رياض سعد
في ديناميكيات العلاقات الإنسانية، والعلاقات الاجتماعية البسيطة ؛ حيث يتعامل الناس بقلوبهم قبل حساباتهم ,توجد قاعدة غير مكتوبة يفهمها الجميع بالفطرة: أن من بخل على صديقه بأبسط الأشياء لا يجرؤ غالبًا على مطالبته بالسخاء… ؛اذ لا يمكن للبخيل الذي ضنّ بأتفه العطايا أن يلوم صديقاً كريماً على تقصير، فالبخيل يعلم في أعماق نفسه أن طلبه سيوقظ ذاكرة الآخر، وأن الذاكرة ليست دفترًا أبيض، بل سجلٌّ أخلاقيٌّ يحتفظ بالكرم كما يحتفظ بالبخل … ؛ وكذلك الخائن لا يملك حق المطالبة بالأمانة ممن خانهم… , فهولا يجرؤ عادةً على مطالبة صاحبه بالوفاء؛ لأن الوفاء عملة لا يتداولها من اعتاد الغدر… ؛ وفي هذا السياق، يُروى عن النبي محمد قولٌ بليغ يلخص فلسفة العلاقات الإنسانية : «خالقِ الناسَ بأيِّ خُلُقٍ شئتَ يُخالِقوكَ بمثله»… ؛ فمَن يخالق الناس بالكذب سيُقابَل بالكذب، ومن يخالقهم بالاحترام سيحصد الاحترام، ومن يؤذِهم سيجد الأذى يعود إليه بأشكالٍ مختلفة .
هذه القاعدة التي تحكم العلاقات الفردية لا تختفي عندما ننتقل إلى عالم السياسة والدين والعشيرة ، بل تصبح أكثر حضورًا وأشد حساسية … .
فالساسة والقادة ليسوا كائناتٍ خارجةً عن الطبيعة البشرية بل هم جزء من هذه المعادلة الإنسانية ؛ إنهم أبناء المجتمع نفسه، تجري عليهم قوانينه الأخلاقية والنفسية والاجتماعية كما تجري على غيرهم… ؛ بل إن أثر هذه القوانين فيهم أعظم، لأن العلاقة بينهم وبين الجمهور ليست علاقة شخصية فحسب، بل علاقة ثقة عامة، وعقد اجتماعي ضمني يربط السلطة والنفوذ السياسي والديني بالمجتمع … ؛ فالمسؤولية العامة تجعل الأمر في حقهم أكثر إلحاحاً وحساسية… .
***حين يطلب القائد والسياسي والمسؤول وفاءً لم يزرعه
ومن هنا تبدأ المفارقة العجيبة في كثير من التجارب السياسية والدينية :
اذ أن بعض القادة والساسة ورجال الدين يطالبون الناس بالوفاء لهم، بينما لم يزرعوا في حياتهم السياسية والدينية بذرة واحدة من الوفاء الحقيقي تجاه الناس والاتباع والمريدين .
فالقائد والسياسي والزعيم الذي يرفع صوته في الخطب مدعيًا الغيرة على شعبه وأمته وجماعته وطائفته ، ويصرح بالشفقة والنصح , أو المتشدق بحب الوطن، أو المتحدث عن التضحية والرسالة التاريخية والانسانية والاسلامية والوطنية ، إنما يُختبر صدقه في لحظة واحدة فقط: لحظة تحويل الكلام إلى فعل… ؛ فالشعارات التي لا تتحول إلى سياسات، والخطب التي لا تتحول إلى خدمات , والمهرجات والاجتماعات التي لا تتحول الى مشاريع وانجازات … ؛ تبقى مجرد أصواتٍ في الهواء، تشبه السراب الذي يراه العطشان ماءً حتى إذا اقترب منه لم يجد شيئًا .
أما ذلك السياسي الذي يملأ الدنيا صراخاً في الفضائيات، ويتكلم عبر الشاشات بالقيم الاسلامية والمبادئ الانسانية والمشاريع والانجازات , ويتشدق بالوطنية تارة وبالشعارات الإسلامية تارة، وبالقيم الإنسانية والخطاب المدني الحضاري تارات، فلا مناص له من ترجمة هذه المبادئ على أرض الواقع… ؛ فالممارسة وحدها هي التي تصنع الفارق وتمكّن المواطن البسيط من التمييز بين الصالح والطالح، وبين الأصيل والعميل، وبين الوطني الحقيقي والمتاجر بالوطن … ؛لأن المواطن البسيط، مهما بدا صامتًا أو بعيدًا عن التحليل السياسي، يمتلك حسًّا فطريًا يميّز بين الصادق والمتاجر بالشعارات .
إن القضية ليست خطاباً إذاعياً، والمسألة ليست شعارات ترفع في المناسبات… ؛ فالولاءات لا تُشترى بالكذب، ولا تُصنع بالادعاءات البراقة , والقصص السمجة والطوباوية ، بل تُبنى بالعمل المشترك وتقديم الخدمات والمباشرة بالمشاريع والانجازات المشرفة ، وتتصلب في المِحن، وتتأصل بثبات الناس وقادتهم على المبادئ، وتحويلها إلى سلوك يومي يعيشه الجميع معاً … ؛ فالقضية في جوهرها تجربة مشتركة بين القائد والمجتمع, ورجل الدين والاتباع, والسياسي والجماهير .
نعم , الولاءات الحقيقية لا تُصنع في الاستوديوهات الإعلامية، ولا في مهرجانات الدعاية الانتخابية، ولا في الفعاليات والطقوس الدينية ؛ بل تتكون ببطء داخل الذاكرة الجماعية للناس: عبر المواقف، وعبر الأفعال الصغيرة المتكررة، وعبر الانجازات الكبرى وتقديم الخدمات المختلفة , و عبر حلحلة المشاكل والازمات , وعبر ثبات القائد على مبادئه حين يكون الثبات مكلفًا .
ولهذا فإن القائد الذي يعيش مع الناس، ويشاركهم همومهم، ويصون كرامتهم، ويترجم وعوده إلى خدمات حقيقية، لا يحتاج غالبًا إلى مطالبة الناس بالوفاء؛ لأن الوفاء سيولد تلقائيًا في قلوبهم … .
أما حين يصبح القائد في وادٍ والناس في وادٍ آخر، حينها يصبح انحلال العقد الاجتماعي وانقلاب مشاعر الجماهير وتآكل الولاء ؛ مجرد مسألة وقت … ؛ فكل ما يُبنى على رمال الأوهام والغرور والدجل ينهار، اذ لا يمكن أن يصمد طويلًا، حتى لو بدا في الظاهر قويًّا ومتماسكًا … .
ولعل أكثر المشاهد السياسية دلالة على هذه المفارقة هو ذلك التحول المفاجئ الذي يحدث عند بعض السياسيين فور وصولهم إلى السلطة… ؛ فكم من سياسيٍّ كان قبل الانتخابات رجل الشارع القريب من الناس، يفتح هاتفه للجميع، ويجوب الأزقة والأسواق، ويتحدث بلهجة البسطاء… , لكن ما إن تطأ قدماه أرض البرلمان أو كرسي السلطة حتى تتغير الجغرافيا الاجتماعية حوله :
تُغلق الهواتف-
وتتبدل العناوين-
-وتصبح الطريق إليه تمر عبر طبقاتٍ من الحراس والمكاتب والامتيازات ؛كأن المسافة بينه وبين الناس لم تعد تُقاس بالأمتار، بل بطبقات السلطة .
نعم ,ما إن تطأ قدماه أرضية البرلمان حتى يتنكر لمن انتخبوه، ويغلق خطوط التواصل، ويغير عناوينه، ويحصن نفسه بجدار من الامتيازات والحراس؟!
في تلك اللحظة بالذات تبدأ الذاكرة الشعبية في تسجيل الملاحظات … ؛فالناس قد يسامحون الخطأ، وقد يصبرون على الفشل، لكنهم نادرًا ما يغفرون الخداع .
وهنا يبرز سؤال بسيط لكنه عميق :
هل يعتقد بعض الساسة أن المجتمعات ما تزال ساذجة إلى الحد الذي يسمح بخداعها في كل دورة انتخابية جديدة , وأن الناس لا يزالون بذلك الغباء الذي يمكن معه خداعهم مرة كل أربع سنوات ؟
وماذا يتصور ذلك الداعية الإسلامي عن نظرة الناس إليه، وهو الذي لم يزر محتاجاً، ولم يمد يد العون لمكروب، بل عاش في فقاعة معزولة محاطاً بأشباهه وحواشيه والمتملقين من أصحاب المصالح؟!
هل يحسب أن دموع الناس ستنهمر على ذكراه إذا غاب أو قضى نحبه؟
وماذا يظن ذلك القائد الذي لم يؤسس علاقته مع الناس على عقد واضح قوامه الخدمة والحماية والرفع من مستواهم في كل المجالات، من التعليم إلى الصحة إلى الثقافة إلى المعيشة؟!
هل يتوهم أن الجماهير سترثي لحاله إذا هُزم أو قُتل أو مات؟
ربما يستطيع الخطاب العاطفي أن يؤثر في لحظةٍ معينة، وربما تنجح الدعاية السياسية في اخفاء الحقيقة لبعض الوقت، لكن التجربة اليومية للناس أقوى من أي خطاب… ؛ فالمواطن الذي لا يجد عملًا، أو خدمةً صحية، أو تعليمًا جيدًا، أو أمنًا في حياته، لن تقنعه آلاف الكلمات عن الوطنية والنهضة والرسالة التاريخية .
صحيح أن الشعارات الرنانة والخطب الطنانة قد تخدع البسطاء لفترة، لكن حبل الكذب قصير، و التمثيل والنفاق ينكشف عاجلاً أم آجلاً… ؛ وكما يقول المثل الشعبي : (( لابد ما تطلع الشمس على الحرامية )).
وعليه، فلا تتوقع من الناس موقفاً أخلاقياً رفيعاً أو وفاءً أسطورياً، بينما كنت تمارس الانحطاط وتنعم بالنرجسية وتعيش الأنانية في ذروة مجدك وسلطانك… ؛ فالحصاد لا يكون غير ما زُرع .
وكذلك الداعية أو القائد الاجتماعي الذي يعيش في دائرة مغلقة مع حاشيته والمتملقين له، بعيدًا عن هموم المجتمع الفعلية، لا ينبغي أن يتوقع أن يحتفظ في قلوب الناس بمكانةٍ أخلاقية كبيرة… ؛ لان المكانة الأخلاقية لا تُمنح بالألقاب، بل تُكتسب بالمشاركة الصادقة في حياة الناس وتحقيق مطالبهم والاستماع اليهم .
نعم , إن العلاقة بين القائد والجمهور تشبه إلى حد بعيد مرآة كبيرة … ؛ فما يضعه القائد أمام هذه المرآة سيعود إليه مضاعفًا … ؛فإن وضع الصدق عادت إليه الثقة، وإن وضع التواضع عاد إليه الاحترام، وإن وضع الاستغلال والأنانية عاد إليه الشك والرفض … ؛ولهذا فإن مطالبة الناس بالوفاء دون تقديم نموذجٍ أخلاقيٍّ حقيقي يشبه مطالبة الأرض بأن تعطي ثمارًا دون أن تُزرع فيها بذرة …!!
قد يحدث ذلك في الخيال ؛ لكنه لا يحدث في التاريخ و على ارض الواقع .
وفي نهاية المطاف، حتى لو استطاع بعض القادة خداع الناس لفترةٍ من الزمن، فإنهم لن يستطيعوا خداعهم إلى الأبد… ؛ لأن الزمن نفسه يعمل كقاضٍ صامت، يختبر الأقوال بالأفعال، ويكشف الفرق بين القائد الحقيقي والممثل السياسي ؛ كما اسلفنا .
وعند تلك اللحظة، حين تتضح الحقائق، لن تنفع الخطب القديمة، ولن تعيد الشعارات البراقة الثقة التي ضاعت … ؛ولهذا، فإن أبسط نصيحة يمكن أن تُقال لأي قائد أو سياسي هي هذه الحقيقة القديمة البسيطة :لا تطلب من الناس وفاءً لم تمنحه لهم… ؛ولا تنتظر موقفًا أخلاقيًا عاليًا من مجتمعٍ عاملته يومًا بنرجسيةٍ وأنانية حين كنت في موقع السلطة … ؛فالوفاء، مثل الظل، لا يتبع إلا من يمشي في ضوء الأخلاق .