من ركام “مدن الأشباح” إلى ورش البناء: اليمن الذي أدب المستكبرين بصموده

يحيى الرازحي

بينما تضطرب المنطقة اليوم تحت وطأة الأطماع الصهيو-أمريكية التي لم تعد تخفى على ذي بصيرة، وبينما تتطاير شرارات الردود المتبادلة وتنكشف هشاشة القواعد الأجنبية في دول الجوار، تعود بنا الذاكرة إلى عشر سنوات مضت.
عشر سنوات كانت كفيلة بأن تكشف الفرق الجوهري بين من يملك “المال” ومن يملك “الإرادة”، وبين من أراد إسقاط شعب فأسقطه الله في شر أعماله.

ذاكرة الألم.. صنعاء التي لم تنحنِ

نحن لا ننسى ، نتذكر جيداً كيف أراد العدوان الذي قادته أمريكا وشاركت فيه دول الجوار أن يحول صنعاء إلى “مدينة أشباح” ، نتذكر القصف الذي لم يترك حجراً على حجر، والحصار الذي طال لقمة العيش وحبة الدواء، حتى انتشرت الأوبئة في كل بيت يمني ، كان المخطط هو الإبادة الشاملة، تدمير الطرقات، قصف الجسور، واغتيال كل مظهر من مظاهر الحياة والجمال في هذا الوطن.

لكن.. أين هم اليوم؟ وأين نحن؟

لقد أرادوا إسقاطنا، فسقطت هيبتهم وتزلزلت عروشهم ، أرادوا تدمير اقتصادنا ، فتعرضت منشآتهم النفطية “العملاقة” لضربات هزت أسواق العالم ، هي العدالة الإلهية التي لا تظلم أحداً؛ فمن حفر حفرة لأخيه وقع فيها.

تخيلوا فقط.. لو دارت الدائرة!

يتحدثون عن “المعاناة” وهم لا يعرفون معناها ، تخيلوا معي فقط – ماذا لو تعرضت دول الخليج لواحد في المائة فقط مما عاشه الشعب اليمني؟
ماذا لو انقطع عنهم التيار الكهربائي ليلة واحدة كما قطعوه عنا لسنوات؟
ماذا لو حوصرت موانئهم وتوقفت إمداداتهم؟
كيف سيكون حال تلك المدن الزجاجية التي تفتقر لنفس الصمود اليماني؟
اليمن أيها السادة ، ورغم الحصار الخانق والوضع الاقتصادي الصعب الذي تسبب به الخونة، يقف اليوم على قدميه ، نحن اليوم لا نتحدث عن أطلال، بل نتحدث عن إعادة إعمار ولدت من رحم المعاناة.
عندما ترى اليوم شارعاً يُرمم، أو جسراً يُبنى، أو حفرة تُسد بالأسفلت الساخن في ظل انعدام الإمكانيات، فهذا ليس مجرد “عمل هندسي”، بل هو “إعلان انتصار” وتحدٍ للمستحيل.

لا تسخروا من بناءٍ “عُمد بالدم”

إلى أولئك الذين يسخرون من إنجازاتنا البسيطة في البناء والترميم مقارنة بغيرنا ، اعلموا أن “الصفر” الذي انطلقنا منه كان مفروضاً علينا بالنار، وأن المقارنة بين مناطقنا والمناطق المحتلة هي مقارنة بين “الكرامة والسيادة” وبين “الارتهان والضياع”.
نحن نبني بجهود ذاتية، وبإيمان راسخ بأن بلدنا يتجه نحو الاستقرار رغم أنف الطامعين.

النبوة تتحقق: اليمن ملاذ الإيمان

كل المعطيات السياسية والعسكرية اليوم تؤكد أن اليمن بات رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في معادلة المنطقة ، وما نبوءة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم حين نصح الناس باليمن عند اشتداد الفتن، إلا حقيقة نراها تتجسد اليوم ، فاليمن هو الحصن، وهو الملاذ، وهو الأرض التي تُبنى بسواعد الرجال الذين لا يعرفون المستحيل.

لقد أرادوا لنا الموت، فوهبنا الله الحياة.. وأرادوا لنا الشتات، فجمعنا الله على البناء والجهاد.