تشكيل الحكومة العراقية في ظل صراع المحاور: تحليل استراتيجي..

ضياء المهندس

لم يعد تشكيل الحكومة العراقية عملية سياسية داخلية محكومة بنتائج الانتخابات أو التفاهمات البرلمانية فحسب، بل أصبح جزءاً من معادلة أمن إقليمي أوسع تتشكل ملامحها على وقع التصعيد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من دول الخليج من جهة أخرى. وفي هذه البيئة المضطربة، يتحول العراق إلى نقطة ارتكاز جيوسياسية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم الاستراتيجيات.
إن فهم سيناريوهات تشكيل الحكومة المقبلة يتطلب قراءة العراق ليس كدولة منفصلة، بل كـ”مساحة توازن” داخل صراع إقليمي مفتوح.
أولاً: العراق كمنطقة عازلة لا كلاعب مستقل
من منظور استراتيجي، تنظر القوى الدولية والإقليمية إلى العراق بوصفه:
ـ ممراً لوجستياً للطاقة والتجارة،
ـ عمقاً أمنياً لإيران،
ـ وساحة ردع متقدمة للولايات المتحدة وحلفائها.
هذا التوصيف يجعل شكل الحكومة العراقية مسألة أمن قومي لعدة أطراف خارجية، وليس شأناً عراقياً خالصاً. لذلك، فإن أي عملية تشكيل حكومة ستخضع عملياً لثلاثة محددات رئيسية:

  • مستوى التصعيد العسكري في المنطقة.
  • طبيعة التفاهم الأمريكي–الإيراني (إن وجد).
  • قدرة القوى العراقية على إنتاج توازن داخلي مستقل.
    ثانياً: السيناريوهات الاستراتيجية لتشكيل الحكومة
  1. سيناريو “حكومة الاحتواء المتبادل”
    وهو السيناريو الأكثر واقعية في المدى القريب. تقوم فكرته على منع العراق من الانزلاق إلى محور واضح.
    خصائصه:
  • اختيار رئيس وزراء توافقي منخفض الاستقطاب.
  • استمرار العلاقة الأمنية مع واشنطن دون تصعيد.
  • الحفاظ على خطوط التنسيق مع طهران.
    استراتيجياً، هذه الحكومة لا تحل الأزمات بل تديرها، وتعمل كآلية لشراء الوقت بانتظار اتضاح شكل النظام الإقليمي الجديد.
    التقييم:
    استقرار أمني نسبي مقابل شلل إصلاحي مزمن.
  1. سيناريو “التموضع ضمن محور إيران”
    إذا تحولت المواجهة الإقليمية إلى صراع مفتوح طويل الأمد، فقد تتجه قوى نافذة داخل العراق إلى فرض حكومة أكثر انسجاماً مع الاستراتيجية الإيرانية.
    الدوافع:
  • الاعتماد الأمني المتبادل.
  • تشابك الفصائل المسلحة مع المعادلة السياسية.
  • الخشية من فراغ أمني في حال انسحاب الدعم الإيراني.

النتائج الاستراتيجية المحتملة:

  • تصاعد الضغوط والعقوبات الغربية.
  • انكشاف الاقتصاد العراقي أمام النظام المالي الدولي.
  • تحول العراق إلى خط تماس مباشر في الصراع.
    هذا السيناريو يمنح نفوذاً سياسياً سريعاً لكنه يرفع مستوى المخاطر الوجودية للدولة.
  1. سيناريو “إعادة التموضع العربي – الدولي”
    يقوم على تشكيل حكومة تسعى تدريجياً إلى تقليل الاعتماد على إيران عبر توسيع الشراكات مع الخليج والغرب.
    مرتكزاته:
    ـ الاستثمار والطاقة والربط الاقتصادي الإقليمي.
    ـ إعادة تعريف العراق كجسر اقتصادي بدلاً من ساحة أمنية.
    ـ تعزيز مؤسسات الدولة مقابل الفاعلين غير الرسميين.
    لكن نجاح هذا المسار يتطلب شرطاً صعب التحقيق: توافقاً داخلياً يمنع تفسير التحول كاستهداف لمحور معين.
    المخاطرة:
    احتمال انتقال الصراع الإقليمي إلى الداخل السياسي والأمني.
  2. سيناريو “الانسداد الاستراتيجي”
    وهو سيناريو يتكرر تاريخياً في العراق عندما تتعادل الضغوط الخارجية مع الانقسامات الداخلية.
    ملامحه:
  • تأخر تشكيل الحكومة أو بقاء حكومة مؤقتة.
  • تصاعد التنافس داخل مؤسسات الدولة.
  • توسع دور الفاعلين غير الرسميين لسد الفراغ.
    استراتيجياً، هذا السيناريو هو الأخطر لأنه يحول العراق إلى ساحة مفتوحة للتأثيرات الخارجية دون مركز قرار وطني واضح.

ثالثاً: المتغيرات الحاسمة
هناك أربعة عوامل سترجح أحد السيناريوهات:

  • مسار الحرب الإقليمية: كلما طال أمد الصراع تقل فرص الحياد العراقي.
  • أسعار النفط: ارتفاعها يمنح الحكومة هامش مناورة، وانخفاضها يفرض تبعية أكبر للخارج.
  • تماسك المؤسسة الأمنية العراقية: عامل أساسي لمنع الانزلاق إلى صراع داخلي.
    الضغط الشعبي الداخلي: الاحتجاجات الاقتصادية قد تعيد ترتيب أولويات القوى السياسية بعيداً عن المحاور.

رابعاً: المعضلة الاستراتيجية للعراق
المشكلة الجوهرية ليست في اختيار رئيس الوزراء، بل في غياب عقيدة دولة واضحة تحدد موقع العراق في النظام الإقليمي.
فالعراق حالياً يعيش تناقضاً استراتيجياً:

  • اقتصاد مرتبط بالغرب،
  • جغرافيا سياسية مرتبطة بإيران،
  • وطموح سياسي للانفتاح العربي.
    وأي حكومة لا تستطيع إدارة هذا المثلث ستتحول إلى حكومة أزمة لا حكومة دولة.

الخلاصة
الحكومة العراقية المقبلة لن تُقاس بقدرتها على تشكيل تحالف برلماني، بل بقدرتها على تحقيق ثلاث معادلات صعبة:

  • منع استخدام العراق كساحة حرب.
  • الحفاظ على التوازن بين القوى الدولية المتنافسة.
  • تحويل الصراع الإقليمي من تهديد أمني إلى فرصة اقتصادية.
    وفي ظل الحرب الدائرة، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من سيشكل الحكومة؟
    بل: أي عراق تريده القوى المتصارعة، وهل يستطيع العراقيون فرض عراقهم الخاص قبل أن يُفرض عليهم؟

البروفيسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي