أم علي الموسوي
كان سجن الوحدة في الفاو لا يشبه السجون الاخرى، عبارة عن حفرة في الأرض يملأها الطين وتعشش فيها الرطوبة، كأنها تحضر أجساد نزلائها للقبر قبل الأوان. في زاوية معتمة، كان واثق ابن الناصرية، ابن الأرض التي علمتها السومرية كيف تقرأ الطين، يجلس ويداه مقيدتان بالحديد. لم يكن واثق مجرماً، ولا خائناً، لكنه رفض أن يتحول إلى رصاصة في ماكنة الموت.
لقد هرب من الخدمة العسكرية. ليس خوفاً من الرصاص، بل حباً في الحياة، حباً في الحب نفسه. كان يتساءل: كيف لي أن أقتل رجلاً لم أرَه من قبل، ولم يؤذِني يوماً، فقط لأن رجلاً آخر أمره بذلك؟. هرب ليعود إلى بستان النخيل في الناصرية، إلى صمت المساء، وضحكات الأطفال عند ضفاف الفرات.
علم أهله بالقبض عليه، ولم يتركوا باباً إلا وطرقوه. وذهب والده بعباءته البالية، إلى بيت آمر الوحدة في الشرقاط، المقدم يوسف احمد العياش. وقف الأب بوقار الشيوخ المكسورين قائلاً: يا سيدي الآمر، واثق ولد طائش، لكنه طيب القلب. هرب لأنه لم يحتمل رؤية الدم. نرجو رحمتك، فهو وحيدنا.
يوسف العياش كان إنساناً في المقام الأول. نظر إلى عيني الأب المنكسرتين، ورأى فيهما وجه والده. هز رأسه ببطء ووعدهم خيراً بانه سيفعل كل ما في وسعه، قائلا لا تقلقوا، واثق أحد اولادي في الوحدة و لا يستحق الإعدام غادر الاهل وفي قلوبهم بصيص امل .لم يعلموا انه كان املا زائفا.
قدم واثق للمحكمة العسكرية، وكانت اجرائاتها سريعة، كأنها في سباق مع الوقت لتنفيذ العقوبة. القاضي لم ينظر إلى عيني واثق، بل نظر إلى المادة القانونية واصدر حكم الإعدام رمياً بالرصاص في وحدته، وأمام زملائه الجنود، ليكون عبرة للاخرين .
جن جنون ا مر الوحدة المقدم يوسف العياش. لم يكن يتوقع هذا الحكم القاسي. أتصل هاتفياً بقائد الفرقة، وتحدث معه بغضب : سيدي القائد، هذا الجندي لا يستحق الإعدام. هو شاب خائف، لم يقتل أحداً. أرجو معالجة الموضوع لتخفيف الحكم. لكن الرد كان جافاً وحاسماً كفوهة البندقية: الأمر قد نُفذ يا مقدم يوسف، وعليك الالتزام بالتعليمات.
جاء اليوم الموعود. كانت السماء في الفاو تمطر بغزارة كأنها تبكي، كأنها تعترض على ما سيحدث. تم اقتياد واثق إلى ساحة الإعدام، وعيناه معصوبتان بقطعة قماش ضماد الميدان . وربطوه إلى عمود في منتصف الساحةبسلك تلفون٫ وأمام جنود كتيبة المدفعية64 ٫ الذين كانوا بالأمس زملاءه، واليوم متفرجين لاحول ولاقوة لهم ٫
تقدم يوسف العياش، بخطى مثقلة بالذنب والعجز، ووقف أمام واثق. كانت مياه المطر تمتزج بدموع الآمر وهو ينظر إلى هذا الشاب الذي برقبته. سأله بصوت مخنوق: ماذا فعلت يا واثق؟ لماذا وضعتني في هذا الموقف؟
رد واثق، بصوتا هادئ، رغم ارتجاف جسده من البرد والخوف: لم أفعل شيئاً يا سيدي.. لكني أكره الحروب. أحب السلام. لم أرَ بيد والدي من الاسلحة المحرمة سوى الفالة التي نصطاد بها السمك من الفرات . وصدام سامنا خسفا . وأجبرنا ان ندافع عن شرف الامة.
كيف لي أن أحمل السلاح لأقتل؟ كنت اذهب لصيد السمك انظر لعيون السمكة واشفق عليها لاننا نتلذذ بطعمها بدون ذنب ٫ هربت لأنني أحب الحياة، وأريد أن أعيش، ولا أريد الموت. سيدي مالي ارتجف ؟ ستمطر ياواثق وتغسل جثثنا قبل الموت ٫
كانت كلماته قنابل من الصدق هزت كيان يوسف العياش٫ في تلك اللحظة دوّى صوت الرعد كأن السماء قد غضبت، ..فجفل واثق واهتز العمود الذي رُبط عليه. تقدم يوسف خطوة أخرى، وأقترب من أذن واثق، وهمس بصوت كله ألم٫ اعتذر لانني عجزت من انقاذك وخذلت والدك .وانا لن اقبل ان يظلم واحدا من جنودي وانا عاجز برفع الظلمةعنه ٫ واني ابرء امام الله من قتلك ٫اطمئن ياواثق لن تكون وحدك في القبر سألحقك الليلة . نزلت دموع واثق من تحت قطعة القماش ٫ وقال لامره ان كنت ستلحق بي اذكرني عند ربك يا سيدي.
في تلك اللحظة الحاسمة، طلب واثق من آمره طلباً أخيراً: يا سيدي الآمر.. هل يمكنني أن أقبلك؟. لم يحتمل يوسف هذا الطلب، فأقترب منه، وطبع قبلة حزينة على جبهة واثق، قبلة كانت وداعاً واعتذاراً.
بعدها أُعطيت الإشارةللمنفذين٫ وصُوبت البنادق نحو جسد واثق النحيل. أُطلقت 15 طلقة، كانت كل طلقة منها تخرق قلب يوسف العياش قبل أن تخترق جسد واثق. سقط واثق أرضاً، ودماؤه تمتزج بمياه المطر، لتسقي أرضاً لم يهجرها الموت يوماً.
عاد يوسف العياش إلى غرفته، يسيطر عليه الشعور بالعجز . وأغلق الباب خلفه، وجلس على سريره الميداني. لم يستطع أن ينسى عيني واثق، ولم يستطع أن يمحو همساته من أذنه. نظر إلى مسدسه الشخصي، وإلى يده التي كانت نظيفة من الظلم ٫
وسحب مسدسه بهدوء ، وصوبه نحو رأسه. لم يكن يستطيع أن يعيش في عالم متخم بالظلم يعدم فيه شاب لأنه يحب الحياة. أطلق رصاصة واحدة على جبينه، لتلحق روحه بروح واثق، رافضاً أن يكون جزءاً من نظام يقتل السلام.
.
اعدم واثق يوم 1988/1/4
وانتحر المقدم يوسف احمد العياش امر كتيبة مد م 64 بعده في نفس الليلة .
قصص و سوالف اهلنا. إم علي الموسوي