الزيدية والقرآن الكريم من سورة الزمر (ح 70) (الزيارة والتوسل، يحيى بن عبد الله)

د. فاضل حسن شريف

جاء في موقع الزيدي عن بحث في الزيارة والتوسل: افلا ترى أن الله أمر بتعظيم بيته العتيق وتعبد عباده بالطياف حوله، والتقبيل لحجره، والتمسح به، والتذلل لله عنده، والإهراع إليه من كل فج عميق، ومكان سحيق: “ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا” (آل عمران 97)،:جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس” (المائدة 97)، “ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب” (الحج 32)، وكذلك أذن الله أن ترفع جميع بيوته، وهي حجارة لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، فلم يكن ذلك شركا لله تعالى ولا عبادة لغيره ولا قبيحا، لما أذن الله به، بخلاف تعظيم الأصنام، وطيافة من طاف حولها من الأنام، واعتقاد شفاعتها عند ذي الجلال والإكرام، لما كان مما لم يأذن به الله ولم يشرعه، فلذا قال: “شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله? (الشورى 21)، والذي وردت الأخبار به من النهي عن اتخاذ القبور مساجد، لئلا يتشبه باليهود، والصلاة إليها وعليها فمذهب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم القول بموجبه، لصحة النهي عن ذلك، وقد ورد النهي عن الصلاة في غيرها كالحمام والطرقات، كما قرر ذلك في مسائل الفقه، وكما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين عليه السلام أن لا يدع قبرا مشرفا إلا سواه، وذلك العهد في أثر المشركين. هذا، والمعلوم أن تعظيم شيء غير الله كتعظيمه جل وعلا أو إشراكه في العبادة، أو اعتقاد أن له تأثيرا فيما لا تأثير فيه إلا لله وحده، ضلالة وشرك، وكل تقرب إلى الله وتعبد له بما لم يشرعه من البدع المضلة، ولكن حاشا الله أن يفعله العالمون بالله الموحدون له سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم “سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلام على المرسلين (181) والحمد لله رب العالمين (182)” (الصافات 180ـ182). وقد أتينا بهذه العجالة وإن لم يستوف فيها الكلام لكونها قد توسعت دائرة الفتنة، وتصورت الشبهة في أذهان كثير ممن لا قدم لهم في العلم، وليسوا فيه براسخين في مثل هذه الأعصار، التي صار الإسلام فيها غريبا، وجناب الجهالات والضلالات منيعا رحيبا، “فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله” (آل عمران 7)، وهذا تصديق مواعيد الله على لسان رسوله بما يكون في آخر الزمن، من ظهور الفتن، وتغيير الأعلام والسنن، ولله حكمة بالغة: “قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون” (الزمر 46).

روى ابن سهل الرّازي في كتابه (أخبار فخ ويحيى بن عبدالله)، ما اتّفقَ على يحيى بن عبدالله عليه السلام، وذلكَ عندما أودعَهُ هارون العباسي عند جعفر بن يحيى البرمكي ليحبسَهُ في بيته (وهُو يريدُ منهُ أن يَقتُلَه بالسّم)، فلمّا صار يحيى عليه السلام إلى بيت جعفر، ألقى إليه الإمام يحيى نصيحةً وموعظةً وقعَت في قلبِه، وحثّه من خلالها على إطلاقه ليسيحَ في الأرض، مُحذّراً إيّاه من أن يلقى الله غداً بدمه: “فلمَّا كَان باللّيل أرسَل (جعفر البرمكي) إلى يحيى فقال (له): إنَّ كَلامَك قد وَقع في قَلبي، وإنَّ للناس قِبَلِي مَظالم كَثيرة، وإنَّ لي مِن الذّنوب العِظام والكَبائر الموبقَات مَالا أطمَعُ مَعَها فِي النّجاة والمغفرَة. فقال له يحيى عليه السلام: لا تَفعَل (أي لا تقنَط)، فَإنه ليس ذنبٌ أعظم مِنَ الشّرك، وقَد قال الله في محكم التنزيل للمُسرِفين الذين أسرَفوا فِي الشّرك وفِي مُعاداة النبي، وقتل أصحَابه: “يَا عِبَادِيَ الَّذِيِنِ أَسْرَفُوا عَلَى أنْفُسِهِم لاَ تَقْنَطُوْا مِن رَحْمَةِ الله إنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعَاً إنَّه هُوْ الغَفُورُ الرَّحِيم وَأَنِيبُوْا إلى رِبِكُمِ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأَتِيَكُم العَذابُ ثُمَ لاَ تُنْصَرُوْن” (الزمر 53-54)، فأمَر (الله) بالإنَابَة والتّوبة، والله تبارك وتعالى يَغفرُ (تأمّل) لِمَن تَاب وإنْ عَظُم جُرمُه. قَال (جعفر): فَتضمَنُ لِي المَغفِرَة إنْ أنا خَلَّيتُك؟!. قال له يحيى عليه السلام: نَعم، أضمَن لكَ ذلك على شريطَة (تأمّل شرط يحيى عليه السلام). قَال جعفَر: ومَا هِي؟ قَال عليه السلام: تَتوبُ مِن كلّ ذَنب أذنَبتَهُ بَينَكَ وَبَين الله، ثم لا تَعودُ فِي ذَنبٍ أبداً (أي لا تُصرّ عليه)، وأمّا الذّنوب التي بَينَكَ وَبين النّاس، فَكل مَظلوم ظَلمْتَهُ تَردّ ظِلامَته عَليه، فإنَّك إذا فَعلتَ ذَلك، وأدّيت الفَرائض التي لله عليك، غفرَ الله لك، وأنا الضّامن لك على ذلك”. قلتُ: لله درّ إمامنا يحيى بن عبدالله عليه السلام، فقد نصحَ وأخلصَ في النصيحَة، إذ لا مغفرَة مع عدم التوبَة، ولا مغفرَة مع الإصرار، وهو قول الزيدية، ملاحظة: ما بين الأقواس ( ) هُو منّا للتبيين وليس من صَاحِب السيرة، ثمّ لايَفوتك أن تتأمّل أنه كان يُخاطبُ جعفراً البرمكي، والبرمكي مُسلمٌ من أهل القِبلَة.

جاء في کتاب التعرف على زيدية اليمن للمؤلف يحيى طالب مشاري الشريف: ورد في العقد الثمين للأمير حسين بن بدر الدين مايلي: أيها الطالب للرشاد، والهارب بنفسه عن هوه الالحاد. فإذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله فإن قيل لك بم عرفت ذلك؟ فقل لأنه خلقني، ومن خلق شيئا فهو ربه. فإن قيل لك: بم عرفت أنه خلقك؟ قل: لأني لم أكن شيئا ثم صرت شيئا، ولم أكن قادرا ثم صرت قادرا، و كنت صغيرا ثم صرت كبيرا، ولم أكن عاقلا ثم صرت عاقلا، وشاهدت الأشياء تحدث بعد أن لم تكن. فإن قيل: ربك قادر، أم غير قادر؟ فقل: بل هو قادر، لأنه أوجد هذه الأفعال التي هي العالم، والفعل لا يصح إلا من قادر. فإن قيل: أربك عالم، أم غير عالم؟ فقل بل هو عالم، وبرهان ذلك ما نشاهده فيما خلقه من بدائع الحكمة، وغرائب الصنعة، فإن فيها من الإحكام الترتيب، ما يعجز عن وصفه اللبيب. فإن قيل: أربك حي، أم لا فقل: بل حي، لأنه تعالى لو لم يكن حيا لم يكن قادرا، ولا عالما، لأن الميت والجماد لا يفعلان فعلا، ولا يحدثان صنعا. فإن قيل: أربك قديم، أم غير قديم؟ فقل: هو موجود لا أول لوجوده، لأنه لو كان لوجوده أول لكان محدثا، ولو كان محدثا لاحتاج إلى محدث، إلى ما لا يتناهى، وذلك محال. فإن قيل: أربك سميع بصير؟ فقل: أجل لأنه حي كما تقدم، ولا يعتريه شئ من الآفات، لأن الآفات لا تجوز إلا على الأجسام، وهو تعالى ليس بجسم، لأن الأجسام محدثة كما تقدم، وهو تعالى قديم أيضا. فإن قيل: أربك مشبه الأشياء؟ ربي لا يشبه الأشياء، لأن الأشياء سواه: جوهر، وعرض، وجسم. ولا يجوز أن يكون جوهرا، ولا عرضا، لأنهما غير حيين ولا قادرين، وهو تعالى حي قادر، ولأنهما محدثان وهو قديم، ولا يجوز أن يكون جسما، لأنا قد بينا أنه خالق الأجسام، والشئ لا يخلق مثله، ولأن الجسم مؤلف مصنوع، يفترق ويجتمع، ويسكن ويتحرك، ويكون في الجهات، وتسبقه الأوقات، وكل ذلك شواهد الحدوث، وقد ثبت أنه تعالى قديم. فإن قيل: إنه قد ذكر في القرآن: “يداه مبسوطتان” (المائدة 64) وأن له جنبا، وعينا، وأعينا، ونفسا، وأيد، لقوله: (مما علمته أيدينا) ووجها. فقل: يداه نعمتاه، ويده قدرته والأيدي هي: القدرة، والقوة أيضا. وجنبا في قوله تعالى: “يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله” (الزمر 56)، أي: في طاعته. نفسك)، المراد به: تعلم سري وغيبي، ولا أعلم سرك وغيبك ووجهه: ذاته ونفسه: ذاته، وقوله تعالى: “فثم وجه الله” (البقرة 115) أي الجهة التي وجهكم إليها. وما ذكر من العين والأعين فالمراد به الحفظ والكلاءة والعلم. وقوله (استوى على العرش)، استواؤه: استيلاؤه بالقدرة والسلطان، ليس كمثله شئ، ولا يشبه ميت ولا حي. فإن قيل: أربك غني أم لا؟ فقل إنه غني لم يزل ولا يزال، ولا تجوز عليه الحاجة في حال من الأحوال، لأن الحاجة لا تجوز إلا على من جازت عليه المنفعة والمضرة، واللذة والألم، فإن قيل: أربك يرى بالأبصار، أم لا يرى؟ فقل: هذه مقالة باطلة عند أولى الأبصار، لأنه لو رئي في مكان لدل ذلك على حدوثه، لأن ما حواه محدود محدث فإن قيل: إنه يرى قس “في” غير مكان. فهذا لا يعقل، بل فيه نفي الرؤية وقد قال تعالى: “لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار” (الأنعام 103).