مفهوم البخوع في القرآن الكريم (فلعلك باخع نفسك على آثرهم)

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَـٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا” ﴿الكهف 6﴾ “فلعلك” يا محمد ” بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ” ﴿الكهف 6﴾ أي: مهلك وقاتل نفسك على آثار قومك الذين قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا تمردا منهم على ربهم ” إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا” ﴿الكهف 6﴾ أي: إن لم يصدقوا” بِهَذَا الْحَدِيثِ” ﴿الكهف 6﴾ أي: بهذا القرآن الذي أنزل عليك “أسفا” أي: حزنا وتلهفا ووجدا بإدبارهم عنك وإعراضهم عن قبول ما آتيتهم به وقيل على آثارهم أي بعد موتهم لشدة شفقتك عليهم وقيل معناه من بعد توليهم وإعراضهم عنك وقيل أسفا أي: غيظا وغضبا عن ابن عباس وقتادة وهذه معاتبة من الله سبحانه لرسوله على شدة وجده وكثرة حرصه على إيمان قومه حتى بلغ ذلك به مبلغا يقربه إلى الهلاك.

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَـٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا” ﴿الكهف 6﴾ على آثارهم أي على بعدهم وإعراضهم، والمراد بالحديث هنا القرآن بالاتفاق، وفي وصف القرآن بالحديث دليل على فساد قول من قال: ان القرآن قديم.. وما من شك أن النبي صلى الله عليه واله وسلم يريد الخير والهداية لكل انسان بلا استثناء، تماما كما تريدها أنت لولدك، وأريدها أنا لولدي. وكان النبي يتألم ويحزن إذا سلك سالك سبيل الهلاك والضلال، كما يتألم الوالد لهلاك ولده. وفي هذه الآية عاتب اللَّه سبحانه نبيه الكريم على وجده وحسرته المهلكة من أجل اعراض من أعرض عن الهداية واتباع الحق، وقال له: لا تحزن عليهم. ان إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم.

عن حوزة الهدى للدراسات الاسلامية بخوعًا أو نجوعًا؟ وما الفرق؟ لسماحة الشيخ محمد صنقور: وأمَّا معنى قوله عليه السلام: “وطريقًا إليك مهيعًا” فالمهيَع هو الطريق الواسع المنبسط الواضح البيِّن، من التهيُّع وهو الانبساط، والانبساطُ بطبعه يقتضي الوضوح، ولا يكون إلا حيث تكون السعة، لذلك يُقال بلدٌ مهيَع أي واسع والهيعة وصفٌ للأرض الواسعة المبسوطة، وكذلك هو وصف للطريق الواسع المُنبسط الذي ليس فيه عقبات ولا تعرُّجات ولا حواجز وموانع وغوامض، فطبيعة الطريق المنبسط الواسع هو أنَّه منكشِف لسالكه فلا يخشى مفاجئاته، وهذا هو معنى ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: “اتقوا البِدَع والزموا المَهيَع” أي الزموا الطريق المنبسط الواضح البيِّن والسالك. والظاهر أنَّ ما ورد في الإقبال لابن طاووس هو الأصح، فهو الموافق لما ورد في النسخة المتداولة لكتاب مصباح المتهجِّد للشيخ الطوسي رحمه الله وهي المطابقة في هذا المورد لوسائل الشيعة للعاملي، وكذلك فإنَّ ما ورد في الإقبال هو الموافق لما في كتاب المزار للشيخ محمد بن جعفر المشهدي (رحمه الله) من أعلام القرن السادس الهجري، وكذلك هو الموافق للنسخة المتداولة لكتاب البلد الأمين للكفعمي رحمه الله ولم أجد من هؤلاء من أشار إلى اختلاف النُسَخ، على أنَّ كتاب مفاتيح الجنان في النسخة المحققة مشتملة هي أيضًا على كلمة “بخوعًا” فلا يبعد أنَّ كلمة “نجوعًا” الواردة في بعض النسخ تصحيف لكلمة “بخوعًا” لتقارب حروف الكلمتين.

جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَـٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا” ﴿الكهف 6﴾ وهُنا يجب الإِنتباه إِلى بعض الملاحظات: أوّلاً: (باخع) مِن (بخع) على وزن، (نَخَلَ) وهي بمعنى إِهلاك النفس مِن شدّة الحزن والغم. ثانياً: كلمة (أسفاً) والتي تبيّن شدّة الحزن والغم، هي تأكيد على هذا الموضوع. ثالثاً: (آثار) جمع (أثر) وهي في الأصل تعني محل موضع القدم، إِلاَّ أنَّ أي علامة تدل على شيء معين تُسَمّى أثراً. إِنَّ الإِستفادة مِن هذا التعبير في الآيات أعلاه تشير إِلى ملاحظة لطيفة، وهي أنَّ الإِنسان قد يُغادر في بعض الأحيان مكاناً ما، ولكنَّ آثاره ستبقى بعده، وتزول إِذا طالَ زمن المغادرة. فالآية تريد أن تقول: أنّك على قدر مِن الحزن والغم ولعدم إِيمانهم بحيث تريد أن تُهلك نفسك مِن شدّة الحزن قبل أن تُمحى آثارهم. ويُحتمل أن يكون الغرض مِن الآثار أعمالهم وتصرفاتهم. رابعاً: استخدام كلمة (حديث) للتعبير عن القرآن، هو إِشارة إِلى ما ورد من معارف جديدة في هذا الكتاب السماوي الكبير، يعني أنَّ هؤلاء لم يُفكروا في أن يستفيدوا ويبحثوا في هذا الكتاب الجديد ذي المحتويات المستجدَّة. وهذا دليل على عدم المعرفة، بحيث أنَّ الإِنسان بقدر قُربه مِن هذا الكتاب، إِلاَّ أنَّهُ لا يلتفت إِليه. خامساً: صفة الإِشفاق لدى القادة الإِلهيين. نستفيد مِن الآيات القرآنية وتأريخ النبوات، أنَّ القادة الإِلهيين كانوا يتألمون أكثر ممّا نتصور لضلال الناس، وكانوا يريدون لهم الإِيمان والهداية. ويألمون عندما يُشاهدون العطاشى جالسين بجوار النبع الصافي، ويأنون مِن شدّة العطش، الأنبياء يبكون لهم ويجهدون أنفسهم ليلا ونهاراً، ويبلغون سرّاً وجهاراً، ويُنادون في المجتمع مِن أجل هداية الناس. إِنّهم يألمون بسبب ترك الناس للطريق الواضح الى الطرق المسدودة، هذا الألم يكاد يوصلهم في بعضِ الأحيان إِلى حدِّ الموت. ولو لم يكن القادة بهذه الدرجة مِن الإِهتمام لما انطبق عليهم المفهوم العميق للقائد. وبالنسبة لرسول الهدى صلى الله عليه وآله وسلم كانت تصل به حالة الحزن والشفقة إِلى مرحلة خطرة على حياته بحيث أنَّ الله تبارك وتعالى يُسلّيه. فى سورة الشعراء نقرأ في الآيتين (3، 4) قوله تعالى “لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إِن نشأ ننزل عليهم مِن السماء آية فظلَّت أعناقهم لها خاضعين”.(الشعراء 3-4).

السيد جعفر مرتضى العاملي في كتابه مراسم عاشوراء عن الضرر والهلاك في النصوص والآثار: قوله تعالى “فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً” (الكهف 6). وقال تعالى: “لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ” (الشعراء 3) فهو صلى الله عليه وآله يعرض نفسه لأمور صعبة، تصل به إلى حد الهلاك، من أجل أناس يعلنون الحرب عليه، ويقتلون ذويه وأصحابه، ويفتكون حتى بمثل عمه حمزة، وعبيدة بن الحارث، وغيرهما ولو قدروا على قتله هو أيضاً، لاعتبروا ذلك من أعظم الأعياد عندهم. مع أن بإمكانه صلى الله عليه وآله أن لا يهتم لهذا الأمر. وهذا يشير إلى أن هذا المستوى من التعامل مع القضايا، أمر مسموح به، بل هو راجح، يستحق عليه رسول الله صلى الله عليه وآله هذه التسلية الإلهية، ولا يمكن أن يكون ما يفعله الرسول صلى الله عليه وآله من موارد لقبح العقلي، ولا هو محرم ذاتاً في أي حال من الأحوال.