رياض سعد
من الملاحظ في التجارب الإنسانية أن علاقة المواطن بوطنه غالباً ما تتجاوز طبيعة النظام السياسي أو حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها… ؛ فحب الوطن شعور عميق ومتجذر في الوجدان الجمعي للشعوب… ؛ فالمصري، على سبيل المثال، يعشق مصر رغم ما يواجهه أحياناً من صعوبات معيشية وضغوط اقتصادية؛ والتركي يعتز بتركيا ويستحضر تاريخها وإرثها الحضاري؛ والفرنسي كذلك يفاخر بفرنسا ويعدها جزءاً لا يتجزأ من هويته الثقافية… , والالماني يفخر بالمانيا حتى في أحلك لحظات تاريخه … ؛وإذا كان لكل أمة نصيب من هذا الحب، فإن الإيرانيين يمثلون نموذجاً فريداً في تمسكهم بوطنهم، بل إنهم يتفوقون في هذا المضمار بامتلاكهم مزيجاً من الوعي التاريخي والتعصب القومي الذي صاغ هويتهم عبر العصور… .
يعود هذا الولع الاستثنائي إلى عمق الحضارة الفارسية التي كانت إحدى قطبي العالم القديم، حيث وقفت الإمبراطورية الفارسية نداً قوياً للإمبراطورية الرومانية، وورث الإيرانيون هذا الإرث كابراً عن كابر، فترسخ في وجدانهم أنهم أحفاد حضارة عظيمة، وأنهم محاطون بقوميات مجاورة لا ترقى – في اعتقادهم – إلى مستوى إرثهم الحضاري. وقد أطلق عليهم القدماء لقب “أبناء الأحرار” تقديراً لشموخهم واعتزازهم بأنفسهم، وهذا الإرث جعل منهم أمة لا تلين بسهولة … .
ولا يقتصر هذا الشعور على النخب السياسية أو الثقافية، بل يمتد ليشمل قطاعات واسعة من المجتمع ان لم نقل الاغلبية الساحقة من الامة الايرانية .
ومن السمات اللافتة في التاريخ الإيراني قدرة المجتمع على استعادة توازنه بعد الأزمات والانتكاسات والتحديات … ؛ فكلما تعرضت إيران لانتكاسة سياسية أو عسكرية، سرعان ما تعيد ترتيب أوراقها وتستعيد جزءاً كبيراً من قوتها، مستندة إلى تماسكها الاجتماعي وشعورها الوطني المشترك… ؛ وقد ساعد هذا التلاحم الداخلي، في أكثر من محطة تاريخية، على تجاوز لحظات الانكسار أو الضعف .
فعندما تتعرض إيران لتهديد خارجي أو تدخل أجنبي، يظهر نمط واضح من التضامن الوطني بين الإيرانيين، حيث تتراجع الخلافات السياسية أو الاجتماعية الداخلية لصالح ما يُنظر إليه باعتباره دفاعاً عن الوطن… ؛ ففي مثل هذه اللحظات، يميل المجتمع إلى الاصطفاف خلف فكرة حماية البلاد وسيادتها، وكأن مكونات المجتمع المختلفة تتحول إلى كتلة واحدة في مواجهة الخطر الخارجي .
نعم , ما أن تتعرض إيران لانتكاسة أو عدوان خارجي، حتى تظهر قوة التلاحم الاجتماعي الذي يعيد ترتيب أوراقها بسرعة خارقة… ؛ و التاريخ خير شاهد على ذلك؛ فعندما سقطت الدولة الصفوية واحتل الأفغان أصفهان في القرن الثامن عشر، هبت قبائل الشمال الإيراني لنجدة إخوانهم، وتمكنوا من دحر الغزاة وإلحاق هزيمة نكراء بهم… ؛ ساهمت لاحقاً في استعادة قدر من السيطرة وإعادة بناء الدولة من جديد ؛ هذا المشهد تكرر في العصر الحديث، حين وقف الإيرانيون صفاً واحداً خلف قيادتهم أثناء الحرب العراقية الإيرانية، رغم الخلافات السياسية الداخلية… .
إن المعيار الحقيقي للوطنية الإيرانية يتجلى في رفض الخيانة، وهو خط أحمر لا يمكن تجاوزه. خير مثال على ذلك منظمة “مجاهدي خلق” التي كانت تتمتع بشعبية معقولة في بداية الثورة الإسلامية، ولكن بمجرد أن تحالفت مع النظام البعثي في العراق وانحازت إلى صدام في حربه ضد إيران، سقطت شعبيتها وانتهى تأثيرها نهائياً… ؛ فالإيراني قد يغفر لإخوانه أخطاء كثيرة، لكنه لا يغفر الخيانة أبداً، خاصة إذا ارتبطت بتحالف مع عدو خارجي .
وتكشف هذه الواقعة عن بُعد مهم في الثقافة السياسية الإيرانية، وهو أن الخلافات الداخلية قد تكون مقبولة في إطار التنافس السياسي أو الفكري، لكنها تتحول إلى مسألة حساسة للغاية عندما ترتبط بقضايا السيادة الوطنية أو الصراع مع الخارج… ؛ فالإيراني قد يختلف مع مواطنه في السياسة أو الاقتصاد أو حتى في تقييم النظام الحاكم، لكنه غالباً ما ينظر إلى التعاون مع خصوم خارجيين في أوقات الصراع بوصفه أمراً مرفوضاً اجتماعياً وفعلا اخلاقيا مستهجنا .
ومن هنا يرى بعض الباحثين أن الرهان الخارجي على تفكيك المجتمع الإيراني من خلال الضغوط أو الأزمات قد يصطدم أحياناً بواقع اجتماعي معقد، حيث يؤدي الشعور بالتهديد الخارجي إلى تعزيز التماسك الداخلي بدلاً من إضعافه… ؛ فالتاريخ السياسي للبلاد يشير إلى أن الضغوط الخارجية كثيراً ما ساهمت في تقوية الحس الوطني لدى قطاعات واسعة من المجتمع .
بل و من هنا تبدو سذاجة بعض القراءات الامريكية للمجتمع الإيراني، التي تراهن على انشقاق الداخل أو تحريك الشارع ضد النظام الاسلامي في أوقات الحرب والتهديدات الخارجية… ؛ قهذه الرهانات تتعارض مع الطبيعة الالتحامية للمجتمع الإيراني، الذي يختلف في قضاياه الداخلية لكنه يتوحد فوراً حين يواجه عدواناً خارجياً… ؛ نعم، قد تظهر بعض المشاهد الإعلامية المدفوعة الثمن، أو تخرج مجموعات صغيرة لا تتجاوز أصابع اليد، لكن النادر لا يقاس به العام… ؛ فالملايين الذين يملؤون الشوارع في المآتم والمناسبات الوطنية، والذين ينددون بالعدوان ويطالبون بالثأر لشهدائهم، هم التعبير الحقيقي عن إرادة الأمة الايرانية والواقع ؛ وقد يخرجون ضد النظام الاسلامي ولكن بعد زوال التهديد الخارجي والعدوان الاجنبي .
إن اللافت في هذا المشهد هو التنوع الاجتماعي الذي يندمج تحت راية الوطنية؛ فالشيعة والسنة، والفرس والأكراد والعرب والبلوش والآذريون، وحتى الأقليات الدينية من زرادشتيين ويهود وصابئة ومسيح … الخ ، كلهم يلتقون على عشق إيران… ؛ هذا التنوع الذي قد يبدو مصدر ضعف في مجتمعات أخرى، يتحول في إيران إلى عامل قوة حين يواجه الوطن خطراً مشتركاً …!!
وقد أظهرت عدة أحداث سياسية واجتماعية أن الإيرانيين قادرون على الجمع بين الاختلاف الداخلي والاتفاق على بعض الثوابت الوطنية… ؛ فالنقاشات السياسية قد تكون حادة أحياناً داخل المجتمع، إلا أن فكرة “إيران” نفسها تبقى نقطة التقاء أساسية لدى الاغلبية الساحقة من المواطنين .
وفي ضوء ذلك يمكن القول إن ارتفاع مستوى الوعي الوطني في إيران لا يرتبط فقط بالخطاب السياسي المعاصر، بل يستند إلى مزيج من العوامل التاريخية والثقافية والاجتماعية… ؛ فالإرث الإمبراطوري القديم، والتجارب المتكررة مع التدخلات الخارجية، والتنوع الداخلي الذي تطلب أشكالاً من التعايش، كلها عوامل ساهمت في تشكيل نمط خاص من الوطنية الإيرانية .
لقد أثبت الإيرانيون للعالم أجمع، عبر محطات تاريخية متلاحقة، أن وعيهم السياسي يتجاوز بكثير محاولات الاختراق والتفتيت… ؛ إنهم وإن اختلفوا في وجهات النظر، إلا أنهم لا يختلفون أبداً على أن إيران فوق الجميع… ؛ وفي هذا التماسك الاجتماعي والحس الوطني العالي، تكمن قوة هذه الأمة التي لا تنكسر إلا على مضض، وبقوة جبارة قد تفوق إمكانياتها المادية، ولكنها تظل نابعة من يقينها بعدالة قضيتها وحقها في الدفاع عن كيانها .
وفي النهاية، قد يختلف الإيرانيون في رؤيتهم للسياسات الداخلية أو في تقييمهم لأداء الحكومات المتعاقبة، لكن كثيراً من المؤشرات التاريخية والاجتماعية تشير إلى أن حب إيران والاعتزاز بها يظل عاملاً مشتركاً بين شرائح واسعة من المجتمع… ؛ وهذا ما يجعل فهم السياسة الإيرانية أو ديناميات مجتمعها أمراً صعباً من دون إدراك عمق هذا الشعور الوطني المتجذر في الوعي الجمعي للإيرانيين .