الزمن بوصفه سلاحاً
كتب رياض الفرطوسي
يقع العالم اليوم، كعادته دائماً، في فخ الوهم البصري الذي تصنعه الآلة العسكرية الحديثة، حيث يُخيل للكثيرين أن الطرف الأكثر امتلاكاً لتقنيات القتل والدمار هو بالضرورة الطرف القادر على فرض شروط السياسة وإملاء صكوك الاستسلام. هذا التصور لا يمثل جهلاً بطبيعة الصراعات فحسب، بل هو تجاهل تام لدروس التاريخ القريب والبعيد؛ فمنذ منتصف القرن الماضي وحتى اللحظة، تثبت الأحداث أن الجيوش النظامية العملاقة، وعلى رأسها الجيش الأمريكي، تبرع في سحق القواعد وتدمير المنشآت، لكنها تقف عاجزة ومهزومة في حروب الأنفاس الطويلة أو ما يُعرف بالحروب غير المتكافئة. إنها المفارقة الأزلية: عندما يتحول الميدان من مواجهة كلاسيكية بين جيشين إلى قتال شوارع وعصابات، تسقط الحسابات الرقمية وتنتصر الإرادة على الفولاذ.
في مواجهة الجيوش التقليدية، يمكن للقوة الغاشمة أن تجتاح المدن وتُسقط الأنظمة في أيام، لكن الأزمة الحقيقية تبدأ حين يهدأ غبار المعركة الأولى وتتحول الحرب من صراع على الجغرافيا إلى صراع على الأفكار والعقائد. وكما يقول الفيلسوف والمؤرخ الألماني “كارل كلوزفيتز” في كتابه الشهير عن الحرب: “الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى”، ولكن حين تغيب الرؤية السياسية وتتحول الحرب إلى مجرد تدمير أعمى، تفقد القوة معناها. هنا بالذات، يستحيل هزيمة فكرة متجذرة في وجدان شعب يرى في قتاله دفاعاً عن كرامته وتاريخه، بينما يحارب الجندي الغازي من أجل مصالح عابرة وسياسات يجهلها. هذه الفجوة النفسية هي التي لخصها أحد قادة طالبان قديماً في المقولة الشهيرة التي ترددت في أروقة السياسة الغربية: “أنتم لديكم الساعات، ونحن عندنا الوقت”.
هذا النوع من حروب الاستنزاف الممتدة لا يُخاض بالدبابات الثقيلة، بل هي حرب “الزمر المتنقلة” وأشباح الأرض الذين ولدوا في تضاريسها وعاشوا في كنف جغرافيتها. في هذه البيئة، تتحول المدرعات الأمريكية والمعدات فائقة التطور إلى “حديد أعمى” يتخبط في أزقة ضيقة غريبة، ومحيط شعبي عدائي يرفض الغريب. ورغم تكرار هذا المشهد في أدغال فيتنام، ومغاور أفغانستان، وأزقة العراق، إلا أن القيادة الأمريكية تصر على الوقوع في ذات الوحل مراراً دون أن تتعلم الدرس. الهزيمة هنا لا تُقاس فقط بعدد القتلى، بل هي هزيمة سياسية وأخلاقية واقتصادية تترك ندوباً لا تندمل في جسد الإمبراطورية التي قد تربح معارك صغيرة سريعة، لكنها تخسر الحرب في نهاية المطاف.
في هذا السياق، يبرز تحليل المؤرخ البريطاني الشهير “بول كينيدي” في كتابه المرجعي نشوء وسقوط القوى العظمى، حيث يرى أن القوى الإمبراطورية تسقط دائماً في فخ “التمدد العسكري المفرط”، معتقدة أن التفوق المادي كفيل بحسم الصراعات. ويسانده في ذلك عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي “ريمون آرون” الذي أشار مبكراً في دراساته حول الحروب الحديثة إلى أن “عجز القوة” يظهر بوضوح حين تواجه الجيوش النظامية عقائد شعبية صلبة؛ حيث يفشل السلاح المتطور في كسر الروح المعنوية للخصم، ويتحول العنف المفرط إلى وسيلة لتجنيد المزيد من المقاتلين ضد المحتل بدلاً من إخضاعهم.
إن الهزائم المتتالية للولايات المتحدة في هذه الحروب غير المتكافئة لم تكن وليدة صدفة، ولم تكن بسبب قوة العدو وإصراره فحسب ـ رغم أهمية هذا العامل ـ بل إن العامل الجوهري يكمن في بنية القيادة الأمريكية نفسها. إنها قيادة تعيش سلسلة من الأوهام القاتلة التي رصدها المفكر “نعوم تشومسكي” في كتابات عديدة حول الهيمنة: وهم القوة الغاشمة القادرة على تطويع كل شيء، ووهم حتمية استسلام الآخر، ووهم الانفصال التام بين غرف التخطيط المكيفة والواقع المشتعل على الأرض. وفي الوقت الذي تبدع فيه هذه القيادة في إدارة حرب إعلامية تظهر جيشها بمظهر القوة الخارقة، فإنها على أرض الواقع تلحق به أفظع الهزائم لأنها لا تجيد سوى لغة النار أمام خصم أعد نفسه جيداً لحرب الأنفاس الطويلة.
أما أكثر مشاهد التاريخ سخرية وإيلاماً للكبرياء الإمبراطوري، فهي تلك اللحظات التي تقرر فيها القوة العظمى الانسحاب ـ وهو الاسم المهذب للهزيمة. في تلك اللحظة، تضطر هذه القيادة للاستعانة بالعدو نفسه لحمايتها أثناء الخروج، لتتجنب طلقات الظهر. حدث هذا في فيتنام، وتكرر بمشهد درامي في أفغانستان عام 2021، حين كانت قوافل الجيش الأمريكي المنسحب تسير في الممرات الجبلية الوعرة تحت حراسة مقاتلي طالبان، والأنكى من ذلك، أن أولئك المقاتلين كانوا يحملون الأسلحة الأمريكية المتطورة التي غنموها من الجيش نفسه. لم تكن تلك مجرد لقطة عابرة في نشرات الأخبار، بل كانت تجسيداً حياً لعجز القوة الإمبراطورية التي عاشت في الأوهام، ولم تجد في النهاية سوى عدوها ليغطي خروجها المذل، شاهدةً على أن الروح والتمسك بالأرض أقوى دائماً من أعتى ترسانات الحديد.