كامل الدلفي
أمي، سلاما لروحك في يوم الأم
تقديم :
كُلَّ مَرَّةٍ عِندَ قَبرِكِ
يَهرُبُ الشَّيبُ مِنِّي،
وأَعُودُ طِفْلًا مُؤَقَّتًا
يَكَرْكِرُ مَلءَ رُوحِهِ الغَضَّةِ
فِي حُضنِ أُمِّهِ،
وَتَختَفِي المَقبَرَةُ تَحتَ مَهدٍ كَبِيرٍ.
أشهد أنكِ كنتِ أمي..
النص :
قداسة يوم الأم تبعثني طفلاً يحبو في مهد الذكريات، يُؤتَى نشوةً فريدةً تسري في مفاصل روحي وقعها العذب. بعد دنس الأيام المثقلة بالشقاق والحروب والحصارات والموت المساق تحت سعير البنادق الجامحة، وبعد الذبول البشري أمام سطوةٍ سوداء حالكة، يتفتل فيها بغنجٍ وحشي “فايروس ذئب”، يطير على بساط ريح إلى جميع محطات البايولوجيا، يأكل أحشاء البراءة كما تُؤكل الكمثرى، ويسكر بأنخاب الدموع والوجع والوحشة والغياب القسري والعزلة والتباعد.
بعد كل ذلك الوقع المظلم الطويل، تأتيني صورتك بانفراج لذيذ يأخذ بيدي إلى فرحٍ مخبوءٍ بين شجيرات الكالبتوس والنخلات الفارعات المحمّلات بعثوق الذكريات الزاهية. أهزّ ذكراكِ، فتتساقط عليّ ألوانًا وأقمارًا وابتسامات غضة، في رسومٍ تعبيرية ممتلئة برغبة فرحٍ يتوارى بين كومة أحزانٍ ينفضها، ويقابلني ببشاشة وترافة.
يأتيني صوتكِ بإيقاعاتٍ عهدتها منكِ، وأنتِ تلفّين مضغة لحمي عند بهجة يومي الأول بقطع قماشٍ متبّلة برائحة الأهل الفوّاحة. تلك الرائحة التي ألفتني وألفتها، ومضت إلى داخلي يمتصها جسدي كعطرٍ آدمي، رويدها تنشر الانتماء والهوية. كنتُ أجمع حيلي البسيطة لأردّ لكِ تلك الإيقاعات السماوية بمناغاة بريئة تطمئن قلبكِ القلق على عافيتي، وينفتق فيه بابٌ للفرح لا تؤصده الأيام. لم أكن أألفُ أمانًا وهدوءً إلا بين أطياف رائحتكِ وحضوركِ المطلق.
ملأتِ عيوني بالتعابير الواضحة، فعبّأتُ من قاموسكِ مفرداتٍ أسكرت عتمتي بضياءٍ معتق. كبرتُ تحت ظلكِ، لا بمرور الساعات والأيام، إنما بسحر هدهدة الكاروك المهتز من إرادة قلبكِ، وبمشيئة يديكِ الحانيتين، وأناشيدكِ الصاعدة إلى السماء:
“دللول الولد يبني دللول.. عدوك عليل وساكن الجول..”
وعشرات من الترنيمات التي جهّزت قامتي للوقوف.
كنتِ تمدّين الحبال بين نخلتين متجاورتين، وتمرّرين الأزار بينهما لأرقد في دفء أجمل كاروك صنعته يداكِ. ذكاؤكِ الفطري اختار تلكما النخلتين المتحابتين؛ لترقد بينهما طفولتي، وتشهدان رضاعي وبكائي. هما الآن قائمتان، تصارعان قسوة الزمان وتبدّل الأحوال. رأيتهما بعد ستين عامًا من لحظة مسقط رأسي، شاهديْن على فعلٍ موجَّهٍ بإبداعٍ جسور قامت به فطرتكِ، وصنعت علاماتٍ للتذكّر الأبدي.
كانت تلك مبتدأ الحكاية بيننا، وأنتِ تذودين بكل عافيتكِ نذورًا في طريقي، لتُكملِي خبر الحكاية، وتُتمّي الجملة المفيدة بشموخكِ في محطاتٍ تالية.
حملتِ حقيبتي سنوات؛ لتوصليني إلى باب المدرسة، وتنتظريني كل ظهيرة، وبيدكِ شيئًا اشتريته لي يبثّ في داخلي سعادةً وارتياحًا. مضت السنوات وأنتِ خيمةٌ تصدّين عني ريح السموم لأكبر، وحرصتِ أن لا يعيق نموي عائق.
ومضت بكِ السنون، وتجعدت ملامح وجهكِ، وتلألأ شيبكِ في الجناغ، لكن الأمومة لم يمسّ بهاءها الكِبَر. وكنتُ بعيدًا عنكِ حين علمتُ أنكِ راحلة إلى مقامك الأخير وعرفت انك راحلة الى مقامك الأخير على مقربة من مستقر أبي في مقبرة الغري .لم تذهبي من دون وداع؛ استأذنتِ الرحيل في تلك الليلة. كنتُ نائمًا في الصحراء أترقّب لفحات الموت الرخيص الذي تبثّه طائرات الأمريكان على رؤوس الجنود العراقيين.
غلبني النعاس، فأَسلمتُ جسدي لاستقبالكِ في حلمٍ سريعٍ، رأيتكِ تترجّلين بطولكِ الفارع البهي. قمتُ من فراشي، ركضتُ نحوكِ حتى أقبّل يديكِ، فرفعتِ يدكِ مبتسمةً، تمطرين جلالًا ورقّة وحنانًا. فهمتُ أنه الوداع. استيقظتُ من نومي على يقينٍ بأنكِ كنتِ قربي؛ لأن لقائنا لم يكن حلمًا، إنما كان حقيقةً محسوسةً أكاد ألمس تفاصيلها في أي وقت. تلك المقدمات الثقيلة التي بذلتِها، وما أمكنكِ، جاءت بنتائج أنا واحدٌ منها. كيف لا أعيد ذكركِ في يومٍ هو من استحقاقكِ يا نخلتي الباسقة؟
ابنكِ/ كامل