كثيف الحضور والدخان ، يجيد فنون الحديث العشائري والسياسي… ؛ وقد انضم إلى حيدر في طقوس التدخين،و صار عارف أسيراً بين سيجارتين؛ واحدةٌ تشتعل في يد حيدر، وأخرى في يد أبي علي …؛كان يهرب من دخان السجائر إلى فتح النافذة، فيدخل هواء قارس يخنق رئتيه… ؛ و أصبح كالمستجير من الرمضاء بالنار، يختار أهون الشرين لكنه لا يجد خلاصاً…
سهر الثلاثة إلى الفجر… ؛ و ناموا ساعتين فقط، ثم أيقظهم رئيس الوفد بأمر مغادرة فوري… ؛ ضج الجميع بالشكوى والصخب والاعتراض ، لم يزر معظمهم المراقد الدينية ، لم يتبضّعوا، لم يناموا… ؛ كأن الرحلة كانت سباقاً ضد الزمن لا رحلةً إليه… ؛ لكن لا أحد يستمع… , وجوههم اعتراها الوجوم كأقنعة تراجيدية …!!
في القطار المتجه إلى مشهد، استمر العذاب… ؛ رحلةٌ طويلةٌ تمتد سبع عشرة ساعة أو أكثر… ؛ في المقصورة الضيقة، استمرّ الدخان يتصاعد كالبخور في معبد شيطاني … ؛ أو كأنه قدرٌ سيء لا يُرى…
كان عارف يصعد إلى السرير العلوي هرباً، لكن الدخان كان يطارده كشبح لا يهدأ… ؛ يفتح النافذة فيلدغه البرد ويدخل هواءٌ قارصٌ يلسع صدره ؛ يغلقها فيخنقه الدخان … ؛ وقبل أن تصل الرحلة إلى نهايتها، شعر عارف بأن صدره يتحول إلى سحابة سوداء… ؛ شيئاً فشيئاً، ضاق نَفَسه…؛ لم يعد يستطيع التنفس… ؛هواء لا يدخل ولا يخرج… ؛لم يعد قادراً على التمييز بين الداخل والخارج… ؛ الدخان والبرد امتزجا في صدره كغيمةٍ ثقيلة… ؛ أحسّ أن رئتَيه تتحولان إلى ورقٍ رطبٍ يحترق ببطء…, ثم أغمي عليه …
استيقظ بعد ثلاثة أيام في مستشفى بمشهد… , وجد نفسه ملقى على سرير أبيض؛ كانت باقة وردٍ على الطاولة، ووجهان مألوفان يقفان على جانبي سريره: حيدر عن يمينه، وأبو علي عن يساره…
ابتسمَا حين فتح عينيه … ؛ وبعد ان خرجت الممرضة … ؛ أشعل الاثنان سيجارتيهما معاً …
في تلك اللحظة، لم يشعر عارف بالاختناق من الدخان فقط، بل من معنى أعمق: أن الإنسان قد ينجو من الموت، لكنه يظلّ محاصَراً بعاداته، بأنانيته، بعجزه عن رؤية الآخر حتى وهو يختنق …
أن البشر قد يحبّونك، لكنهم نادراً ما يتخلّون عن أذاهم من أجلك … ؛ لان التغيير أصعب من الاعتذار…
غاب عن الوعي مرةً أخرى … ؛ لكن هذه المرة، لم يكن السبب الدخان وحده … ؛كان السبب أنه أدرك أخيراً أن أخطر أنواع التلوث ليس ما يدخل الرئتين، بل ما يسكن القلوب؛ حين يصبح الإنسان غير قادرٍ على التخلّي عن أذيّته للآخرين، ولو كان ذلك الأذى مرئياً كالدخان، وبارداً كالثلج …
ومن بعيد، كان برج ميلاد ما يزال شامخاً، يشير بإصبعه إلى السماء، كأنه يسأل
: هل يعلو الإنسان حقاً، أم أن علوّه مجرد دخانٍ يتصاعد ثم يذوب في ظلال من دخان …؟
وهل نحن مسافرون حقاً بين المدن، أم أننا ندور في قطارٍ أبديٍّ اسمه الرغبة، لا يتوقف إلا حين تنفد الرغبات وتتعطل الشهوات وتموت الامنيات … ؟