المشهد السوري في ميزان الاستراتيجية الإقليمية… قراءة عسكرية في موازين القوى والسيناريوهات المحتملة

رياض سعد

لم تعد الحرب في سوريا مجرد صراع داخلي بين قوى محلية متنافسة، بل تحولت مع مرور السنوات إلى عقدة استراتيجية في قلب الشرق الأوسط، تتقاطع عندها حسابات القوى الإقليمية والدولية… ؛ فالميدان السوري اليوم يمثل نقطة تماس بين مشاريع نفوذ متعددة، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الأهداف السياسية والاقتصادية والأمنية بعيدة المدى… ؛ ومن هنا فإن أي تحليل جاد للوضع السوري لا بد أن ينطلق من فهم طبيعة هذا التشابك، ومن قراءة موازين القوى التي تشكلت خلال سنوات الحرب .
من الناحية العسكرية، أفرزت الحرب السورية واقعاً شديد التعقيد… ؛ فهناك جيش الدولة السورية مدعوماً بحلفائه الإقليميين، في مقابل شبكة واسعة من الفصائل والحركات المسلحة التي تختلف في بنيتها التنظيمية وأيديولوجياتها ومصادر دعمها… ؛ وبين هذين المعسكرين توجد مناطق نفوذ متعددة، بعضها خاضع لتأثير قوى إقليمية مثل تركيا وقطر والسعودية والامارات ، وبعضها الآخر يقع ضمن نطاق النفوذ الأميركي أو الروسي… ؛ هذا التداخل جعل الجغرافيا السورية موزعة عملياً بين مناطق نفوذ متداخلة، وهو ما يعكس طبيعة الصراع كحرب متعددة المستويات .
وعلى المستوى الاستراتيجي، يمكن ملاحظة أن سوريا تحولت إلى ساحة اختبار لمعادلات الردع الإقليمي… ؛ فالقوى المنخرطة في الصراع لا تتحرك فقط بدافع تحقيق مكاسب ميدانية داخل سوريا، بل تسعى أيضاً إلى تثبيت مواقعها في ميزان القوة الإقليمي الأوسع… ؛ ولهذا السبب أصبحت الحدود السورية مع العراق ولبنان وتركيا والأردن مساحات حساسة أمنياً، لأن أي تغير في موازين القوى داخل سوريا قد ينعكس مباشرة على أمن هذه الدول وعلى طبيعة الصراع في المنطقة .
إحدى النقاط اللافتة في المشهد الراهن هي تصاعد الخطاب السياسي والإعلامي بين بعض الأطراف الفاعلة في المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بالساحات المجاورة مثل لبنان… ؛ فالتوترات القائمة هناك، إلى جانب المواجهات المستمرة مع إسرائيل، تجعل من الجبهة اللبنانية امتداداً محتملاً لأي تحولات استراتيجية قد تحدث في سوريا… ؛ وفي مثل هذا السياق، يصبح أي تصعيد سياسي أو أمني قابلاً للتحول إلى أزمة إقليمية أوسع .
أولاً: قراءة في موازين القوى العسكرية
إذا نظرنا إلى خريطة القوة في المشرق، نجد أن التوازن العسكري يقوم على عدة عناصر أساسية :
القوة النظامية للدول: وتشمل الجيوش الرسمية، وعلى رأسها الجيش السوري والجيش الإسرائيلي، إضافة إلى القدرات العسكرية للدول الإقليمية المنخرطة بشكل غير مباشر في الصراع.
القوى غير النظامية: مثل الفصائل المسلحة المختلفة التي تمتلك خبرة قتالية تراكمت خلال سنوات الحرب، إضافة إلى شبكات الدعم اللوجستي والاستخباراتي التي تقف خلفها .
التوازنات الدولية: حيث يلعب الوجود العسكري للقوى الكبرى دوراً مهماً في ضبط إيقاع الصراع ومنع تحوله إلى مواجهة إقليمية شاملة .
هذا التوازن الهش يجعل المنطقة في حالة ردع متبادل غير مستقر؛ أي أن الأطراف المختلفة تمتلك القدرة على إلحاق أضرار كبيرة بخصومها، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن التصعيد غير المحسوب قد يؤدي إلى انفجار إقليمي واسع .
ثانياً: الأبعاد الجيوسياسية للصراع
تكتسب سوريا أهميتها الاستراتيجية من موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة مناطق حساسة في الشرق الأوسط… ؛ فهي تمثل حلقة وصل بين العراق ولبنان وتركيا والأردن، كما أنها تطل على شرق البحر المتوسط… ؛ ولهذا فإن السيطرة على الجغرافيا السورية تعني، عملياً، التأثير في خطوط الإمداد البرية والبحرية التي تشكل جزءاً مهماً من معادلة الأمن الإقليمي .
كما أن الصراع في سوريا يتقاطع مع ملفات أخرى، مثل أمن الطاقة، وخطوط النقل الإقليمية، والتنافس على النفوذ السياسي في المشرق العربي… ؛ وهذا ما يفسر استمرار الاهتمام الدولي بالملف السوري رغم مرور سنوات طويلة على اندلاع الحرب .
ثالثاً: السيناريوهات المستقبلية المحتملة
في ضوء المعطيات الحالية، يمكن تصور عدة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الوضع العسكري والسياسي في سوريا والمنطقة :
1-سيناريو الجمود الاستراتيجي
وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى الاني … ؛ ويعني استمرار الوضع القائم مع بقاء مناطق النفوذ الحالية دون تغييرات كبيرة… ؛ في هذا السيناريو تستمر المناوشات المحدودة والضربات المتقطعة، لكن دون انزلاق إلى مواجهة شاملة، بسبب توازن الردع بين الأطراف المختلفة.
2-سيناريو التصعيد الإقليمي المحدود
قد يحدث هذا السيناريو في حال تصاعد التوتر بين بعض القوى الفاعلة في المنطقة، ما يؤدي إلى انتقال التوتر إلى الساحة السورية أو اللبنانية وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القريب جدا … ؛ وفي هذه الحالة قد نشهد مواجهات محدودة النطاق أو عمليات عسكرية موضعية، لكنها تبقى محكومة بضوابط تمنع تحولها إلى حرب إقليمية واسعة ؟

3-سيناريو التسوية السياسية التدريجية
يقوم هذا السيناريو على احتمال حدوث تقارب إقليمي أو تفاهمات دولية تؤدي إلى إطلاق عملية سياسية أوسع في سوريا… ؛ مثل هذا المسار قد يتضمن إعادة ترتيب مناطق النفوذ، ودمج بعض القوى المحلية في ترتيبات سياسية أو أمنية جديدة، مع بقاء تأثير القوى الإقليمية والدولية في المشهد .
4-سيناريو الانفجار الإقليمي
وهو السيناريو المحتمل لكنه الأكثر خطورة… ؛ ويحدث إذا انهارت معادلات الردع الحالية واندلعت مواجهة واسعة بين قوى إقليمية كبرى… ؛ و في هذه الحالة قد تتحول سوريا ولبنان إلى ساحات رئيسية للصراع وقد تطال العراق فيما بعد ، ما يؤدي إلى تغيير جذري في موازين القوى في الشرق الأوسط .
خاتمة تحليلية
إن المشهد السوري اليوم يمثل نموذجاً كلاسيكياً لما يُعرف في الدراسات الاستراتيجية بـ الحروب المركبة، حيث تتداخل الحروب المحلية مع الصراعات الإقليمية والدولية… ؛ وفي مثل هذه الحروب يصبح الحسم العسكري الكامل أمراً بالغ الصعوبة، لأن كل طرف يمتلك شبكة دعم وتحالفات تمنع انهياره السريع .
ولهذا فإن مستقبل المنطقة سيبقى مرهوناً بقدرة القوى الفاعلة على إدارة تنافسها ضمن حدود محسوبة، وتجنب الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة قد تكون كلفتها باهظة على الجميع… ؛ فالتاريخ العسكري الحديث يبين أن الصراعات متعددة الأطراف لا تنتهي عادة بانتصار حاسم، بل بتسويات تدريجية تفرضها موازين القوة والواقع الجيوسياسي على الأرض .