رياض سعد
لم يكن سعد جاهلا بقوانين الثراء، ولا أعمى عن دروبه الملتفة حول الاسواق؛ كان يدرك، بصفاء يشبه صفاء الحقيقة حين تتعرى، ان المال لا يستولد من رحم الوظيفة، بل من مغامرة…؛ تخاطر وتربح او تخسر… .
نعم، كان سعد يعلم، بفطرة المتأمل، ان الثراء لا يرقد في حضن الوظيفة، بل هو قرين المجازفة في فلوات التجارة.
غير ان نشأته في بيئة خائفة، تتكئ على جدران العادة وتستدفئ برتابة الايام، وترتعد من ريح التغيير…؛ وترعرع في وسط عائلي يعبد الرتابة ويحرم المغامرة…؛ جعلته يجنح — كغصن اثقله المطر — نحو وظيفة حكومية، حيث الامان البارد اشبه بقفص من ذهب باهت…؛ راتبها كالنبض الثابت، لا يزداد وان تمادى الغلاء وتصاعدت نيران العيش…؛ فهو، بالكاد، يستجمع قوة البقاء لسد حاجات الانسان الضرورية: اجور الكهرباء كأنها جزية الضوء، وفواتير الماء كرسم الحياة، وثمن الانترنت كبوابة لعالم لا يملك له مفتاحا…؛ اما بقية الامور، فهي معركة ينازل فيها العدم…؛ فاذا اصابته نكبة صحية، حار كمن يبحث عن ماء في صحراء، ليجمع ثمن مراجعة الطبيب وشراء الدواء…؛ واذا رغب الاولاد في ثوب جديد للعيد او المدرسة، ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، حتى صار كل شهر يعيد سيناريو الذل: يطرق الابواب مستقرضا، ثم ينتظر الراتب ليرد القرض، كمن يسعى في حلقة مفرغة لا تنتهي…؛ فما ان يسدد قرض قديم حتى يدخل في قرض جديد.
نعم، كان راتبه الشهري ياتيه كضيف ثقيل، لا يحمل معه بشائر الفرح، بل يجر خلفه قافلة من الالتزامات: فواتير الكهرباء والماء، اشتراك الانترنت، نداءات الهاتف، ومصاريف المواصلات والطعام…؛ وما ان يجلس سعد الى مائدته الحسابية حتى يكتشف ان الارقام تتبخر كقطرات ندى تحت شمس قاسية، فلا يبقى منها الا ما يسد الرمق، وكان الحياة قد اختزلت نفسها في معادلة البقاء.
كلما قبض راتبه، نظر اليه سعد نظرة المستغرب، كانه مال سحت لا بركة فيه…؛ يقلبه بيمينه وشماله، يرجو ان يكفيه هذا الشهر، لكن ظنونه تخيب وتذهب توقعاته ادراج الرياح…؛ جزع سعد وضجر من بذل ماء وجهه بين الحين والاخر، فكل قرض كان ياخذ من كرامته قطعة لا تعود… .
نعم، هو يستدين كمن يستعير بعضا من كرامته، ليعيدها لاحقا مثقلة بالخجل…؛ فقد كان الاقتراض بالنسبة اليه طقسا شهريا، كانما الزمن نفسه قد تعاقد معه على تكرار الانكسار… .
ينظر الى الدنانير المعدودة، فيعدها ويعيد عدها بهوس شبه يومي، كان التكرار قد ينزل عليها بركة، او يزيدها بقدرة الواحد الاحد…!!
تارة يرفع بصره الى السماء، كموسى ينتظر المن والسلوى، واخرى يطرق بوجهه الى الارض، مثقلا بحمل المسؤوليات التي تتراكم كالجبال على ظهر نملة…؛ وفي هذا التردد بين العلو والانكسار، كانت ايامه تمضي: كد، وتعب، وانتظار، وحسابات لا تنتهي… , وهكذا تنقضي ايامه بين الكد والتعب والاقتراض والعوز….
والمشكلة لا تكمن في هذا فحسب، بل في ان بعض الجيران يحسبونه افضل حالا منهم، لانه “موظف” وهم بغير وظيفة!
فلا ادري: اهو الجهل بطبيعة الارزاق هو السبب، ام ان المجتمع لا يزال ينظر الى الموظف بعين الحسد، ظنا ان راتبه الثابت كنز، بينما هو قيد؟
ام لان بعض الموظفين اثروا ثراء فاحشا بطريق الفساد، فخلط الحابل بالنابل؟
اي مفارقة هذه التي تجعل الكاسب يخشى تقلب السوق، ويحسد في الوقت ذاته من استسلم لثبات قاتل؟
فكر سعد طويلا في اجتياز عتبة السوق واقتحام فضاء الاعمال الحرة…؛ لكنه يتردد كمن يقف على حافة هاوية، لا سيما وقد مضى به العمر شطره…؛ فهو في شبابه كان يخاف من زخر السوق ومغامراته، فكيف به الان، وقد صار كهلا، تثقل رجلاه عن الخطو الى مجهول الرزق؟
كيف يقاتل في ساحة لم يتعلم لغتها في شبابه؟
لقد صدق القول القديم: من شب على شيء، شاب عليه…؛ وهكذا ظل معلقا بين ضفتين: ضفة الامان الذي يقتله ببطء، وضفة المخاطرة التي لا يجرؤ على عبورها…؛ وفي هذا التعليق، كان يعيش حياة لا هي حياة الراضين، ولا هي حياة الساعين؛ بل حياة المؤجلين، اولئك الذين يعرفون الطريق…، لكنهم لا يسلكونه … !!