إيهاب مقبل
في خضم الحرب والتوترات المتصاعدة مع إيران، كشف تقرير نشرته صحيفة تايمز أوف إسرائيل يوم الأحد 29 مارس آذار الجاري، عن انهيار خطة أمريكية–إسرائيلية كانت تهدف إلى استخدام قوات كردية لشن هجوم بري من إقليم كردستان العراق، في محاولة لإشعال تمرد داخلي يؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني. غير أن ما يبدو للوهلة الأولى مجرد عملية فاشلة، يخفي وراءه أبعادًا أعمق تتعلق بتباين استراتيجي بين واشنطن وتل أبيب، وحدود القوة العسكرية في إعادة تشكيل الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط.
خطة إسقاط النظام: بين الطموح والواقع
تشير تفاصيل التقرير إلى أن الخطة قامت على تصور طموح يجمع بين ضربات جوية مكثفة تنفذها واشنطن وتل أبيب، وبين هجوم بري واسع تنفذه مجاميع مسلحة كردية، بالتزامن مع تحفيز المعارضة الداخلية داخل إيران. هذا السيناريو كان يهدف إلى خلق صدمة متعددة المستويات تؤدي إلى انهيار سريع للنظام.
وذكر التقرير أن جهاز الموساد الإسرائيلي عمل على هذه الخطة لسنوات، مشيرًا إلى تقارير أجنبية تفيد بأن “الموساد” و”سي آي أي” دأبا على تسليح المعارضة الكردية الإيرانية في إقليم كردستان العراق، وأن رئيس الموساد دافيد برنياع عرض الخطة على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وناقشها في واشنطن قبل اندلاع الحرب.
وبحسب التقرير، كان من المقرر أن يعبر عشرات الآلاف من المقاتلين الأكراد المسلحين الحدود من العراق خلال الأيام الأولى من الحرب، تحت غطاء جوي أمريكي إسرائيلي “ضخم”. وفي هذا السياق، نفذت القوتان العسكريتان ضربات مكثفة ضد قوات الأمن الإيرانية، شملت مسؤولين في النظام، وقواعد عسكرية، وأنظمة صواريخ، ومراكز شرطة، ومواقع تابعة لقوات الباسيج، وذلك في شمال غرب البلاد قرب الحدود العراقية الإيرانية، بهدف تهيئة الظروف الميدانية لتقدم القوات الكردية. كما كان من المخطط أن يضم هذا التحرك من كردستان العراق مقاتلين من جميع الفصائل الكردية الإيرانية الست، على أن يتولى هؤلاء لاحقًا تزويد المجموعات الكردية داخل إيران بالأسلحة والدعم اللوجستي، في إطار محاولة توسيع نطاق التحرك داخل العمق الإيراني.
غير أن هذا الطموح اصطدم بواقع أكثر تعقيدًا، فإيران ليست ساحة رخوة، بل دولة ذات أجهزة أمنية متماسكة، ومعارضة غير موحدة، وتركيبة داخلية تجعل من فكرة “الانهيار السريع” أقرب إلى الرهان منها إلى الخطة القابلة للتنفيذ.
الرهان على الأكراد: حليف غير مضمون
اعتماد الخطة على الأكراد شكّل نقطة ضعف جوهرية. فالفصائل الكردية ليست كيانًا موحدًا، بل مجموعات متعددة ذات أولويات متباينة، وقد أظهرت ترددًا واضحًا إزاء الانخراط في مغامرة عسكرية بهذا الحجم دون ضمانات سياسية واضحة. هذا التردد لم يكن مفاجئًا، إذ يأتي في سياق تجربة سابقة مع واشنطن، حيث شعر الأكراد أنهم استُخدموا كأداة عسكرية في سوريا ثم تُركوا دون مكاسب سياسية مستدامة. وإلى جانب ذلك، كان من شبه المؤكد أن أي تحرك كردي واسع سيصطدم برفض إقليمي حاد، خاصة من تركيا التي ترى في أي مشروع كردي إنفصالي تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
التسريبات الإعلامية: الضربة التي أجهضت العملية
العامل الحاسم في إفشال الخطة كان تسريبها إلى وسائل الإعلام قبل تنفيذها. هذا التسريب أفقدها عنصر المفاجأة، ومنح إيران الوقت لتعزيز دفاعاتها في المناطق المستهدفة، كما فتح الباب أمام تحركات دبلوماسية إقليمية هدفت إلى إحباطها. وهنا يبرز تساؤل مهم: هل كان التسريب مجرد خطأ، أم أنه كان أداة متعمدة من داخل أحد الأطراف لإيقاف خطة بدت محفوفة بالمخاطر منذ البداية؟ في عالم الاستخبارات، نادرًا ما تكون مثل هذه التسريبات عرضية بالكامل.
تباين خفي بين واشنطن وتل أبيب
رغم أن التقرير في صحيفة تايمز أوف إسرائيل لا يعلن صراحة وجود خلاف بين واشنطن وتل أبيب، إلا أن مجرياته توحي بوضوح بوجود تباين في الرؤية. فتل أبيب بدت أكثر اندفاعًا نحو خيار إسقاط النظام الإيراني عبر صدمة عسكرية–داخلية، بينما أظهرت واشنطن حذرًا متزايدًا، خاصة مع اتضاح التداعيات المحتملة. هذا التباين يعكس اختلافًا أعمق في الحسابات، فبينما يرى الكيان الصهيوني في إضعاف أو إسقاط النظام الإيراني هدفًا استراتيجيًا مباشرًا، تنظر أمريكا الشمالية إلى الصورة الأوسع، حيث قد يؤدي انهيار مفاجئ لدولة بحجم الجمهورية الإسلامية إلى فوضى إقليمية واسعة، وربما إلى سيناريوهات مشابهة لما حدث في العراق.
هاجس الفوضى الإقليمية في الحسابات الأمريكية
القلق الأمريكي لم يكن مرتبطًا فقط بفشل العملية عسكريًا، بل بما قد يليها. فسقوط النظام الإيراني بشكل مفاجئ قد يفتح الباب أمام فراغ سياسي وأمني واسع، ويؤدي إلى صراعات داخلية أو تدخلات إقليمية متشابكة، ما يجعل كلفة النجاح المحتمل أعلى من كلفة التراجع. هذا الهاجس كان حاضرًا بقوة في قرار واشنطن إيقاف الخطة.
إيران: استجابة سريعة وقدرة على الاحتواء
في المقابل، يظهر من بين سطور التقرير أن إيران لم تكن طرفًا سلبيًا في هذه المعادلة، بل تحركت بسرعة وفعالية، سواء عبر تعزيز وجودها العسكري في الشمال الغربي، أو عبر ممارسة ضغوط عسكرية على الأكراد في إقليم كردستان العراق، أو من خلال تفعيل قنواتها الدبلوماسية الإقليمية، خصوصًا مع بغداد. هذه الاستجابة السريعة توحي إما بامتلاك معلومات مسبقة، أو بقدرة عالية على قراءة المؤشرات والتحركات قبل أن تتحول إلى واقع.
حدود القوة العسكرية في تغيير الأنظمة
تكشف هذه التجربة أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لإحداث تغيير سياسي جذري في بيئة معقدة مثل إيران. فنجاح مثل هذه الخطط يتطلب بيئة داخلية مهيأة، وتحالفات مستقرة، وتوافقًا إقليميًا، وهي شروط لم تكن متوفرة في هذه الحالة.
ما تكشفه الأزمة عن مستقبل الصراع مع إيران
في نهاية المطاف، تسلط هذه القصة الضوء على وجود انقسام داخل التحالف الأمريكي–الإسرائيلي، بين من يسعى إلى الحسم السريع، ومن يفضل إدارة الصراع وتقليل مخاطره. وبين هذين الخيارين، يبدو أن الواقعية السياسية غلبت الطموح العسكري، على الأقل في هذه المرحلة، ما يشير إلى أن الصراع مع إيران سيبقى مفتوحًا، لكن ضمن حدود محسوبة، لا تصل إلى حد المغامرات الكبرى.
المرجع: انهيار الخطة الأمريكية–الإسرائيلية لغزو إيران عبر الأكراد وسط تسريبات وانعدام الثقة، صحيفة تايمز أوف إسرائيل، 29 مارس آذار 2026
https://www.timesofisrael.com/us-israeli-plan-for-kurdish-invasion-of-iran-reportedly-collapsed-amid-leaks-distrust/
انتهى