العلاقة الكردية–الشيعية في العراق: جذور التاريخ وضرورات الحاضر والمستقبل

رياض سعد

المقدمة
تُعد العلاقة بين الأكراد والشيعة في العراق من أكثر العلاقات الاجتماعية والسياسية تعقيداً وعمقاً في تاريخ البلاد الحديث والمعاصر… ؛ اذ تشكل العلاقات بين المكوّن الكردي والمكوّن الشيعي في العراق والمنطقة نموذجاً فريداً للتعايش والتحالف الاستراتيجي الذي تمتد جذوره في عمق التاريخ، وتغذيه روابط المصير المشترك والتحديات نفسها. إن الحديث عن هذه العلاقة ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة وجودية لفهم تعقيدات المشهد العراقي والشرق أوسطي، خاصة في ظل استهداف إقليمي ودولي واضح لكلا المكونين … ؛نعم , على الرغم من اختلاف الانتماء القومي بين الطرفين، فإن بينهما قواسم مشتركة وروابط تاريخية واجتماعية وسياسية عديدة، جعلت من تلاقيهما أمراً طبيعياً في كثير من المحطات التاريخية… ؛ ومن هنا فإن فهم هذه العلاقة لا يقتصر على قراءة الوقائع السياسية فحسب، بل يتطلب أيضاً النظر في الخلفيات الاجتماعية والثقافية التي أسهمت في تشكيلها .
أولاً: المشتركات التاريخية والانسانية والاجتماعية: جذور تمتد في عمق الحضارة
لا يمكن فهم عمق العلاقة بين الأغلبية الشيعية العراقية و الاقلية الكردية العراقية دون النظر إلى المشتركات التي تجمع بينهما، والتي تتجاوز الانتماء المذهبي أو القومي الضيق لتصل إلى طبقات أعمق من الهوية والقيم :
1-القيم الأصيلة والطباع المتقاربة: يشتهر أبناء المكونين بالكرم والغيرة والشجاعة، وهي صفات رسّختها البيئة العراقية والتاريخ الرافديني ؛و هذه الطباع المشتركة جعلت من كل مكون مرآة للآخر في مواجهة التحديات، حيث التحدي والتمرد على الظلم سمة أصيلة فيهما .
2-وشائج التاريخ القديم: تكشف المدونات التاريخية أن التكوين السكاني للعراق لم يكن أبداً أحادياً جامداً… ؛ فالنبط (العراقيون القدماء) لم يقتصروا على السكن في الجنوب والوسط فحسب، بل امتد وجودهم ليشمل المناطق الجبلية… ؛ و هذه الحقيقة التاريخية تدعم الرأي القائل إن بعض القبائل والعشائر الكردية تمتد جذورها إلى أصول عربية أو سامية قديمة، مثلما أن العديد من العشائر العربية استقرت تاريخياً في مناطق كردستان. وهذا التداخل يعكس طبيعة العراق بوصفه فضاءً حضارياً متشابكاً لا يمكن اختزاله في هويات منفصلة… ؛مما يؤكد عمق الوحدة البشرية والتداخل الحضاري بين سكان العراق قبل أن ترسم الحدود القومية الحديثة .
ثانياً: الذاكرة المشتركة للظلم: معاً في وجه المحن
إذا كان التاريخ البعيد يكشف عن جذور التداخل، فإن التاريخ الحديث يبرز بوضوح تجربة المعاناة المشتركة بين الأكراد والشيعة… ؛ فقد تعرض الطرفان لسياسات قمعية قاسية في ظل أنظمة قومية متشددة، خصوصاً خلال العقود التي حكم فيها العراق أنظمة استبدادية ذات نزعات إقصائية .
فقد ارتبط مصير الشيعة والكرد عضوياً في العصر الحديث من خلال تجربة المعاناة نفسها تحت وطأة الأنظمة الشمولية… ؛ لقد كان النظام “القومي العارفي” الهجين ذو النزعة الطائفية والعنصرية، ومن بعده النظام “البعثي التكريتي” الإجرامي، ألد أعداء التنوع العراقي. وقد استهدف هذان النظامان الشيعة والكرد على حد سواء.
شركاء في الجريمة: مارس النظامان سياسات الاقصاء والتهميش ثم الإبادة الجماعية بحق الكرد (الأنفال، القصف الكيماوي على حلبجة)، كما مارس النظام البعثي التكريتي القمع الوحشي بحق الانتفاضة الشعبانية للشيعة والكرد عام 1991.
وقد دفع الطرفان ثمناً باهظاً من الدماء والدمار والخسائر الإنسانية والمادية التي لا يمكن إحصاؤها بدقة … ؛ إن هذه التجربة المشتركة من الظلم أسهمت في خلق نوع من التعاطف التاريخي بين المجتمعين، ورسخت شعوراً بأن المصير السياسي في كثير من الأحيان كان متشابهاً … ؛ وتعتبر هذه الجرائم والمجازر بحق الشيعة والاكراد ؛شواهد دامغة على أن ألم الشيعة هو نفسه ألم الكرد، وأن العدو المشترك هو من صنع هذه الذاكرة المؤلمة الموحدة .
ثالثاً: الموقف الأخلاقي والديني: فتوى الرفض في مواجهة فتوى التحريض
يبرز هنا فارق جوهري في الموقف الأخلاقي والديني الذي حكم العلاقة بين الطرفين في أحلك الظروف… ؛ ففي الوقت الذي انبرى فيه “وعاظ السلاطين” ورجال الدين المنكوسين لتحريض السلطات الطائفية والعنصرية على قتال الكرد والقضاء عليهم، مستغلين الدين لبث الفرقة، كان موقف المرجعية الشيعية والعلماء الأفذاذ واضحاً وحاسماً في تحريم قتال الكرد… ؛ و هذا الموقف الإنساني الأصيل، المستند إلى القيم الرافدينية والإسلامية السمحة، رسّخ قاعدة ذهبية: لم تسفك الشيعة دماً كردياً، ولم يرتكب الكرد مجزرة بحق إخوتهم الشيعة، مما جعل العلاقة بينهما أنقى من أن تلوثها فتن الأنظمة السياسية وعملاء القوى الخارجية .
فمن اللافت في تاريخ العلاقة بين الأكراد والشيعة أن الصدام الدموي المباشر بينهما ظل محدوداً مقارنة بغيره من الصراعات التي عرفها العراق.
وقد أسهم هذا الموقف الشيعي العراقي الاخلاقي والانساني في تقليل احتمالات الانزلاق إلى صراع شامل بين الطرفين، رغم الظروف السياسية المضطربة التي مر بها العراق… ؛ وفي المقابل، لم يُعرف تاريخياً أن الحركة الكردية الشعبية والجماهيرية استهدفت المجتمع الشيعي بوصفه خصماً جماعياً، بل كانت صراعاتها غالباً ذات طابع سياسي مع الدولة المركزية أو مع أنظمة الحكم .
البعد الإقليمي والسياسي
في السياق الإقليمي، كثيراً ما وجد الأكراد والشيعة أنفسهم في موقع التوجس أو الخصومة مع عدد من الأنظمة الإقليمية ذات الطابع القومي أو الطائفي… ؛ وقد جعل ذلك من فكرة التعاون أو التفاهم بين الطرفين خياراً واقعياً لتجنب العزلة السياسية ؛ وبسبب هذا التعاون انبثقت العملية السياسية والتجربة الديمقراطية في العراق رغم معارضة ايتام النظام البائد وشذاذ الفئة الهجينة لها .
وتظهر بين الحين والآخر مواقف سياسية أو عسكرية تؤكد رفض بعض القيادات الكردية الانخراط في صراعات طائفية أو مذهبية في المنطقة… ؛ و مثل هذه المواقف تعكس إدراكاً لدى بعض الفاعلين السياسيين بأن الانجرار إلى صراعات مذهبية واسعة قد يضر بمصالح الشعوب ويهدد الاستقرار الإقليمي .
الشاهد المعاصر: موقف مظلوم عبدي
إن الموقف الأخير للجنرال الكردي السوري مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية، يعكس استمرار هذه النزعة الأخلاقية في الوجدان الكردي… ؛ فرفضه قبل أشهر للطلب الأمريكي – الإسرائيلي بالقتال ضد الشيعة في العراق وإيران وسوريا، لم يكن مجرد موقف عسكري تكتيكي، بل كان موقفاً مبدئياً يعكس عمق الوعي بعدم الانجرار إلى صراع طائفي يستهدف الشيعة… ؛ و هذا الرفض المشرف، الذي تجلت فيه الإنسانية قبل السياسة، كان أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تخلي تلك القوى الاستكبارية عن الكورد في سوريا وتسليمهم للمجموعات المتطرفة وعصابات الجولاني الاجنبية الارهابية … .
رابعاً: ضرورة التحالف في مواجهة الاستهداف المشترك
من يستعرض الخريطة السياسية والإقليمية يدرك أن كلاً من الشيعة والكرد مستهدفان وجودياً من قبل عدة أطراف :
-استهداف إقليمي: يتعرض كل من الشيعة والكرد لعداء واضح من بعض الأنظمة الإقليمية ذات الأغلبية السنية، بل ومن قواعد شعبية في تلك الدول تتبنى خطاباً طائفياً أو قومياً متطرفاً يراهم “آخر” يجب تهميشه أو تصفيته .
-معاداة دولية: تسعى القوى الاستكبارية إلى استنزاف المنطقة عبر إثارة الفتن الداخلية، وإضعاف أي كيان يمثل قوة مستقلة غير خاضعة .
-تربص ايتام النظام البائد و شذاذ الفئة الهجينة من المرتبطين بالحركات الارهابية الاجنبية بالكرد والشيعة ؛ وتحين الفرص المؤاتية للانقضاض عليهما .
وعليه، فإن أي نظرة استراتيجية مصيرية تقتضي فهم أن تحالف الكرد مع الشيعة هو ضمانة لبقائهما معاً… ؛ فهذا التحالف ليس تكتيكاً مرحلياً، بل هو حاجة وجودية عميقة… ؛ و الإخلال بهذا التحالف التاريخي أو فك ارتباطه سيكون بمثابة توقيع حكم الإعدام الجماعي على الطرفين، حيث سيتمكن الأعداء المشتركون من القضاء على كل منهما على حدة بسهولة أكبر .
فالشراكة بين الطرفين لا تعني إلغاء الخلافات أو تجاهل المصالح المختلفة، لكنها تقوم على مبدأ إدارة هذه الاختلافات ضمن إطار الدولة والمؤسسات والقانون… ؛ وفي ظل التحديات التي تواجه العراق والمنطقة، يصبح الحفاظ على قنوات التواصل والتفاهم بين القوى الكردية والشيعية أمراً مهماً لمنع الانقسامات الحادة التي قد تهدد استقرار البلاد .
خاتمة
إن العلاقة بين الأكراد والشيعة في العراق ليست مجرد تحالف سياسي عابر، بل هي نتاج تاريخ طويل من التداخل الاجتماعي والتجارب المشتركة…,إنها شراكة تاريخية كتبت بدماء الشهداء وصيغت في ظروف الظلم والقهر العصيبة ؛ وقد أثبتت الأحداث أن التفاهم والتعاون بينهما يسهمان في تعزيز استقرار العراق، بينما يؤدي التوتر بينهما إلى إضعاف الدولة وفتح الباب أمام صراعات أوسع .
ومن هنا فإن المستقبل العراقي يتطلب تعزيز ثقافة الشراكة الوطنية القائمة على الاحترام المتبادل والاعتراف بالتنوع… ؛ فالعراق، بتاريخه وحضارته، لا يمكن أن يستقر إلا عندما تنجح مكوناته المختلفة في تحويل تنوعها إلى مصدر قوة لا إلى سبب للصراع .
فوحدة الشيعة والكرد الوطنيين ليست فقط ضماناً لاستقرار العراق، بل هي ركيزة أساسية لأي مشروع تحرري وإنساني في المنطقة، قادر على مواجهة مشاريع الظلام والفتنة والتقسيم .