طُوفَانُ المَنِيِّ: سِيرَةُ الِاضطراب والاغتراب الوجودي

رياض سعد

(1)نوري وزمن الولادة القيصيرية
وُلِدَ نوري فِي عَقد كَانَ فِيهِ العِرَاقُ يَتَخَبَّطُ فِي دَمِهِ كَجَرِيحٍ يَنْزِفُ مِنْ أَلْفِ جُرْحٍ… , بل في زمنٍ كان العراقُ فيه يمشي على حافةِ الموتِ كأنه بهلوانٌ على حبلٍ مشدودٍ فوق هاويةٍ لا قرارَ لها … ؛ لَمْ يَخْتَرْ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى هَذَا العَالَمِ فِي تِلْكَ الحِقْبَةِ البَعْثِيَّةِ الدَّامِيَةِ، حَيْثُ كَانَتِ الشَّمْسُ تَشْرُقُ كُلَّ صَبَاحٍ لِتَنْظُرَ إِلَى جُثَثٍ جَدِيدَةٍ تَمْلَأُ شَوَارِعَ بَغْدَادَ، وَحَيْثُ كَانَ نهر دِجْلَةُ يَحْمِلُ فِي مِيَاهِهِ رَائِحَةَ البَارُودِ وَاليَأْسِ وَالعَاهِرَاتِ اللَّوَاتِي كُنَّ يَبِعْنَ أَجْسَادَهُنَّ بِثَمَنِ بخس … ؛ كانت تشرق كل صباح حاملةً معها نذير شؤم جديد…
لم يكن نوري أوفر حظاً من أبناء جيله الذين وُلدوا في تلك الرقعة المضطربة من العالم التي تُدعى الشرق الأوسط ؛بل ربما كان أقلهم حظاً، لأنه جاء إلى الدنيا في زمنٍ كان العراق فيه يشبه كائناً جريحاً يجرّ جسده المثقل عبر التاريخ … ,كان الزمن يومها ثقيلاً كالرصاص , والخوف يسكن الجدران كما تسكن الرطوبة البيوت الطينية…؛وحيث الناس يعيشون حياتهم بين صمت الأرض وصخب السياسة التي لا يفهمونها…
نعم، إنّ كلّ من وُلدوا في تلك الحقبة البعثية الدامية كأنما جاؤوا إلى الحياة عبر ولاداتٍ قيصرية مؤلمة، لا عبر ولادةٍ طبيعية، وظلّت آلام تلك البدايات ترافقهم حتى هذه اللحظة …!!


(2)القرية والنهر
وُلِدَ نُورِي فِي قَرْيَةٍ تَنَامُ عَلَى ضِفَافِ دِجْلَةَ كَجَسَدِ امْرَأَةٍ مُتْعَبَة… ؛ كَانَ ذَلِكَ فِي صَبَاحِ شَهْرِ تَمُّوزَ في احدى سنوات عقد السبعينات ، حِينَ كَانَتِ الشَّمْسُ تَشْرُقُ كَجُرْحٍ عَمِيقٍ فِي جَسَدِ الْأُفُق…
قَرْيَتُهُ النَّائِيَةُ فِي وَسَطِ العِرَاقِ كَانَتْ كَرَحِمٍ عَقِيمٍ يَلِفُّ حَوْلَ نَفْسِهِ… ؛ بُيُوتٌ طِينِيَّةٌ تَتَشَبَّثُ بِالأَرْضِ كَأَنَّهَا تَخَافُ أَنْ يَجْرُفَهَا طُوفَانُ الزَّمَنِ، وَحُقُولٌ ذَابِلَةٌ تَئِنُّ تَحْتَ وَطْأَةِ الحُرُوبِ والازمات والانقلابات العسكرية المُتَعَاقِبَةِ ؛ كأنها أرملةٌ تندبُ أزواجاً لا يُحصون… ، وَنَهْرٌ يَمُرُّ كَأَنَّهُ لَا يَرَى شَيْئاً، كَأَنَّهُ اعْتَادَ عَلَى مَنْظَرِ الجُثَثِ والغرقى حَتَّى صَارَتْ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ , وأشجارٍ كأنها تحمل كل الحزن في جذورها ….
كَانَتِ الْقَرْيَةُ جَمِيلَةً بِطَرِيقَتِهَا الْخَاصَّة: بُيُوتٌ طِينِيَّةٌ تَتَدَفَّأُ بِالشَّمْسِ، وَحُقُولٌ مُمْتَدَّةٌ تَتَغَنَّى بِالرِّيَاح، وَنَاسٌ بَسِيطُونَ يَعِيشُونَ حَيَاتَهُمْ كَمَا يَعِيشُ النَّخِيلُ: يَنْمُونَ، يُثْمِرُونَ، ثُمَّ يَمُوتُونَ دُونَ ضَجِيج .
كَانَتِ الْقَرْيَةُ تَقُومُ عَلَى بُعْدِ أَمْيَالٍ قَلِيلَةٍ مِنَ النَّهْرِ، وَتُحِيطُ بِهَا بَسَاتِينُ النَّخِيلِ الَّتِي تَمْتَدُّ إِلَى حَيْثُ تَرَى الْعَيْن… ؛ كَانَتِ النَّخِيلُ شَامِخَةً كَحَرَسٍ صَامِتٍ يَحْرُسُ الْقَرْيَةَ مِنْ زَمَانٍ لَا يُرَى.
القرية كانت صامتة غالبًا، إلا من صوت الجيران أو أقدام الأطفال الذين يركضون بين البيوت، ومن حين لآخر صوت شاحنة أو بائع يصرخ لبيع بضاعته البسيطة , وازيز الرصاص الذي يسمع من بعيد احيانا … ؛ كل صوت صغير بدا لنوري مثل صدمة تتقاطع مع صمت داخله …

(3) الْوِلَادَةُ فِي ظِلِّ التِّين وبيت الطين
وُلِدَ نُورِي فِي بَيْتٍ مِنَ الطِّينِ وَاللَّبِن … ؛ الْغُرْفَةُ الَّتِي نَامَ فِيهَا كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تَحْوِي إِلَّا فراشا من الصوف وغطاء ( بطانية ) وَصُنْدُوقاً لِلْمَلَابِسِ وَمِصْبَاحاً كَازِيّاً يُضِيءُ الظَّلَامَ بِخُفُوت… ؛ و كَانَ الْحَائِطُ الطِّينِيُّ يَحْتَفِظُ بِبُرُودَةِ اللَّيْلِ حَتَّى فِي أَشَدِّ أَيَّامِ الصَّيْفِ حَرًّا…
كَانَ نُورِي يَضَعُ خَدَّهُ عَلَى الْحَائِطِ قَبْلَ النَّوْمِ وَيَشْعُرُ بِتِلْكَ الْبُرُودَةِ تَتَسَرَّبُ إِلَى جَسَدِهِ كَأَنَّهَا حَنَانٌ مِنَ الْأَرْضِ نَفْسِهَا …
الْبَيْتُ كَانَ يَضُمُّ غُرْفَتَيْنِ وَفِنَاءً صَغِيراً يَتَوَسَّطُهُ شَجَرَةُ تِينٍ عَجُوز… ؛ كَانَتْ تِلْكَ الشَّجَرَةُ أَقْدَمَ مِنَ الْبَيْتِ نَفْسِهِ، يَرْوُونَ أَنَّ جَدَّ نُورِي غَرَسَهَا حِينَ بَنَى الْبَيْتَ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ عَاماً… ؛ كَانَتْ أَغْصَانُهَا تَتَدَلَّى كَأَيْدٍ تَطْلُبُ الرَّحْمَة، وَثِمَارُهَا تَنْضَجُ فِي آبَ فَتَمْلَأُ الْفِنَاءَ رَائِحَةً حُلْوَةً ثَقِيلَة…
كَانَ نُورِي الطِّفْلُ يَجْلِسُ تَحْتَهَا سَاعَاتٍ، يُرَاقِبُ النَّمْلَ وَهُوَ يَحْمِلُ قِطَعَ الْخُبْزِ الْيَابِس… ؛ كَانَ النَّمْلُ يَسِيرُ فِي خُطُوطٍ مُنْتَظِمَةٍ كَجَيْشٍ صَغِيرٍ لَا يَعْرِفُ التَّعَب…
كَانَ يَتَأَمَّلُ تِلْكَ الْمَخْلُوقَاتِ الصَّغِيرَةَ وَهِيَ تَجُرُّ أَحْمَالًا أَضْعَافَ أَحْجَامِهَا، وَيَتَسَاءَلُ فِي سِرِّهِ: هَلْ لَهَا رُوحٌ مِثْلِي؟
هَلْ تَعْرِفُ أَنَّهَا سَتَمُوتُ يَوْماً؟
هَلْ تَخَافُ الْمَوْتَ كَمَا أَخَافُهُ أَنَا؟
لمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ سَتُلَاحِقُهُ طُولَ حَيَاتِه … ؛ كما انه لم يكن يعرف معنى الموت ؛ فقط يعرف انه غياب … ؛ مجرد غياب , غياب لا طعم له ولا لون ولا نكهة ولا رائحة … .


(4) طُفُولَةٌ بَيْنَ النَّخِيلِ وَالْأَسْئِلَة وحنان الوالدين
فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، كَانَ نُّورِي يَسْتَيْقِظُ عَلَى صَوْتِ أُمِّهِ وَهِيَ تُشْعِلُ التَّنُّورَ الطِّينِيَّ فِي الْفِنَاء… ؛ كَانَتْ تَجْمَعُ الْأَغْصَانَ الْيَابِسَةَ وَالْجَرِيدَ وَتُشْعِلُ النَّارَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِسَاعَاتٍ ، ثُمَّ تَرْشُ الْعَجِينَ بِالْمَاءِ وَتَلْصِقُهُ بِجِدْرَانِ التَّنُّورِ الْمُلْتَهِبَة… ؛ رَائِحَةُ الْخُبْزِ الطَّازِجِ كَانَتْ تَمْلَأُ الْفِنَاءَ وَتَخْتَرِقُ الْغُرَفَ كَرُوحٍ طَيِّبَة… ؛ كَانَ نُورِي يُحِبُّ أَنْ يَجْلِسَ قُرْبَهَا فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ، لَا لِأَنَّهُ يُحِبُّ الْخُبْزَ فَقَط، بَلْ لِأَنَّهُ كَانَ يَشْعُرُ بِدِفْءٍ غَرِيبٍ وَهِيَ تَهْتَزُّ أَمَامَ التَّنُّورِ كَنَبْضِ الْأَرْض … .
كَانَتْ أُمُّهُ فَاطِمَةُ امْرَأَةً قَصِيرَةً مَمْشُوقَةً تَحْمِلُ عَلَى وَجْهِهَا آثَارَ سِنِينَ مِنَ الْعَمَلِ وَالْحَمْلِ وَالْحِرْمَان… ؛ كَانَتْ عَيْنَاهَا زَرْقَاوَيْنِ نَادِرَتَيْنِ فِي تِلْكَ الْبِقَاع، وَكَانَتْ تَضْحَكُ ضَحِكَةً خَفِيفَةً كَرَنِينِ الْمَاءِ… ؛ و كَانَتْ تَهُمِسُ بِأَدْعِيَةٍ قَصِيرَةٍ وَهِيَ تَرْشُ الْعَجِينَ، تَطْلُبُ مِنَ اللهِ أَنْ يَحْفَظَ أَوْلَادَهَا مِنَ الْحَسَدِ وَالْعَيْن… .
وَكانت امْرَأَةٌ رِيفِيَّةٌ بَسِيطَةٌ لَا تَقْرَأُ وَلَا تَكْتُب، تَلِدُ الأَطْفَالَ تِبَاعاً ثُمَّ تَبْكِي عَلَيْهِمْ حِينَ يَمُوتُونَ مِنَ المَرَضِ أَوِ القَصْفِ أو الرمي العَشْوَائِيِّ… ؛ مَاتَ لَهُ إِخْوَةٌ ثَلَاثَة، مَاتَ اثْنَانِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَا الخَامِسَة: وَاحِدٌ بِالحَصْبَةِ، وَالآخَرُ بِقَذِيفَةٍ طَائِشَةٍ سَقَطَتْ عَلَى بَيْتِ الجِيرَانِ فَقَتَلَتْهُ وَهُوَ يَلْعَبُ فِي الشَّارِع ؛ والثالث ابتلعه النهر …
كَانَتْ تَقُولُ لِنُورِي:يَا بُنَيَّ، كُلْ خُبْزَكَ وَاشْكُرِ الله… ؛ فِي بِلَادٍ أُخْرَى أَطْفَالٌ يَمُوتُونَ جُوعاً .
لَمْ يَكُنْ نُورِي يَفْهَمُ مَعْنَى الْمَوْتِ جِيداً فِي تِلْكَ السِّنِّ… ؛ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَوْتَ نَوْمٌ طَوِيلٌ جِدّاً… ؛ أو انه كالغياب ؛ وَكَانَ يَخَافُ مِنْهُ … .
عندما ولد نوري … ؛ قَالَتْ أُمُّهُ فَاطِمَةُ لِلْقَابِلَةِ:هَذَا الْوَلَدُ لَمْ يَبْكِ… ؛ كُلُّ الْأَطْفَالِ يَبْكُونَ، أَمَّا هُوَ فَنَظَرَ حَوْلَهُ بِنَظْرَةٍ غَرِيبَةٍ ثُمَّ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ …
ضمَّدَتِ الْقَابِلَةُ الْحَبْلَ السُّرِّيَّ وَقَالَتْ: رُبَّمَا يَكُونُ وَلَداً هَادِئا …
لمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الصَّمَتَ كَانَ نُبُوءَة …
نعم , لَمْ يَبْكِ نُورِي حِينَ وُلِدَ … ؛ هَذَا مَا حَكَتْهُ أُمُّهُ لَهُ بَعْدَ سِنِين، وَهِيَ تُحَدِّثُهُ عَنْ تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْفَاصِلَةِ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا مِنْ رَحِمِهَا إِلَى هَذَا الْعَالَمِ الْوَاسِع…
اذ قَالَتْ له : كُلُّ الْأَطْفَالِ يَبْكُونَ حِينَ يَخْرُجُونَ إِلَى الدُّنْيَا… ؛ أَمَّا أَنْتَ فَنَظَرْتَ حَوْلَكَ بِنَظْرَةٍ غَرِيبَة، ثُمَّ أَغْمَضْتَ عَيْنَيْكَ وَصَمَتَّ… ؛ خِفْتُ أَنْ تَكُونَ مَيِّتاً، لَكِنَّ القابلة قَالَت : إِنَّكَ سَلِيم .
كَانَ ذَلِكَ الصَّمَتُ الْبِكْرُ نُبُوءَةً بِمَا سَيَكُون… ؛ فقد جَاءَ نُورِي إِلَى هَذَا الْعَالَمِ وَهُوَ يَشْعُرُ بِغُرْبَةٍ لَا يُفَسِّرُهَا أَحَد… ؛ نَشَأَ فِي إِحْدَى قُرَى الْفُرَاتِ الْوُسْطَى، حَيْثُ النَّخِيلُ يُحَاوِطُ الْأَفْقَ كَأَسْوَارٍ خَضْرَاء، وَحَيْثُ نهر دِجْلَةُ يَمُرُّ كَأَنَّهُ زَمَانٌ سَائِلٌ لَا يَعْتَرِيهِ تَغَيُّر…
لَكِنَّ نُورِي كَانَ يَشْعُرُ دَائِماً أَنَّهُ خَارِجُ هَذِهِ الصُّورَة… ؛ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَتْرَابِهِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فَيَتَسَاءَل: مَاذَا يَفْعَلُونَ هُنَاكَ؟
لِمَاذَا يَضْحَكُونَ؟
مَا هَذَا الشَّيْءُ الَّذِي يَجْمَعُهُمْ وَيَجْعَلُهُمْ يَشْعُرُونَ بِالسَّعَادَةِ مَعاً؟
لَمْ يَكُنْ يُجِيبُهُ أَحَد… ؛ كَانَ يَجْلِسُ وَحْدَهُ عَلَى ضَفَّةِ النَّهْرِ يُرَاقِبُ الْمَاءَ وَهُوَ يَجْرِي، وَيَتَأَمَّلُ كَيْفَ تَخْتَلِفُ كُلُّ مَوْجَةٍ عَنِ الْأُخْرَى، ثُمَّ تَخْتَفِي فِي اللَّاجِهَة…
كَانَ يَشْعُرُ بِأَنَّ تِلْكَ الْمَوْجَةُ: تَظْهَرُ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ تَذُوبُ فِي الْعَدَمِ دُونَ أَنْ تَتْرُكَ أَثَراً…
كَانَتْ أُمُّهُ تَلْحَظُ صَمْتَهُ الطَّوِيلَ فَتَقْلَق…
كَانَتْ تَقُولُ لِأَبِيهِ: هَذَا الْوَلَدُ غَرِيب… ؛ لَا يَلْعَبُ كَالْأَطْفَال، لَا يَضْحَكُ كَغَيْرِهِ… ؛ أَشْعُرُ أَنَّهُ يَعِيشُ فِي عَالَمٍ آخَر…
كَانَ الْأَبُ، وَهُوَ فَلَّاحٌ بَائِسٌ يَعْمَلُ مِنَ الصُّبْحِ إِلَى اللَّيْلِ لِيُطْعِمَ عَائِلَتَهُ، يَهُزُّ كَتِفَيْهِ وَيَقُولُ: سَيَكْبُرُ وَيَتَغَيَّر …
لكِنَّ نُورِي لَمْ يَتَغَيَّر… ؛ كلما كَبِرَ ازْدَادَتْ غُرْبَتُه … !!
كان والده غائبًا معظم الوقت، مشغولًا بالعمل وتحصيل القوت ، وأمه تحاول سد الفراغ بحنانها ودفء يديها والقصص القديمة عن بطولات وأيام مضت وامجاد الاجداد ورجال العشيرة ، لكنها كانت وحدها أمام المشاكل والمسؤوليات اليومية، أمام الخوف المستمر من الحروب والازمات والانقلابات ومطاردة ومضايقة السلطات , من التنجيد الالزامي ، من الموت المفاجئ الذي يطرق باب القرية بلا سابق إنذار… ؛ لكن نوري كان يشعر أن قصصها لا تكفي، وأن شيئًا بداخله يتسع بلا توقف، شيء يشبه الفراغ لكنه ممتلئ بصوت لا يسمعه أحد …
كان صوت الرصاص بعيداً لكنه حاضرًا في كل شيء… ؛ القرى المحيطة كانت تعيش بين الخوف والحرمان والنزاعات والاضطرابات السياسية والاجتماعية ، والناس بالكاد يعرفون الاستقرار…
أَمَّا أَبُوهُ، حَسَّان، فَكَانَ رَجُلاً صَامِتاً كَالصَّخْر… ؛ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى الْحَقْلِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا يَعُودُ إِلَّا بَعْدَ غُرُوبِهَا… ؛ كان حسان فلاحاً يكسبُ قوتَ يومهِ من بيعِ الخضرواتِ في سوقِ القريةِ الصغير وكذلك من بيع المحاصيل الزراعية الاخرى كالحنطة والشعير والرز في العلوة الكبيرة في المدينة … ؛ كَانَ جَسَدُهُ يَفُوحُ بِرَائِحَةِ التُّرَابِ وَالْعَرَقِ وَالتِّبْن، وَكَانَ إِذَا جَلَسَ لِلْعَشَاءِ لَا يَنْطِقُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَة…
يَنْظُرُ إِلَى الطَّعَامِ بِعَيْنَيْهِ الْغَائِرَتَيْنِ كَأَنَّهُ يُحَاسِبُ كُلَّ لُقْمَةٍ قَبْلَ ابْتِلَاعِهَا…
كَانَ نُورِي يَخَافُ مِنْ صَمْتِهِ، وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ يَشْتَاقُ إِلَى أَنْ يُحَدِّثَهُ عَنْ شَيْءٍ مَا… لَكِنَّ الْأَبَ كَانَ كَالنَّخْلَةِ الَّتِي تَمْتَدُّ جُذُورُهَا فِي الْأَرْضِ وَلَا تَلْتَفِتُ إِلَى أَحَد … ؛و لم يعرف نوري الأمان إلا في حضن أمه، ولم يكن اللعب سوى محاولة للهروب من صوت الرصاص والصراخ البعيد، الذي كان يتسلل أحيانًا من الأخبار والجرائد والحديث المنكسر بين الكبار …


(5) نوري وملا القرية
فِي الْخَامِسَةِ مِنْ عُمْرِهِ، أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ إِلَى الْكُتَّابِ… ؛ و كَانَ الْكُتَّابُ فِي مَسْجِدِ الْقَرْيَةِ الصَّغِير، حَيْثُ الْمُعَلِّمُ سَيِّدُ رِضَا، رَجُلٌ فِي السِّتِّينَ مِنْ عُمْرِهِ يَرْتَدِي عَبَاءَةً بَالِيَةً وَعِمَامَةً سوداء… ؛ كَانَ جَالِساً عَلَى حَصِيرَةٍ مِنَ الْقَصَبِ وَحَوْلَهُ عِشْرُونَ طِفْلاً ؛ كَانَ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ وَالْحِسَابَ، وَيَضْرِبُهُمْ بِالْعَصَا إِذَا أَخْطَأُوا… ؛ جَلَسَ نُورِي عَلَى حَصِيرَةٍ مِنَ الْقَصَبِ بَيْنَ عِشْرِينَ طِفْلاً يَتَرَنَّمُونَ بِآيَاتٍ لَا يَفْهَمُونَهَا… ؛ كَانَ يَسْمَعُ صَوْتَهُ وَهُوَ يَخْلِطُ بِأَصْوَاتِهِمْ، وَيَشْعُرُ أَنَّهُ يُشْبِهُهُمْ وَلَا يُشْبِهُهُمْ فِي نَفْسِ اللَّحْظَة …
جَلَسَ نُورِي بَيْنَهُمْ، وَسَرْعَانَ مَا لَاحَظَ الْمُعَلِّمُ أَنَّ هَذَا الطِّفْلَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْن… .
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، بَعْدَ أَنْ قَرَأَ الْأَطْفَالُ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ، رَفَعَ نُورِي يَدَهُ وَسَأَلَ: يَا سَيِّدِ ، مَاذَا يَعْنِي “مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ”؟
نَظَرَ إِلَيْهِ الْمُعَلِّمُ بِاسْتِغْرَاب… ؛ و قَالَ: يَعْنِي أَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ يَوْمَ الْحِسَاب …
قَالَ نُورِي: وَمَاذَا سَيَحْدُثُ لَنَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ؟
ضَحِكَ الْمُعَلِّمُ ضَحِكَةً خَفِيفَةً… ؛ وقال : سَيُحَاسِبُنَا اللهُ عَلَى أَعْمَالِنَا… ؛ إِنْ كُنَّا صَالِحِينَ دَخَلْنَا الْجَنَّةَ، وَإِنْ كُنَّا طَالِحِينَ دَخَلْنَا النَّارَ …
فَكَّرَ نُورِي قَلِيلاً ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ سَيَذْهَبُ إِلَى النَّارِ مِنَّا ؟
سَكَتَ الْأَطْفَالُ وَنَظَرُوا إِلَى الْمُعَلِّمِ… ؛ قَالَ الْمُعَلِّمُ بِجِدِّيَّة : لَا أَحَدٌ يَعْلَمُ… ؛ اللهُ وَحْدَهُ يَعْلَم .
لَمْ يَقْتَنِعْ نُورِي… ؛ و فِي طَرِيقِ الْعَوْدَةِ إِلَى الْبَيْتِ، ظَلَّ يُفَكِّرُ… ؛ و كَانَ يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ فِي الشَّارِعِ التُّرَابِيِّ … , إِلَى الْفَلَّاحِينَ الْعَائِدِينَ مِنَ الْحُقُولِ بِحميرهم وسيارتهم الْمُحَمَّلَةِ بِالْثمار والحبوب وَالْخُضَار، إِلَى النِّسَاءِ الْجَالِسَاتِ أَمَامَ بُيُوتِهِنَّ وَهُنَّ يَتَحَدَّثْنَ وَيَضْحَكْنَ… ؛ وَتَسَاءَلَ: أَيُّهُمْ سَيَذْهَبُ إِلَى النَّارِ؟
هَلْ سَتَذْهَبُ أُمِّي؟
هَلْ سَيَذْهَبُ أَبِي؟
هَلْ سَأَذْهَبُ أَنَا؟
لَمْ يَجِدْ جَوَابا … .
وفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، بَيْنَمَا كَانَ الْأَطْفَالُ يَلْعَبُونَ بِالْكُرَةِ الْمَصْنُوعَةِ مِنَ الْخِرَقِ فِي سَاحَةِ امام الْمَسْجِد … ؛ جَلَسَ نُورِي مُنْفَرِداً يَجْمَعُ الْحَصَى… ؛ كَانَ يُكَوِّمُهَا فِي أَشْكَالٍ هَرَمِيَّةٍ ثُمَّ يَهْدِمُهَا بِرِفْق… ؛ اقْتَرَبَ مِنْهُ صَبِيٌّ يُدْعَى عَامِر، وَكَانَ أَكْثَرَ الْأَطْفَالِ جَرَأَةً وَشَغَباً …
سَأَلَ عَامِرٌ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِاسْتِغْرَاب : لماذا لا تلعب معنا يا نوري ؟
نَظَرَ نُورِي إِلَى عَامِرٍ وَلَمْ يَرُدَّ لِلْحَظَة… ؛ ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ خَافِت : ماذا نستفيد حين نلعب بالكرة ؟
ضحك عامر وقال : نستفيد المرح , نضحك ونفرح ونتحرك …
نوري : وبعد الفرح , ماذا ؟
توقف عامر عن الضحك … ؛ حك رأسه وقال : لا أدري , المهم أن نضحك الان .
هزَّ نُورِي رَأْسَه… ؛ وقال : لَكِنِّي لَا أَشْعُرُ بِالرَّغْبَةِ فِي الضَّحِك… ؛ أَشْعُرُ كَأَنَّ شَيْئاً يَنْقُصُنِي … .
مَشَى عَامِرٌ إِلَى الْأَطْفَالِ وَتَرَكَ نُورِيَ وَحْدَهُ مَعَ الْحَصَى… ؛ وَفِي الْمَسَاءِ، حَكَى عَامِرٌ لِأُمِّهِ مَا قَالَهُ نُورِي… ؛ وَتَسَرَّبَتِ الْحِكَايَةُ بَيْنَ نِسَاءِ الْقَرْيَة، وَصَارَتِ الْأُمَّهَاتُ يَقُلْنَ لِبَعْضِهِنَّ: ابْنُ فَاطِمَةَ غَرِيب… ؛ فِيهِ شَيْءٌ لَا يُشْبِهُ الْأَطْفَال .
(6) طفولة سريعة
كَانَتْ طُفُولَتُهُ كَأَيِّ طِفْلٍ رِيفِيٍّ فَقِير: حَافِياً يَمْشِي عَلَى الشَّوْكِ دُونَ أَنْ يَتَوَجَّع، يُلَاحِقُ الفَرَاشَاتِ فِي الحُقُولِ ثُمَّ يُمْسِكُ بِهَا وَيَسْحَقُهَا بَيْنَ أَصَابِعِهِ لِمُجَرَّدِ أَنْ يَرَى أَلْوَانَ أَجْنِحَتِهَا تَتَحَوَّلُ إِلَى عَجِينَةٍ لَزِجَةٍ مثيرةٍ للشفقة تُشْبِهُ المَنِيَّ الذِي لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ بَعْد، وكان يركض خلف الدجاج في ساحة البيت … ؛ و يُصْغِي إِلَى خَرِيرِ المَاءِ كَأَنَّهَ المُوسِيقَى الوَحِيدَةُ الَّتِي تَصِلُهُ مِنْ عَالَمٍ آخَرَ جَمِيل… , عالمٍ لا تُذبحُ فيه الأطفالُ ولا تُغتصبُ النساءُ ولا تُحرقُ المدن ولا تدمر القرى ؛ كان يقضي وقته بين اللعب في الحقول وركضه حافي القدمين على الأرض المشققة، وجمع الحجارة الصغيرة، ورميها على التراب كما لو كان يثور على العالم كله دفعة واحدة… ؛ لكن الغضب كان داخليًا قبل أن يكون خارجيًا… ؛ شيء في داخله كان يتحرك بلا سبب، قوة خفية تتدفق عبر جسده بلا توقف … ؛ لَكِنَّ السعادة فِي تِلْكَ المناطق والقرى والمدن لَيْسَتْ إِلَّا سَرَاباً قَصِيرَ العُمْرِ ؛ تنبتُ كزهرةٍ على قارعةِ طريقٍ مزدحمٍ بالشاحناتِ الثقيلةِ المحملةِ بالجثث …!!
(7) الذهاب الى المدرسة
فِي السَّابِعَةِ مِنْ عُمْرِهِ، دَخَلَ نُورِي الْمَدْرَسَةَ الِابْتِدَائِيَّةَ الَّتِي تَبْعُدُ عَنِ الْقَرْيَةِ مَسَافَةَ سَاعَةٍ مَشْياً عَلَى الْأَقْدَام… .
كانت المدرسةُ الابتدائيةُ تقعُ على بعدِ ثلاثةِ أميالٍ من القرية، وكان يقطعُ الطريقَ مشياً على الأقدامِ مع أقرانه… ؛ في المدرسةِ تعلمَ القراءةَ والكتابةَ، وتعلمَ أيضاً أن احمد حسن البكر هو الأبُ والقائدُ و ان نائبه صدام هو الرمزُ، وأن عليه أن يهتفَ باسمهِا كلَّ صباحٍ وأن يرفعَ أصبعهُ الوسطى والسبابة بزعمِ أنها تعني “النصر” لكنه لم يكن يفهمُ معنى النصر… ؛ كان يعتقدُ أن النصرَ هو أن يعيشَ الإنسانُ يوماً آخر دون أن يموت …
كَانَ الطَّرِيقُ يَمُرُّ بِجَانِبِ النَّهْرِ وَبَيْنَ النَّخِيلِ، وَكَانَ نُورِي يَقْطَعُهُ كُلَّ يَوْمٍ مَعَ أَتْرَابِهِ… ؛ و فِي الشِّتَاءِ، كَانَ الطِّينُ يَلْتَصِقُ بِأَحْذِيَتِهِمِ الْمَطَّاطِيَّةِ الرَّخِيصَةِ فَيُثْقِلُ خُطَاهُم… ؛ و فِي الصَّيْفِ، كَانَتِ الشَّمْسُ تَلْسَعُ رُؤُوسَهُمُ الْحَانيَةَ .
الْمَدْرَسَةُ كَانَتْ مَبْنًى طِينِيًّا كَبِيراً يَضُمُّ سِتَّ غُرَفٍ دِرَاسِيَّةٍ وَمَكْتَباً لِلْمُدِيرِ وَفِنَاءً وَاسِعاً يَلْعَبُ فِيهِ التَّلَامِيذُ فِي الْفَسْحَة… ؛ و كَانَ جِدَارُهَا الْخَارِجِيُّ مَكْتُوباً عَلَيْهِ بِالطِّلَاءِ الْأَسْوَدِ: “الْجِيلُ الْوَاعِي يَبْنِي الْمُسْتَقْبَلَ” … ؛ كَانَ نُورِي يَقْرَأُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَا يَفْهَمُ مَا تَعْنِي… ؛ كَانَ يَسْأَلُ نَفْسَهُ: مَا هُوَ الْمُسْتَقْبَلُ؟
وَهَلْ نَحْنُ مَنْ سَيَبْنِيهِ؟!
(8) الْمَدْرَسَةُ وَأَسْرَارُ الْجَسَدِ
فِي الصَّفِّ الرَّابِعِ الِابْتِدَائِيِّ، جَلَسَ نُورِي إِلَى جَانِبِ جاره وصديقه عَامِر… ؛ و كَانَ عَامِرٌ أَكْبَرَ مِنْهُ بِسَنَةٍ، وَكَانَ يَعْرِفُ أَشْيَاءً لَا يَعْرِفُهَا نُورِي… ؛ و فِي إِحْدَى الْفَسَحَاتِ، جَمَعَ عَامِرٌ بَعْضَ الْأَوْلَادِ فِي زَاوِيَةِ الْفِنَاءِ الْبَعِيدَةِ وَأَخْرَجَ مِنْ جَيْبِهِ قِطْعَةَ وَرَقٍ مَجْعَّدَة … ؛ وقال : تَعَالَوْا أُرِيكُمْ شَيْئا …
نَشَرَ الْوَرَقَةَ، فَإِذَا بِهَا صُورَةٌ لِامْرَأَةٍ عَارِيَةٍ مَقْطُوعَةٌ مِنْ مَجَلَّةٍ أَجْنَبِيَّة ؛ سرقها من احد اقاربه الشباب الذين يسكنون في العاصمة بغداد / في الاقسام الداخلية لطلبة المحافظات … ؛ تَجَمَّعَ الْأَوْلَادُ حَوْلَهُ بِشُغُفٍ… ؛ نَظَرَ نُورِي إِلَى الصُّورَةِ لِحَظَاتٍ ثُمَّ أَدَارَ وَجْهَهُ … .
قَالَ عَامِرٌ: مَا بِكَ يَا نُورِي؟ أَلَا تُحِبُّ النِّسَاء ؟
قَالَ نُورِي: لَا أَدْرِي… ؛ لَكِنِّي أَشْعُرُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَيْسَتْ حَقِيقِيَّةً… ؛ الْمَرْأَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ هَكَذَا …
ضَحِكَ الْأَوْلَادُ… ؛ و قَالَ عَامِرٌ: “كَيْفَ تَعْرِفُ؟ هَلْ رَأَيْتَ امْرَأَةً عَارِيَةً مِنْ قَبْل ؟!
صَمَتَ نُورِي… ؛ و لَمْ يَقُلْ شَيْئاً… ؛ لَكِنَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، حِينَ عَادَ إِلَى الْبَيْتِ، جَلَسَ تَحْتَ شَجَرَةِ التِّينِ يُفَكِّرُ… ؛ تَذَكَّرَ مَرَّةً رَأَى فِيهَا جارتهم رسمية التي كانت تَغْتَسِلُ فِي الْحَمَّامِ وَالْبَابُ مَفْتُوحٌ قَلِيلاً… ؛ وقد رَأَى ظِلَّ جَسَدِهَا عَلَى الْحَائِطِ… ؛ لَمْ يَرَ شَيْئاً مُحَدَّداً وقتها ، لَكِنَّ ذَلِكَ الظِّلَّ ظَلَّ عَالِقاً فِي ذَاكِرَتِهِ … .
(9) الْحَمَّامُ وَأَوَّلُ الِاكْتِشَافَات
فِي الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ، حَصَلَ لَهُ الِاكْتِشَافُ الْأَوَّل… ؛ كَانَ يَوْماً حَارًّا مِنْ أَيَّامِ شهر آب… ؛ و كَانَ قَدْ عَادَ مِنَ الْحَقْلِ بَعْدَ أَنْ سَاعَدَ أَبَاهُ فِي جَمْعِ الْمحصول … ؛ فقد تَعِبَ كَثِيراً، وَكَانَ جَسَدُهُ يُغَطِّيهِ الْعَرَقُ وَالْغُبَار… ؛ ثم دَخَلَ الْحَمَّامَ الصَّغِيرَ الْمُلْحَقَ بِالْبَيْتِ … ؛ وكَانَ الْحَمَّامُ لَا يَزِيدُ عَلَى مِتْرَيْنِ فِي مِتْرَيْن، فِيهِ طست معدنية كبيرة صَدِئَةٌ , وَ ابريق نحاسي , وانية نحاسية لسكب الماء ، وَبِجِوَارِهِ جَرَّةٌ فَخَّارِيَّةٌ كَبِيرَةٌ لِتَخْزِينِ الْمَاءِ .
نَزَعَ نُورِي ثِيَابَهُ وَوَقَفَ وسط الطست … ؛ و بَدَأَ يَغْسِلُ جَسَدَهُ بِالصَّابُونِ ( الرقي )… ؛ وَإِذَا بِهِ يَشْعُرُ بِشَيْءٍ غَرِيبٍ يَحْدُثُ لِعُضْوِهِ… ؛ كَانَ يَنْتَصِبُ كالخشبة القوية فَجْأَةً مِنْ غَيْرِ سَابِقِ إِنْذَار… ؛ نَظَرَ إِلَيْهِ بِحَيْرَةٍ… ؛ لَمَسَهُ بِأَصَابِعِهِ، فَزَادَ انْتِصَابُهُ… ؛ شَعَرَ بِوَبْءٍ غَرِيبٍ فِي أَسْفَلِ بَطْنِهِ وظهره ، كَأَنَّ شَيْئاً يَضْغَطُ مِنَ الدَّاخِلِ يُرِيدُ الْخُرُوجَ … ؛ لمْ يَفْهَمْ مَاذَا يَحْدُثُ… ؛ انْتَظَرَ حَتَّى زَالَ الِانْتِصَابُ، ثُمَّ كَمَّلَ اغْتِسَالَهُ وَخَرَج من الحمام .
(10)مرحلة المراهقة :القَضِيبُ يَنْتَصِبُ كَعَلَمٍ عَلَى قَبْرِ الطُّفُولَة
هناك لحظة غامضة في حياة الإنسان، لحظة لا يسمع فيها جرساً ولا يرى علامة،لكن شيئاً في داخله ينقلب فجأة… ؛ وهكذا حدث مع نوري…؛ دخل المراهقة كما يدخل المرء غرفةً مظلمة دون أن يعرف ما الذي ينتظره فيها … ؛ بدأ يشعر بأن جسده لم يعد ذلك الكيان المطيع الذي عرفه في طفولته … ؛ صار الجسد مثل حصانٍ بريّ يحاول الانفلات من اللجام … ؛ لم يكن يفهم ما يحدث … ؛ كان يرى الفتيات في الطريق أو في المدرسة، فيشعر باضطرابٍ غامض يسري في أعماقه، كأن ريحاً خفية تمرّ في داخله … ؛ كان يعود إلى البيت وهو يحمل سؤالاً ثقيلاً :
لماذا يتحول الإنسان فجأة إلى لغزٍ لنفسه؟
لم يكن يعرف أن هذا طبيعي، ولم يكن هناك من يشرح له… ؛ المجتمع من حوله صامت أو مستهجن للحديث عن الجسد والرغبة، فحس بالاغتراب قبل أن يعرف معنى الكلمة .
جلس نوري في غرفة بسيطة من بيت العائلة، نافذتها المطلة على شارع ضيق حيث يركض الأطفال، ويصرخ الباعة، والجيران يتجادلون، وأدرك فجأة أن كل شيء حوله يعكس صراعه الداخلي … ؛ وتساءل بصوت منخفض :
لماذا أشعر بهذه الفوضى في داخلي؟ هل أنا مختلف؟ أم أن العالم كله مخطئ؟
وفي إحدى ليالي الصيف الحارة، حين كان القمر يبدو كعينٍ ساهرة تراقب العالم من عل، استيقظ سامر فزعاً… ؛ كان جسده للمرة الثانية يعلن تمرده عليه… ؛ نظر إلى نفسه فوجد ذلك العضو الذي كان يعتقد أنه مجرد أنبوب للبول، وقد انتصب كمنارة تشير إلى أفق مجهول… ؛ لم يفهم نوري ما يحدث… ؛ كان يحس بوخز غريب، كأنما هناك بحرٌ هائج في أعماقه لم يعرف كيف يهدئه …
مرت الأيام وتكررت الحالة… ؛ وفي إحدى الليالي حِينَ نَامَ، حَلُمَ حُلْماً غَرِيباً… ؛ رَأَى نَفْسَهُ فِي حَقْلٍ وَاسِعٍ، وَإِذَا بِامْرَأَةٍ جَمِيلَةٍ عارية تَقْتَرِبُ مِنْهُ، تَلْمُسُهُ، تَضُمُّهُ… ؛ وَاسْتَيْقَظَ عَلَى سَائِلٍ أَبْيَضَ حليبي لَزِجٍ يُغَطِّي فَخِذَيْهِ وَسِرْوَالَهُ الدَّاخِلِيَّ … ؛ فظن للحظة أن روحه تسربت من جسده… ؛ نظر إلى السائلِ اللزجِ على فخذيه فظنَّ للحظةٍ أنه يموت، أنه يُجهضُ نفسَه بنفسه … ؛ تفوحُ منه رائحةٌ غريبةٌ لم يعرفْ لها مثيلاً ؛ بكى في سره، وظل صامتاً كأنه يخاف أن يفضحه جسده أمام الآخرين … ؛ وظلَّ أياماً لا يكادُ ينظرُ في المرآةِ خوفاً من أن يرى وجهاً آخر لا يعرفه …!!
لم يجد نوري مبرراً لهذا الانتصابِ الليلي، ولم يربط بينه وبين أيِّ سببٍ آخر… ؛ كان جاهلاً بالمعنى الحرفيِّ للكلمة… ؛ لم يكن يعلم أن للجسدِ شهواتٍ ورغباتٍ، ولم يكن يعلم أن ما خرج منه هو المنيُّ الذي منه يُخلق الإنسان… ؛ كان يعتقدُ أن الفتحةَ التي في قضيبه مخصصةٌ للبول فقط، وأن ما حدثَ هو نوعٌ من المرضِ أو العيبِ الخلقي .
جَلَسَ فِي سَرِيرِهِ مُرْتَبِكاً… ؛ نَظَرَ إِلَى ذَلِكَ السَّائِلِ طَوِيلاً… ؛ لَمَسَهُ بِأَصَابِعِهِ، شَمَّ رَائِحَتَهُ الْغَرِيبَةَ… ؛ كَانَتْ لَهُ رَائِحَةٌ تُشْبِهُ رَائِحَةَ مَاءِ الْجُزُرِ بَعْدَ سَلْقِهِ أو شيء قد تعفن … ؛ ثم قَالَ فِي نَفْسِهِ: مَا هَذَا؟ هَلْ أَنَا مَرِيضٌ؟ هَلْ خَرَجَ مِنِّي شَيْءٌ يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى دَاخِلِي؟
خَافَ أَنْ يَسْأَلَ أَحَداً… ؛ ظَلَّ الْأَمْرُ سِرّاً بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ… ؛ لَكِنَّ الْأَحْلَامَ تَكَرَّرَتْ، وَالسَّائِلُ تَكَرَّرَ… ؛ و صَارَ يَسْتَيْقِظُ كُلَّ بضْعَةِ أَيَّامٍ لِيَجِدَ ذَلِكَ الْمَنْظَرَ نَفْسَهُ … .
(11) سِرٌّ مَعَ الْأُمِّ
ذَاتَ يَوْمٍ، بَيْنَمَا كَانَتْ أُمُّهُ تَغْسِلُ مَلَابِسَهُ الدَّاخِلِيَّةَ فِي الْفِنَاءِ، لَاحَظَتْ بُقَعاً بَيْضَاءَ جَافَّةً عَلَى الْقُمَاشِ… ؛ تَأَمَّلَتْهَا طَوِيلاً، ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى نُورِي الَّذِي كَانَ جَالِساً تَحْتَ شَجَرَةِ التِّينِ يَقْرَأُ … .
فِي الْمَسَاءِ، بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاء، دَخَلَتْ إِلَيْهِ فِي غُرْفَتِهِ… ؛ جَلَسَتْ عَلَى حَافَّةِ فراشه وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْهَا الْحَانِيَتَيْنِ , وقالت : يا نوري , أنت كبرت .
نظر اليها بقلق وصمت , وهي خرجت من الغرفة , وتركته في حيرته .
(12) الْمَرْأَةُ الْأُولَى: سِرُّ النَّهْر
كَانَ فِي الْرابعة عَشْرَةَ حِينَ رَأَى الْمَرْأَةَ الْأُولَى… ؛ لَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ رُؤْيَتَهَا… ؛كَانَ نُورِي يَعُودُ مِنَ الْحَقْلِ بَعْدَ أَنْ سَاعَدَ أَبَاهُ فِي جَمْعِ المحصول … ؛ كَانَتِ الشَّمْسُ تَمِيلُ نَحْوَ الْمَغْرِبِ، وَالنَّخِيلُ تُلْقِي بِظِلَالِهَا الطَّوِيلَةِ عَلَى الطُّرُقَاتِ التُّرَابِيَّة… ؛ سَمِعَ صَوْتَ مَاءٍ يَتَسَاقَطُ، وَتَذَكَّرَ أَنَّ قُرْبَ النَّهْرِ هُنَاكَ جَدْوَلٌ صَغِيرٌ يَصُبُّ فِيهِ … ؛ اقْتَرَبَ لِيَشْرَبَ، وَإِذَا بِامْرَأَةٍ تَسْتَحِمُّ فِي الْجَدْوَلِ لَا تَدْرِي بِأَنَّ أَحَداً يَرَاهَ … .
تَجَمَّدَ نُورِي فِي مَكَانِهِ… ؛ رَأَى جَسَدَهَا شبه الْعَارِيَ كَأَنَّهُ رُؤْيَا أو جوهرة تلمع في الظلام … ؛ رَأَى شَعْرَهَا الْأَسْوَدَ الطَّوِيلَ وَهُوَ يَنْسَدِلُ عَلَى كَتِفَيْهَا كَشَلَّالِ زَيْت… ؛ رَأَى ثَدْيَيْهَا يَطْفُوَانِ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ كَقَمَرَيْنِ وُلِدَا لِتَّوِّهِمَا… ؛ رَأَى اسْتِدَارَةَ أَرْدَافِهَا وَهِيَ تَنْحَنِي لِتَغْسِلَ قدمها… ؛ رَأَى خَصْرَهَا النَّحِيلَ وَفَخِذَيْهَا الْمَمْشُوقَتَيْن … .
لَمْ يَشْعُرْ بِالرَّغْبَةِ كَمَا يَشْعُرُ الْمُرَاهِقُونَ… ؛ شَعَرَ بِشَيْءٍ أَكْبَرَ… ؛ شَعَرَ أَنَّهُ يَرَى جَوْهَرَ الْوُجُودِ نَفْسَه… ؛ نعم ,لَمْ يَشْعُرْ بِرَغْبَةٍ جِنْسِيَّةٍ فِي تِلْكَ اللَّحْظَة… ؛ شَعَرَ بِشَيْءٍ آخَر… ؛ شَعَرَ أَنَّهُ يَرَى شَيْئاً مُقَدَّساً، شَيْئاً يَنْبَغِي أَنْ لَا يُرَى… ؛ شَعَرَ أَنَّهُ يَتَجَسَّسُ عَلَى سِرٍّ مِنْ أَسْرَارِ الْوُجُود… ؛ تَذَكَّرَ تِلْكَ اللَّحْظَةَ طُولَ حَيَاتِهِ، وَظَلَّ يَسْأَلُ: هَلْ كَانَ الْجَسَدُ هُوَ الْحَقِيقَةَ الْأَخِيرَةَ لِهَذَا الْعَالَم؟
هَرَبَ قَبْلَ أَنْ تَرَاهُ… ؛ جَرَى إِلَى الْبَيْتِ وَأَغْلَقَ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ الْغُرْفَة… ؛ وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، حَصَلَ لَهُ الْحُلْمُ الجنسي … ؛ رَأَى تِلْكَ الْمَرْأَةَ فِي الْمَنَام، رَأَى نَفْسَهُ يَقْتَرِبُ مِنْهَا، يَلْمُسُ جَسَدَهَا، يَغُوصُ فِيهَا… ؛ وَاسْتَيْقَظَ عَلَى سَائِلٍ أَبْيَضَ لَزِجٍ يُغَطِّي فَخِذَيْهِ كالعادة … .
(13) فك شيفرة المني
وفي المدرسة، وبعد حيرة واضطراب ، اقترب من صديقه عامر ؛ ليحدثه عن ذلك الارتباك الذي يسكن جسده … ؛التقى بعامر، ذاك الصبيُّ الذي بدا له أكثرَ علماً بهذا الشأنِ الملعون… ؛ و بعد ترددٍ طويلٍ استمرَّ أسابيع، وبخجلٍ كاد يخنقه، سأله بصوتٍ خافتٍ كأنه يعترف بجريمة :
عامر … ؛ هذا الذي يحدثُ معي…, هذا السائلُ الأبيضُ اللزجُ…, ما هو , ولماذا يخرج ؟
ضحك عامر ضحكةً خافتةً كأنها صفيرُ حيةٍ وقال: هذا هو المنيُّ يا نوري… ؛ وهو سببُ وجودِنا في هذه الدنيا … .
لا تقلق يا نوري … , كلنا مررنا بهذا … ؛ إنها مجرد مرحلة .
فكر نوري طويلاً في تلك الكلمات… ؛ كيف يكونُ هذا السائلُ اللزجُ سبباً لوجودِ مخلوقٍ عاقلٍ يفكر ويحلم ويخاف الموت؟!
كيف يخرجُ من الإنسانِ هكذا بلا وعيٍ ولا إرادةٍ ولا حتى استئذان؟!
وهكذا تبدأ مأساة الإنسان … ؛ أن يُلقى في الحياة دون استشارة …!!
لم تكن الإجابة علماً، بل كانت شظايا من المعرفة المشوهة التي يتبادلها المراهقون في الأزقة وساحات المدارس … .
نوري لم يقتنع بما قاله عامر … ؛ كان يشعر أن المسألة أكبر من مجرد تغيرٍ عابر … ؛ كان يعتقد أن في الجسد سرّاً هائلاً، سرّاً يشبه النار … ؛ قادر على أن يمنح الحياة… , وقادر أيضاً على أن يحرق صاحبها … ؛ ومع مرور السنوات، بدأت تلك النار تكبر … ؛ صار يشعر أن رغباته تقوده أحياناً كما يقود التيار ورقةً في النهر … ؛ كان يحاول أن يقاوم، لكنه لم يكن يعرف كيف … ؛ فالمجتمع الذي نشأ فيه لم يكن يتحدث عن هذه الأشياء؛كان يكتفي بالصمت، وكأن الصمت قادرٌ على إلغاء الطبيعة …!!
لم يكن نوري يبحث عن إجابات جاهزة، بل كان يريد أن يفهم جسده ونفسه والفراغ الذي بدأ يشعر به …؛ كان يرى صراع جسده كأنه نهر هائج، والفراغ بداخله كصحراء ممتدة بلا نهاية .
وكان نوري – كمعظم أبناء بيئته – يعيش في مجتمعٍ يخاف من الكلام عن الجسد كما يخاف الناس من ذكر الموت …
لا أحد يشرح …
لا أحد يفسر …
الجميع يكتفي بالصمت …
والصمت، حين يحيط بإنسانٍ صغير، يتحول إلى غابةٍ من الأسئلة …
بدأ نوري يشعر أنه يعيش داخل جسدٍ لا يفهمه … ؛ صار الجسد فجأةً لغزاً … ؛ كان الجسد يطلب شيئاً … ؛ لكن العقل لم يكن يعرف ما هو ذلك الشيء … .
نعم , المجتمع الذي يعيش فيه نوري يرفض الحديث عن الجسد والرغبة الجنسية ، فيصمت أو يلعن الصغار الذين يسألون عنها … .
(14) حِوَارٌ مَعَ الْأُمِّ
فِي احد الايام ، لَاحَظَتْ أُمُّهُ سِرْوَالَهُ الدَّاخِلِيَّ الْمُتَّسِخَ فِي زَاوِيَةِ الْغُرْفَة… ؛ لَمْ تَقُلْ شَيْئاً، لَكِنَّهَا فِي الْمَسَاءِ دَخَلَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاء… ؛ و جَلَسَتْ عَلَى حَافَّةِ فراشه البسيط وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْهَا الْحَانِيَتَيْن :
يا نُورِي، أَنْتَ كَبُرْتَ… ؛ أَتَى عَلَيْكَ زَمَانٌ تَصِيرُ فِيهِ رَجُلاً …!
نَظَرَ نُورِي إِلَى يَدَيْهَا الْمَجْعَدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَحْكِيَانِ حِكَايَةَ عُمْرٍ مِنَ الْغَسِيلِ وَالْعَجِينِ وَالْحَنَان …
نوري : لسْتُ أَدْرِي مَا يَعْنِي أَنْ أَكُونَ رَجُلاً يَا أُمِي ؟!
تَنَهَّدَتْ وقالت :يَعْنِي أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَتُنْجِبَ أَطْفَالاً، وَتَعِيشَ كَبَقِيَّةِ النَّاس …
نوري : لَكِنِّي لَا أَشْعُرُ كَالنَّاس… ؛ أَشْعُرُ كَأَنِّي تائه فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، أَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ لَا أَعْرِفُهُ …
نَظَرَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ بِحُزْنٍ غَامِض… ؛ ثُمَّ قَالَتْ:سَمِعْتُ أَنَّكَ تَسْأَلُ أَسْئِلَةً غَرِيبَة… ؛ لِمَاذَا لَا تَتْرُكُ الْأَسْئِلَةَ لِلْمُتَعَلِّمِينَ وَتَعِيشُ كَالْبَاقِينَ؟
نوري : لِأَنِّي لَا أَسْتَطِيعُ… ؛ الْأَسْئِلَةُ تَأْتِينِي كَالنَّبْضِ، كَالرِّئَةِ الَّتِي تَتَنَفَّسُ… ؛ لَو تَوَقَّفْتُ عَنِ السُّؤَالِ لَمُتُّ .
سَكَتَتِ الْأُمُّ طَوِيلاً… ؛ ثُمَّ نَهَضَتْ وَخَرَجَتْ مِنَ الْغُرْفَةِ دُونَ أَنْ تَقُولَ شَيْئاً… .
سَمِعَ نُورِي خَطْوَاتِهَا تَبْتَعِدُ، ثُمَّ سَمِعَ نَحِيباً خَافِتاً يَأْتِي مِنَ الْمَطْبَخ… ؛ عَرَفَ أَنَّهَا تَبْكِي وتنوح كالجنوبيات لأدنى سبب ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُوَاسِيَهَا… ؛ كَيْفَ يُوَاسِي أَحَداً وَهُوَ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يُوَاسِي نَفْسَهُ؟!
(15)الاِكْتِشَافُ المُؤْلِم
في أحد الأيام، وبينما كان رافد في اخر مرحلة من مراحل المتوسطة – الصف الثالث المتوسط – ؛ وفي مدرسته … ؛ وجد نفسَه جالساً بجانبِ زميلٍ له اسمهُ حسام… ؛ و كان حسامٌ أكبرَ منه بسنةٍ وأكثرَ خبرةً بالحياة… ؛ و كان أبوه يعملُ في بغدادَ ويأتي له بمجلاتٍ وصورٍ من هناك، ولذلك كان يعرفُ أشياءً لا يعرفها أبناءُ القرية .
تردد نوري طويلاً قبل أن يسأل… ؛ و كان خجلهُ يكادُ يخنقه، لكن فضولَهُ كان أقوى… ؛ وبصوتٍ خافتٍ كأنه يعترفُ بجريمة، قال :
حسام…, هذا الذي يحدثُ معي…, هذا السائلُ الأبيضُ اللزجُ الذي يخرجُ مني وأنا نائم… ما هو؟
ضحك حسام واجابه بنفس جواب صديقه عامر …
حسام : هذا هو المنيُّ يا نوري… ؛ وهو سببُ وجودِنا في هذه الدنيا… ؛ الرجلُ يقذفُ هذا السائلَ في رحمِ المرأة، فيتكونُ منه الطفلُ بعد تسعةِ أشهر …
نظر إليه نوري باستغراب وقال :
كيف يكونُ هذا السائلُ اللزجُ سبباً لوجودِ مخلوقٍ عاقلٍ يفكر ويحلم ويخاف الموت؟ كيف يخرجُ من الإنسانِ هكذا بلا وعيٍ ولا إرادةٍ ولا حتى استئذان؟
إنه يخرجُ عشوائياً اعتباطياً، وأنا نائمٌ لا أدري …؟!
ضحك حسام من جديد , وقال : ومن قال لك إنه يخرجُ هكذا دائماً؟
هذا الذي يحدثُ معك وأثناءَ النومِ يسمى احتلاماً… ؛ لكن الرجلَ يستطيعُ إخراجَهُ بإرادته حين يمارسُ الجنسَ مع امرأة، أو حين يمارسُ العادةَ السرية …
سأله نوري بفضولٍ خائف :وما هي العادةُ السريةُ هذه؟
هنا بدأ حسام يشرحُ له بصوتٍ منخفضٍ كأنه يخافُ أن يسمعهم أحد :
العادةُ السريةُ يا نوري هي أن تفرك قضيبكَ بيدك حتى يخرجَ المني… ؛ تفعلُ ذلك حين تثيركَ امرأةٌ جميلة، أو حين تتخيلُ امرأةً تعجبك… ؛ تفركُه بشيءٍ من الزيتِ أو الصابون أو البصاق لتسهيلِ الاحتكاك، وتضغطُ عليه وتجرهُ إلى الأمامِ وإلى الخلف، وتفكرُ في امرأةٍ ما، ربما جارتكم أو قريبتكم أو ممثلةٌ في التلفاز، حتى تشعرَ بلذةٍ عارمةٍ ثم يقذفُ القضيبُ المنيَّ… ؛ بعدها تشعرُ بالفتورِ والاسترخاء .
صمت نوري طويلاً وهو يحاولُ استيعابَ ما سمعه… ؛ كان كلامُ حسامٍ كأنه يفتحُ أمامه أبواباً من الجحيمِ لا من الجنة .
(16)طَوْقُ النَّجَاةِ مِنَ الاحتلام الليلي
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، جَرَّبَ الْمَرَّةَ الْأُولَى… ؛ أَغْلَقَ بَابَ الْغُرْفَةِ بِالْمِزْلَاجِ، وَفَتَحَ سِرْوَالَهُ الْقُمَاشِيَّ الْخَشِن… ؛ و نَظَرَ إِلَى قَضِيبِهِ الْمُنْتَصِبِ بِعُيُونٍ مُتَحَيِّرَة… ؛ و وَضَعَ عَلَيْهِ قَلِيلاً مِنْ زَيْتِ الطبخ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَ الْمَطْبَخِ، وَبَدَأَ يَفْرُكُهُ بِيَدِهِ كَمَا شَرَحَ حَسام …
كَانَ الْإِحْسَاسُ غَرِيباً، مُزْعِجاً، وَمُثِيراً فِي نَفْسِ الْوَقْت… ؛ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَحَاوَلَ أَنْ يَتَخَيَّلَ شيء مثير … ؛ وَفَجْأَةً، انْفَجَرَ الْمَنِيُّ مِنْهُ بِقُوَّةٍ كَسَيْلٍ صَغِير … ؛ رَشَّ الْمَنِيُّ عَلَى بَطْنِهِ وَعَلَى الْفِرَاشِ .
بَقِيَ نُورِي مُسْتَلْقِياً عَلَى ظَهْرِهِ يُحَدِّقُ فِي السَّقْفِ الْخَشَبِيِّ لِلْغُرْفَة… ؛ كَانَ يَتَنَفَّسُ بِصُعُوبَة… ؛ شَعَرَ بِفُتُورٍ غَرِيبٍ يَغْمُرُ جَسَدَهُ، وَبِحُزْنٍ غَامِضٍ يَغْمُرُ رُوحَهُ… ؛ و قَالَ لِنَفْسِهِ: “هَذِهِ لَحْظَةُ الْخُرُوج… ؛ جُزْءٌ مِنِّي خَرَجَ مِنِّي… ؛ لَكِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الْعَدَم… , لَمْ يَلْتَقِ بِأَحَد… , لَمْ يَخْلُقْ شَيْئاً… , لَقَدْ ضَاعَ …!!
مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، صَارَ نُورِي يُمَارِسُ الْعَادَةَ السِّرِّيَّةَ بِاسْتِمْرَار… ؛ كَانَ يَفْعَلُهَا فِي الْحَمَّامِ الْقَدِيمِ حَيْثُ الْجُدْرَانُ الْمُتَآكِلَةُ وَالْأَصْوَاتُ الْغَرِيبَةُ الَّتِي تَصْدُرُ مِنْ اواني الْمَاءِ الصَّدِئَة… ؛ كَانَ يُحَاوِلُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَنْ يُطِيلَ الْمُدَّةَ، أَنْ يُؤَخِّرَ لَحْظَةَ الْقَذْفِ لِيَشْعُرَ بِاللَّذَّةِ أَكْثَر… ؛ لَكِنَّ لَحْظَةَ الْقَذْفِ كَانَتْ دَائِماً تَأْتِي كَالصَّاعِقَةِ، تَارِكَةً وَرَاءَهَا فَرَاغاً أَكْبَر.
فِي إِحْدَى الْمَرَّاتِ، بَيْنَمَا كَانَ يُمَارِسُ الْعَادَةَ، سَمِعَ صَوْتَ أَبِيهِ خَارِجَ الْحَمَّام… ؛ كَانَ الْأَبُ يَنْظُرُ إِلَى الْبَابِ الْمُغْلَقِ بِعَيْنَيْهِ الصَّامِتَتَيْن… ؛ تَوَقَّفَ نُورِي عَنِ الْحَرَكَةِ، حَبَسَ أَنْفَاسَهُ… ؛ سَمِعَ خَطْوَاتِ أَبِيهِ تَبْتَعِدُ بِبُطْء… ؛ عَرَفَ أَنَّ أَبَاهُ يَعْرِفُ… ؛ وَعَرَفَ أَنَّ أَبَاهُ لَنْ يَقُولَ شَيْئاً، كَمَا لَمْ يَقُلْ شَيْئاً طَوَالَ حَيَاتِهِ .
بَدَأَ نُورِي يُمَارِسُ الْعَادَةَ السِّرِّيَّةَ كَمَا يُمَارِسُهَا مُعْظَمُ الْمُرَاهِقِينَ… ؛ لَكِنَّهُ كَانَ يُمَارِسُهَا بِطَرِيقَتِهِ الْخَاصَّة في البداية … ؛ لَمْ يَكُنْ يَتَخَيَّلُ نِسَاءً مُحَدَّدَات، وَلَمْ يَكُنْ يَسْتَعِينُ بِصُوَرٍ أَوْ مُجَلَّات… ؛ كَانَ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ وَيُحَاوِلُ أَنْ يَتَخَيَّلَ شَيْئاً آخَر: شَيْئاً غَامِضاً، شَيْئاً لَا شَكْلَ لَهُ، شَيْئاً يُشْبِهُ ذَلِكَ الْإِحْسَاسَ الَّذِي يَشْعُرُ بِهِ حِينَ يَنْظُرُ إِلَى النَّهْرِ وَهُوَ يَجْرِي … ؛ كَانَ يُحَاوِلُ أَنْ يَلْتَقِيَ بِنَفْسِهِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْحَمِيمِيَّة… ؛ و كَانَ يَتَسَاءَل: “هَلْ أَنَا مَوْجُودٌ حَقّاً؟
هَلْ هَذَا الْجَسَدُ هُوَ أَنَا، أَمْ أَنَّهُ مُجَرَّدُ أَدَاةٍ تَسْكُنُهَا رُوحٌ غَرِيبَة؟”
وَفِي لَحْظَةِ الْقَذْف، كَانَ يَشْعُرُ بِنَوْعٍ مِنَ الْخُرُوجِ عَنِ الذَّات… ؛ كَانَ يَشْعُرُ كَأَنَّ جُزْءاً مِنْهُ يَنْفَصِلُ عَنْهُ وَيَذْهَبُ إِلَى حَيْثُ لَا يَدْرِي… .
وَكَانَ يَتَسَاءَلُ: إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الْأَجْزَاءُ مِنِّي؟
هَلْ تَذْهَبُ إِلَى لَاشَيْء؟
أَمْ أَنَّهَا تَنْتَظِرُ فِي مَكَانٍ مَا لِتَلْتَقِيَ بِي يَوْماً؟
كَانَ يُعِيدُ الْكَرَّةَ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً فِي الْيَوْمِ الْوَاحِد، لَيْسَ رَغْبَةً فِي الْمُتْعَةِ الْجَسَدِيَّةِ فَقَط، بَلْ رَغْبَةً فِي تَكْرَارِ تِلْكَ التَّجْرِبَةِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي يَشْعُرُ فِيهَا بِالْخُرُوجِ عَنْ نَفْسِهِ… ؛ و كَانَ يُحَاوِلُ أَنْ يَمْسِكَ بِنَفْسِهِ وَهِيَ تَخْرُجُ مِنْ جَسَدِهِ، فَلَا يَمْسِكُ إِلَّا الْفَرَاغ .
ثم تعلم كيف يداعب جسده ليحصل على تلك اللحظة من النشوة التي تنسيه للحظات قسوة العالم من حوله… ؛ و كان يفعل ذلك في الخفاء، في الحمام الضيق، تحت وهج مصباح خافت، متخيلاً وجوه النساء التي تمر في الطريق، أو تلك التي يراها في أحلامه احيانا .
(17) أَصْدِقَاءُ السُّوءِ وممارسة العادة السرية بصورة جماعية
فِي الصَّفِّ الثَّالِثِ الْمُتَوَسِّطِ، تَوثقت علاقة نُورِي مَعَ الصَبِيَّيْنِ ( عامر وحسام ) … ؛ و كَانَ حَسام يَعْرِفُ كَثِيراً عَنِ الْجِنْسِ وَالْعَادَةِ السِّرِّيَّةِ، وَكَانَ عَامِرٌ يُحِبُّ أَنْ يُفَاخِرَ بِمَغَامَرَاتِهِ الجنسية و فِي إِحْدَى الْأُسْبُوعِيَّاتِ، جَمَعَهُمْ حَسام في منطقة مهجورة في القرية وقريبة من حافة النهر …
جَلَسَ الثَّلَاثَةُ عَلَى الْأَرْضِ التُّرَابِيَّةِ… ؛ و أَخْرَجَ حَسام مِنْ جَيْبِهِ مُجَلَّةً خَلَاعِيَّةً مُهَرَّبَةً… ؛ و قَلَّبَ صَفَحَاتِهَا وَهُوَ يَشْرَحُ : انْظُرُوا إِلَى هَذِهِ… ؛ هَذِهِ نِسَاءٌ حَقِيقِيَّاتٌ… ؛ لَيْسَ كَاللَّوَاتِي نَرَاهُنَّ فِي الْقَرْيَةِ …
نَظَرَ نُورِي إِلَى الصُّوَرِ… ؛ رَأَى نِسَاءً عَارِيَاتٍ بِأَجْسَادٍ مَمْشُوقَةٍ وَثُدِيٍّ كَبِيرَة… ؛ لَمْ يَشْعُرْ بِالْإِثَارَةِ كَمَا كَانَ يَتَوَقَّعُ… ؛ شَعَرَ بِشَيْءٍ آخَر… ؛ شَعَرَ أَنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ تُحَوِّلُ الْمَرْأَةَ إِلَى شَيْءٍ آخَر، إِلَى سِلْعَةٍ، إِلَى لُعْبَةٍ لكنها مثيرة في نفس الوقت …!!
قَالَ حسام : “وَهَذِهِ هِيَ الْعَادَةُ السِّرِّيَّةُ… ؛ تَفْرُكُ قَضِيبَكَ بِيَدِكَ وَأَنْتَ تَنْظُرُ إِلَى هَذِهِ الصُّوَرِ، حَتَّى يَخْرُجَ الْمَنِيُّ… ؛ إِنَّهَا لَذَّةٌ لَا تُقَاوَمُ … ؛ ثم اخرج قضيبه و بصق عليه وصار يفرك فيه الى ان خرج المني منه بقوة ودفق … ؛ وكذلك فعل عامر , وكلا منهما مارس العادة السرية ست مرات ونوري ينظر اليهما بدهشة واستغراب …؛ حيث لوث المني المتساقط وجه التراب وامتزج به … .
ثم قال عَامِرٌ: “أَنَا أَفْعَلُهَا كُلَّ يَوْمٍ سبع مرات .
وقَالَ حسام : وَأَنَا سبع مَرَّات .
نَظَرَا إِلَى نُورِي… ؛ و قَالَ نُورِي:أَنَا لَا أَفْعَلُهَا كَثِيراً .
ضَحِكَ حسام : إِذَنْ أَنْتَ مَازِلْتَ طِفْلا … .
ثم اخرج نوري قضيبه وبصق عليه ومارس العادة السرية امامهما , وكان قضيبه اطول وأكبر مما اثار حسدهما ؛ وفعلها اربع مرات , وكانت نسبة المني الخارجة منه أكثر بكثير من المني الذي خرج منهما ؛ مما اثار استغرابهما … ؛ بعدها لاذا بالصمت وذهبا … .
(18) مِيَادَةُ تُحَرِّكُ الطُّوفَان / مِيَادَةُ عِنْدَ البَاب
وفي أحد الايام طرقتِ البابَ ميادة… ؛ كانت جارتهم التي تكبُرهُ بسبعةَ عشرَ عاماً، امرأةً في الرابعةِ والثلاثين، متزوجةً لكن زوجها كان جندياً في الجيشِ العراقيِّ يختفي لأشهرٍ طويلة… ؛ كانت ميادة جميلةً بشكلٍ يثير الشفقة: وجهٌ كالقمر، وشعرٌ طويلٌ أسود، ونهدانِ مشدودانِ يكادانِ يخرقانِ ثوبها الرخيص،وَخَصْرٌ نَحِيلٌ يُبْرِزُ اسْتِدَارَةَ أَرْدَافِهَا الضَّخْمَةِ الَّتِي كَانَتْ تَتَمَايَلُ كَأَنَّهَا تَسْبَحُ فِي الفَضَاء… ؛ كَانَ جَسَدُهَا يَخْتَزِنُ كُلَّ مَا حُرِمَتْهُ الحَرْبُ مِنْ نِسَاءِ العِرَاق: أُنُوثَةٌ فَائِضَةٌ تَبْحَثُ عَنْ مَنْ يَرْوِيهَا … ؛ كَانَتْ جَمِيلَةً بِشَعْرِهَا الْأَسْوَدِ الطَّوِيلِ وَعَيْنَيْهَا الْوَاسِعَتَيْنِ… ؛ وهي أول من أيقظ فيه شهوة التخيل واللذة والشبق الجنسي … ؛كَانَ نُورِي يَسير خَلْفَهَا فِي القرية احيانا ، وَيَشُمُّ رَائِحَةَ شَعْرِهَا الْمُنْعِشَةَ… ؛ كَانَتْ رَائِحَةٌ شعرها تُشْبِهُ رَائِحَةَ الصَّابُونِ وَالْغُسَيْلِ… ؛ كَانَ يَشْعُرُ بِانْتِصَابٍ خَفِيفٍ كُلَّمَا رَآهَا، وَكَانَ يُسْرِعُ إِلَى الْحَمَّامِ فِي الْفَسْحَةِ لِيُخْفِيَ ذَلِكَ … .
عندما فتح نوري الباب ورآها واقفةً تطلبُ كوبَ سكر من أمه، حدث ما كان يخشاه: انتصبَ عضوه فجأةً بعنفٍ كأنه يحيي علماً… ؛ كَانَ الِانْتِصَابُ مُؤْلِماً، ضَاغِطاً عَلَى أَعْصَابِهِ، وَكَانَ قَضِيبُهُ قَدْ كَادَ يَخْرِقُ سِرْوَالَهُ الرَّثَّ ؛رَأَتْ مِيَادَةُ المَنْظَرَ فَاحْمَرَّ وَجْهُهَا كَالجَمْر. دَارَتْ بِوَجْهِهَا خَجَلاً، وَأَسْرَعَتْ مُغَادِرَةً دُونَ أَنْ تَنْبِسَ بِبِنْتِ شَفَة … ؛ رأت ميادةُ المنظرَ فاحمرَّ وجهها كالجمر، ثم أسرعت مغادرةً دون أن تنبسَ ببنتِ شفة… ؛ أما هو فجرى إلى الحمامِ الضيقِ ليفعلَ كما قال حسام وعامر : يفركُ عضوه بيده متخيلاً ميادةَ تحتَه وهي تصرخُ من النشوة… ؛ أغمض عينيه وتخيل ميادة… ؛ تخيلها عاريةً أمامه، تخيل ثدييها الكبيرين يتدليان، تخيل أردافها الضخمةَ وهي تتمايل، تخيل نفسه يدخلُ فيها، يغوصُ في جسدها كما يغوصُ الغريقُ في البحر… ؛ كان يتخيلُها وهي تصرخُ من النشوة، وهي تعضُّ شفتيها، وهي تطلبُ منه المزيد … ؛وبينما كان غارقاً في تخيلاته، شعر فجأةً بانقباضةٍ عنيفةٍ في أسفلِ بطنه، ثم بانفجارٍ عظيم… ؛ قذفَ المنيَّ بقوةٍ فائقةٍ لدرجةِ أنه وصلَ إلى جدارِ الحمامِ المقابل… ؛ كانت الدفقةُ الأولى قويةً لدرجةِ أنها كادت تصلُ إلى السقف، ثم تبعتها دفقاتٌ أضعف … ؛ بعدها شعر بخواءٍ رهيب، كأنما فرغَ من كلِّ شيء. شعر بفتورٍ غريبٍ يسري في جسده، وبرغبةٍ في النوم، وبشعورٍ بالذنبِ لا يستطيعُ تفسيره… ؛ لكن ذلك الخواءَ لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما عادت الرغبةُ أقوى من قبل … ؛ولم يخرج من الحمام الا بعد ان مارس العادة السرية اربع مرات متتالية …!!
(19) ايام الادمان
بمرور الأيام، صارت العادةُ السريةُ طقسَ نوري اليوميَّ الذي لا يتخلى عنه… ؛ كان يمارسها في الصباحِ حين يستيقظ، وفي الظهيرةِ حين يعودُ من المدرسة، وفي الليلِ قبلَ النوم… ؛ صارت حياته أشبهَ بدورةٍ لا تنتهي: استيقاظ، تخيلات جنسية، استمناء، نوم، أحلام جنسية، استمناء عند الاستيقاظ .
كان يتخيلُ كلَّ امرأةٍ تمرُّ به… ؛ تخيل معلماتِ المدرسةِ الواحدةَ تلو الأخرى: معلمةُ العربيةِ ذاتُ الردفين الكبيرين، معلمةُ الرياضياتِ النحيلةُ ذاتُ الصدرِ الصغير، معلمةُ الإنجليزيةِ الشقراءُ التي كانت تضعُ أحمرَ شفاهٍ فاقعاً… ؛ تخيل قريباته: ابنةَ عمه التي كانت تزورهم في المناسبات، جارتهم العجوزَ التي كانت ترتدي الأسود، حتى خالته الصغيرة التي تزورهم احيانا ؛ تخيلها في لحظةِ ضعفٍ ثم استغفرَ اللهَ طويلاً …
تخيل كلَّ امرأةٍ رآها في الشارع: الفلاحاتِ العائداتِ من الحقول بثيابِهنَّ المبللةِ بالعرق، البدوياتِ اللواتي كنَّ يبعنَ الملح في السوق، الممثلاتِ في البرامجِ التلفزيونيةِ الوحيدةِ التي كانت تصلُ إلى قريتهم .
تحولت حياته إلى سلسلةٍ من التخيلاتِ الجنسيةِ المتعاقبة، وإلى سلسلةٍ من جلساتِ الاستمناءِ في الحمامِ الضيق… ؛ لم يعد يعرفُ هل هو يمارسُ الجنسَ مع النساءِ في خياله، أم أنه يمارسُ الجنسَ مع خيالِ النساء… ؛ كان الفرقُ شبهَ معدوم ؟!
كان يخافُ أن يكتشفَ أحدٌ أمره… ؛ كان يخبئُ زيتَ الاستمناءِ في مكانٍ سريٍّ … ؛ كان يغتسلُ جيداً بعد كلِّ مرة، ويغسلُ ملابسَه الداخليةَ بنفسه لئلا ترى أمه البقعَ البيضاءَ عليها … .
لكن أمه كانت تعرف… ؛ الأمهاتُ في القرى يعرفنَ كلَّ شيء… ؛ كانت ترى نظراته الشرهة للنساء، كانت تسمعُ صوتَ الماءِ في الحمامِ لساعاتٍ طويلة، كانت تجدُ ملابسَه الداخليةَ مبتلةً رغم أنه يغسلها… ؛ لكنها كانت تصمت… ؛ كانت تخافُ أن تخجله، أو ربما كانت تعتبرُ ذلك أمراً طبيعياً يمرُّ به كلُّ شاب .
(20) نوري والمرحلة الثانوية
ومرت السنون والشهور والايام كأنها قطار مسرع لا يتوقف… ؛ و التحق نوري بالثانوية فِي الْبَلْدَةِ الْمُجَاوِرَة… ؛ و كَانَتْ تَبْعُدُ عَنْ قَرْيَتِهِ مَسَافَةَ سَاعَتَيْنِ سَيْراً عَلَى الْأَقْدَام، أَوْ سَاعَةً إِذَا رَكِبَ الدَّابَّةَ مَعَ بَعْضِ الْجِيرَانِ… ؛ و كَانَ يَسْتَيْقِظُ قَبْلَ الْفَجْرِ، يَأْكُلُ قِطْعَةَ خُبْزٍ مَعَ دهن حر، ثُمَّ يَنْطَلِقُ فِي الظَّلَامِ …
فِي الطَّرِيقِ، كَانَ يَمُرُّ بِحُقُولِ الحنطة والشعير وَالذُّرَةِ، وَبِبَسَاتِينِ النَّخِيلِ الْمُمْتَدَّةِ عَلَى ضِفَافِ النَّهْرِ… ؛ كَانَ يَسْمَعُ أَصْوَاتَ الطُّيُورِ وَهِيَ تَصْحُو، وَ يشم رَائِحَةَ النَّدَى تَخْتَلِطُ بِرَائِحَةِ الطِّينِ .
كَانَ يُحِبُّ هَذِهِ الرِّحْلَةَ الصَّبَاحِيَّةَ رَغْمَ تَعَبِهَا، لِأَنَّهَا كَانَتْ تَمْنَحُهُ وَقْتاً لِيُفَكِّرَ … ؛ وفي تِلْكَ السِّنِّ، بَدَأَ يُلَاحِظُ الْفَتَيَاتِ والطالبات ؛ وهناك اكتشف عوالم جديدة .
دخل المرحلة الثانوية، وهناك اكتشف أن الشباب يتناقلون حكاياتٍ غامضة عن الجسد والرغبة الجنسية … ؛كانت المعرفة تأتيهم مشوهة، مثل مرآةٍ مكسورة تعكس الصورة على شكل شظايا … ؛ و بدأ نوري يشعر أن عالمه الداخلي ينقسم إلى قسمين : قسم يحاول أن يكون عاقلاً ومنضبطاً،وقسم آخر مظلم، متمرد، لا يعترف بأي قانون… ؛ وفي تلك الفترة أدرك شيئاً مرعبا : أن الإنسان قد يعيش حياته كلها وهو يحاول التوفيق بين هذين العالمين ؛وغالباً ما يفشل …!!
ومن تلك المرحلة الثانوية ، بدأ الباب ينفتح … ؛ لكن الباب الذي فتحه نوري لم يكن يقود إلى المعرفة ؛ بل إلى متاهة … ؛كانت رغباته تكبر بسرعة … ؛وفي غياب الفهم الحقيقي، تحولت تلك الرغبات إلى شيء يشبه العطش الذي لا يرتوي … ؛كان يشعر أحياناً أنه ليس سيد جسده،بل سجينٌ داخله ,كلما حاول أن يسيطر عليه ؛اكتشف أن الجسد أكثر عناداً من العقل ؛ومع مرور السنوات، صار نوري يكتشف وجهاً آخر للحياة … ؛ أن الإنسان قد يتحول إلى أسيرٍ لأشيائه الخاصة … ؛كان يحاول أن يقاوم،لكن المقاومة تحتاج إلى وعي،والوعي لم يكن متاحاً في عالمٍ يتعامل مع الغرائز بالصمت أو بالخوف … .
ثم بدأ نوري يشعر بأن هناك شيئًا أكبر من جسده يطلب الانتباه… ؛ شعوره الداخلي أصبح يشبه نهرًا هائجًا، لا يهدأ، يملأ عقله وعواطفه، ويعيده إلى الغربة عن ذاته، غربة أشد قسوة من أي حرب خارجية … .
(21)المُجَلَّةُ الخَلَاعِيَّة: فَتْحُ أَبْوَابِ الجَحِيم
وَعِنْدَمَا دَخَلَ المَرْحَلَةَ الإِعْدَادِيَّةَ ، جَاءَهُ صَدِيقُهُ نَاجِي فِي أَحَدِ الأَيَّامِ حَامِلاً كَنْزاً ثَمِيناً: مُجَلَّةً (سِكْسِيَّةً ) خَلَاعِيَّةً خَبَّأَهَا فِي كِيسٍ أَسْوَدَ كَأَنَّهَا جُثَّة… ؛ كَانَتِ المُجَلَّةُ أَجْنَبِيَّةً، عَلَى الأَرْجَحِ مُهَرَّبَةً مِنَ الخَارِج، وَكَانَ ثَمَنُهَا يُسَاوِي ثَمَنَ وَجَبَاتِ أُسْبُوعٍ كَامِل .
كَانَتِ المُجَلَّةُ تَحْتَوِي عَلَى صُوَرٍ لِنِسَاءٍ عَارِيَاتٍ فَاتِنَاتٍ كَأَنَّهُنَّ الحُورُ العِين… ؛ نِسَاءٌ بِشَعْرٍ أَشْقَرَ وَأَزْرَق، وَأَجْسَادٍ مَمْشُوقَةٍ كَأَنَّهَا مَنْحُوتَةٌ مِنْ رُخَامِ إِيطَالِيَا، وَنُهُودٍ كَبِيرَةٍ مَشْدُودَةٍ كَأَنَّهَا كُرَاتُ تِنِس، وَأَرْدَافٍ مُسْتَدِيرَةٍ كَأَنَّهَا أَقْمَارٌ مضيئة … ؛ كُنَّ يَتَّخِذْنَ أَوْضَاعاً جِنْسِيَّةً لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِ نوري أَنَّ البَشَرَ قَادِرُونَ عَلَى فِعْلِهَا: وَضْعِيَّاتٌ مُعَقَّدَةٌ مِنَ الجِنْسِ الفَمَوِيِّ وَالجِنْسِ الشَّرْجِيِّ وَالجِنْسِ الجَمَاعِيِّ، وَنِسَاءٌ يَلْعَقْنَ بَعْضَهُنَّ البَعْض، وَرِجَالٌ يَقْذِفُونَ المَنِيَّ عَلَى وُجُوهِ النِّسَاءِ وَصُدُورِهِنَّ …!!
أَعْطَاهُ نَاجِي المُجَلَّةَ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ إِعَادَتَهَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّام. وَمَا إِنْ دَخَلَ نوري البَيْتَ حَتَّى أَغْلَقَ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ الغُرْفَة، ثُمَّ أَخْرَجَ المُجَلَّةَ مِنَ الكِيسِ الأَسْوَدِ وَبَدَأَ يَنْظُرُ إِلَى الصُّوَرِ بِشَرَهِ جَائِع… ؛ كَانَ قَلْبُهُ يَدُقُّ بِعُنْف، وَكَانَ يَتَصَبَّبُ عَرَقاً رَغْمَ بُرُودَةِ الجَوّ…
كَانَ يَضَعُ قَلِيلاً مِنَ الزَّيْتِ عَلَى عُضْوِهِ لِتَسْهِيلِ الاحْتِكَاك، وَيُمَارِسُ العَادَةَ تَارَةً بَعْدَ تَارَة… ؛ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الصُّورَة، يَفْرُكُ عُضْوَهُ حَتَّى يَقْذِف، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى الصُّورَةِ التَّالِيَةِ فَيَفْرُكُ مِنْ جَدِيد… ؛ فِي اليَوْمِ الأَوَّل: ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرَّة… ؛ فِي اليَوْمِ الثَّانِي: أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَرَّة… ؛ و فِي اليَوْمِ الثَّالِث: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّة … ؛وفي ثلاثة أيام فقط، مارس العادة السرية تسعاً وثلاثين مرة، حتى شعر أن جسده يتحول إلى ظل .
فِي نِهَايَةِ اليَوْمِ الثَّالِث، كَانَ عُضْوُهُ قَدْ تَوَرَّمَ وَأَصْبَحَ مُؤْلِماً… ؛ كَانَ الجِلْدُ قَدِ احْمَرَّ وَتَقَشَّرَ مِنْ كَثْرَةِ الاحْتِكَاك… ؛ كَانَ يَشْعُرُ بِدُوَارٍ وَغَثَيَان، وَصُدَاعٍ شَدِيد، وَإِرْهَاقٍ لَا يُطَاق… ؛ لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَطِعِ التَّوَقُّف… ؛ ظَلَّ يَنْظُرُ إِلَى الصُّوَرِ حَتَّى حَفِظَهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْب .
عِنْدَمَا أَعَادَ المُجَلَّةَ إِلَى نَاجِي، شَعَرَ بِحُزْنٍ غَرِيب، كَأَنَّهُ يُوَدِّعُ حَبِيبَةً عُمْرِه… ؛ ظَلَّ يَتَذَكَّرُ تِلْكَ الصُّوَرِ شُهُوراً طَوِيلَة، يُمَارِسُ العَادَةَ عَلَى مَا حَفِظَتْهُ ذَاكِرَتُهُ مِنْهَا… ؛ كَانَ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ وَيَسْتَرْجِعُ التَّفَاصِيلَ الدَّقِيقَة: شَكْلُ كُلِّ امْرَأَة، وَضْعِيَّةُ كُلِّ صُورَة، لَوْنُ الشَّعْرِ وَالعَيْنَيْن، انْحِنَاءَاتُ الأَجْسَاد … .
(22) لَيْلَةُ الفِيدْيُو الأول : المَنِيُّ يَمْلَأُ الغُرْفَة
وَجَاءَ الدَّوْرُ عَلَى فِيلْمِ الفِيدْيُو… ؛ كَانَ نَاجِي يَعرف صَدِيقاً اسْمُهُ مُحَمَّد، وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَمْلِكُ جِهَازَ فِيدْيُو فِي غُرْفَتِهِ الخَاصَّة… ؛ و كَانَ مُحَمَّدٌ مِنْ عَائِلَةٍ مَيْسُورَة تسكن في احد الاحياء القريبة من المدرسة الثانوية ، وَلَهُ غُرْفَةٌ مُنْفَصِلَةٌ فِي مُلْحَقِ البَيْت، حَيْثُ كَانَ يَجْمَعُ أَصْدِقَاءَهُ لِيُشَاهِدُوا الأَفْلَامَ الخَلَاعِيَّةَ الَّتِي كَانَ يَحْصُلُ عَلَيْهَا مِنْ بَغْدَاد … .
اتَّفَقَ الثَّلَاثَةُ عَلَى جَمْعِ مَبْلَغٍ مِنَ المَالِ لِيَبْتَاعُوا فِيْلماً (سِكْسِيّاً ) إِبَاحِيّاً مِنْ أَحَدِ البَائِعِينَ السِّرِّيِّينَ فِي سُوقِ المَدِينَة، ثُمَّ يُشَاهِدُوهُ مَعاً فِي غُرْفَةِ مُحَمَّد .
كَانَ بَيْتُ مُحَمَّدٍ يَبْعُدُ عَنْ بَيْتِهِمَا مَسَافَةَ سَاعَتين مَشْياً عَلَى الأَقْدَام… ؛ ذَهَبَا فِي لَيْلَةٍ شَتَوِيَّةٍ بَارِدَة، وَالطَّرِيقُ مُوحِشَةٌ تَكَادُ تَخْلُو مِنَ المَارَّة… ؛ كَانَ المَطَرُ يَتَسَاقَطُ بِخِفَّة، وَكَانَ نوري يَشْعُرُ بِقَلَقٍ غَامِض، لَكِنَّ نَاجِي طَمْأَنَهُ: لَا تَخَف، هَذَا هُوَ الطَّرِيقُ إِلَى الرُّجُولَة … .
دَفَعُوا المَبْلَغَ لِمُحَمَّد، فَأَخْرَجَ شَرِيطَ الفِيدْيُو مِنْ تَحْتِ فِرَاشِهِ كَأَنَّهُ يُخْرِجُ جُثَّة… ؛ أَدْخَلَ الشَّرِيطَ فِي جِهَازِ الفِيدْيُو، وَإِذَا بِصُوَرٍ تَظْهَرُ عَلَى شَاشَةِ التِّلْفَازِ الصَّغِيرَةِ ذَاتِ الأَلْوَانِ الزاهية .
كَانَ الفِيلْمُ أَمْرِيكِيّاً، مُتَرْجَماً إِلَى العَرَبِيَّةِ بِطَرِيقَةٍ رَدِيئَة… ؛ كَانَتِ المَشَاهِدُ عَنِيفَةً جِنْسِيّاً: رِجَالٌ يُمَارِسُونَ الجِنْسَ مَعَ نِسَاءٍ بِكُلِّ الطُّرُقِ المُمْكِنَة، مَشَاهِدُ جِنْسٍ شَرْجِيٍّ، جِنْسٍ فَمَوِيٍّ، جِنْسٍ جَمَاعِيٍّ، نِسَاءٌ يَلْعَقْنَ بَعْضَهُن، وَرِجَالٌ يَقْذِفُونَ عَلَى كُلِّ مَكَان… ؛ كَانَتِ الأَنَّاتُ تَمْلَأُ الغُرْفَة، وَكَانَ المَنِيُّ يَتَدَفَّقُ عَلَى صُدُورِ النِّسَاءِ الجَمِيلَاتِ وَعَلَى أَرْدَافِهِنَّ وَعَلَى وُجُوهِهِنَّ … .
جَلَسَ الثَّلَاثَةُ صَامِتِينَ، عُيُونُهُمْ شَاخِصَةٌ إِلَى الشَّاشَة، وَأَفْوَاهُهُمْ مَفْتُوحَةٌ مِنَ الدَّهْشَة… ؛ كَانَتِ المَشَاهِدُ تَفُوقُ خَيَالَهُمُ الجَامِح… ؛ بَدَأُوا بِالتَّنَفُّسِ بِصُعُوبَة، ثُمَّ بَدَأَتْ أَيْدِيهِمْ بِالتَّحَرُّكِ نَحْوَ سَرَاوِيلِهِم …!!س
وَقَفَ الثَّلَاثَةُ خِلَالَ الفِيلْمِ يُمَارِسُونَ العَادَةَ السِّرِّيَّةَ بِشَكْلٍ جَمَاعِيٍّ… ؛ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَفْرُكُ عُضْوَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى الشَّاشَة، وَأَحْيَاناً كَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَى بَعْضِهِمِ البَعْضِ فِي لَحَظَاتِ الذُّرْوَة… ؛ تحولت الغُرْفَةُ إِلَى مَكَبٍّ لِلمَنِيِّ، تَعَالَتْ رَائِحَتُهُ الكَرِيهَةُ حَتَّى خَالَطَتْ رَائِحَةَ العَرَقِ وَرَائِحَةَ البَخُورِ الرَّخِيصِ الَّذِي كَانَ مُحَمَّدٌ يُشْعِلُهُ لِإِخْفَاءِ الرَّوَائِح … .
مَارَسَ كُلٌّ مِنْهُمُ العَادَةَ السِّرِّيَّةَ تِسْعَ مَرَّاتٍ خِلَالَ مُشَاهَدَةِ الفِيلْم… ؛ كَانَ نوري فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَقْذِفُ بِقُوَّةٍ أَقَلّ، حَتَّى صَارَ يَقْذِفُ قَطَرَاتٍ قَلِيلَةً مُؤْلِمَة… ؛ وَعِنْدَمَا انْتَهَوْا، خَرَجُوا إِلَى الشَّارِعِ وَهُمْ يَشْعُرُونَ بِدُوَارٍ وَغَثَيَان، وَكَأَنَّهُمْ قَدْ شَرِبُوا خَمْراً فَاسِداً… ؛ كَانَ نوري يَشْعُرُ بِأَلَمٍ حَادٍّ فِي خُصْيَتَيْهِ، وَكَأَنَّهُمَا تَوَرَّمَتَا مِنَ الدَّاخِل … .
(23)المُومِسُ الجَامُوسَة: حِينَمَا يَصِيرُ الجِنْسُ مَقْزَزَا
قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ تَخَرُّجِهِ مِنَ الإِعْدَادِيَّة، جَاءَهُ نَاجِي بِاقْتِرَاحٍ جَدِيد: أَنْ يَذْهَبَا مَعاً لِمُمَارَسَةِ الجِنْسِ الحَقِيقِيِّ مَعَ إِحْدَى المُومِسَاتِ فِي إِحْدَى المَنَاطِقِ القَرِيبَةِ مِنْ بَغْدَاد … .
تَرَدَّدَ نوري طَوِيلاً… ؛ كَانَ خَائِفاً مِنَ العَوَاقِب: الأَمْرَاض، الفَضِيحَة، العُقُوبَاتُ القَانُونِيَّة، غَضَبُ الأَهْل… ؛ لَكِنَّ نَاجِي أَصَرَّ وَوَعَدَهُ بِأَنَّ التَّجْرِبَةَ سَتَكُونُ لَا تُنْسَى… ؛ و قَالَ لَهُ: كُلُّ رَجُلٍ حَقِيقِيٍّ لَا بُدَّ أَنْ يُجَرِّبَ الجِنْسَ الحَقِيقِيَّ… ؛ العَادَةُ السِّرِّيَّةُ لِلْأَطْفَال. الجِنْسُ الحَقِيقِيُّ لِلرِّجَال … .
ذَهَبَا مَعاً بَعْدَ أَنْ جَمَعَا مَبْلَغاً مِنَ المَالِ مِنْ مَدَّخَرَاتِهِمَا البَسِيطَة… ؛ و كَانَتِ المَنْطِقَةُ فَقِيرَةً نَائِيَة، بُيُوتٌ صَفِيحٌ وَأَزِقَّةٌ ضَيِّقَةٌ تَفُوحُ مِنْهَا رَوَائِحُ المَجَارِي… ؛ وَصَلُوا إِلَى بَيْتٍ صَغِيرٍ مِنَ الطِّين، طَرَقَتِ امْرَأَةٌ عَجُوزٌ البَاب، ثُمَّ أَدْخَلَتْهُمْ إِلَى غُرْفَةٍ شِبْهِ خَالِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا سَرِيرٌ حَدِيدِيٌّ صَدِئٌ وَمَرْتَبَةٌ مُمَزَّقَةٌ مَلِيئَةٌ بِالبُقَع .
دَخَلَتِ المَرْأَةُ الَّتِي سَيُمَارِسَانِ مَعَهَا الجِنْس… ؛ كَانَتْ فِي الخَامِسَةِ وَالأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِهَا، ضَخْمَةَ الجُثَّةِ إِلَى دَرَجَةٍ أَنَّهَا تُشْبِهُ الجَامُوسَة… ؛ كَانَتْ تَزِنُ أَكْثَرَ مِنْ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ كِيلُوغْرَاماً، حَتَّى أَنَّ أَعْضَاءَهَا تَدَاخَلَت: لَمْ يَعُدْ يُعْرَفُ ثَدْيُهَا مِنْ صَدْرِهَا مِنْ بَطْنِهَا… ؛ كَانَتْ كُتْلَةً لَحْمِيَّةً مُتَرَهِّلَةً تَتَحَرَّكُ بِصُعُوبَة، تَفُوحُ مِنْهَا رَائِحَةُ عَرَقٍ كَرِيهَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِرَائِحَةِ التِّبْغِ الرَّخِيصِ وَالثُّومِ وَالبَصَل .
كَانَتْ تَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً عَرِيضَةً تَكْشِفُ عَنْ أَسْنَانٍ صَفْرَاءَ نصفها مَفْقُودَة… ؛ مَدَّتْ يَدَهَا السَّمِينَةَ لِتَلْمُسَ قَضِيبَ نوري، فَانْكَمَشَ مِنَ الِاشْمِئْزَاز… ؛ لَكِنَّ نَاجِي كَانَ أَكْثَرَ جُرْأَة… ؛ اذ قَالَ لِلْمَرْأَة: ابْدَئِي مَعِي، لِيَرَى صَدِيقِي كَيْفَ تُفْعَل … .
نَزَعَتِ المَرْأَةُ ثَوْبَهَا الرَّثَّ، وَكَشَفَتْ عَنْ جَسَدٍ مُتَرَهِّلٍ مُتَرَاكِمِ الدُّهُون… ؛ كَانَ ثَدْيَاهَا يَتَدَلَّيَانِ حَتَّى سُرَّتِهَا، وَكَانَ بَطْنُهَا يُغَطِّي عَانَتَهَا بِالكَامِل… ؛ اسْتَلْقَتْ عَلَى السَّرِيرِ الصَّدِئ، وَفَتَحَتْ سَاقَيْهَا السَّمِينَتَيْن، وَدَعَتْ نَاجِيَ لِلاقْتِرَاب .
مَارَسَ نَاجِي الجِنْسَ مَعَهَا أَوَّلاً… ؛ كَانَ ذَا خِبْرَةٍ وَيَعْرِفُ كَيْفَ يَتَعَامَلُ مَعَ مِثْلِ هَذِهِ الأَجْسَاد… ؛ وَقَفَ نوري يُرَاقِبُهُ وَهُوَ يَنْكِحُ المَرْأَةَ بِشَرَاهَة، وَكَانَ المَشْهَدُ مُقَزِّزاً إِلَى دَرَجَةِ أَنَّهُ كَادَ يَتَقَيَّأ… ؛ كَانَ نَاجِي يَغُوصُ فِي كُتَلِ اللَّحْمِ الضَّخْمَةِ وَكَأَنَّهُ يَغُوصُ فِي مُسْتَنْقَعٍ مِنَ الشَّحْم… ؛ كَانَ يَتَنَفَّسُ بِصُعُوبَة، وَكَانَتِ المَرْأَةُ تَئِنُّ بِأَنَاتٍ مَصْنُوعَة … .
ثُمَّ جَاءَ دَوْرُ نوري… ؛ اقْتَرَبَ مِنَ السَّرِيرِ وَهُوَ يَرْتَجِف… ؛ رَأَى جَسَدَ المَرْأَةِ عَنْ قُرْب، فَرَأَى التَّفَاصِيلَ المُقَزِّزَة: البُثُورَ وَالدَّمَامِلَ عَلَى جِلْدِهَا، الشَّعْرَ الكَثِيفَ الَّذِي يُغَطِّي جَسَدَهَا، الرَّائِحَةَ النَّتِنَةَ المُنْبَعِثَةَ مِنْ إِبْطَيْهَا وَمِنْ فَرْجِهَا … .
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَتَخَيَّلَ أَنَّهَا مِيَادَة… ؛ تَخَيَّلَ أَنَّهَا جَارَتُهُمُ الجَمِيلَة… ؛ تَخَيَّلَ أَنَّهَا معلمة اللغة الانكليزية ، ذَلِكَ الوَجْهُ الجَمِيلُ الَّذِي كان يَرَاهُ فِي المَدْرَسَة الابتدائية … ؛ ثُمَّ انْغَمَسَ فِي تِلْكَ الكُتْلَةِ اللَّحْمِيَّةِ كَمَا يَغْرَقُ الغَرِيقُ فِي البَحْرِ، يَبْحَثُ عَنْ طَوْقِ نَجَاة … .
وَكَانَ طَوْقُ النَّجَاةِ قَطَرَاتِ المَنِيِّ الَّتِي تَسَاقَطَتْ فِي جَوْفِهَا العَمِيقِ العَفِن… ؛ و لَمْ يَكَدْ يَبْدَأْ حَتَّى شَعَرَ بِالقَذْف… ؛ قَذَفَ بِسُرْعَةٍ خَاطِفَة، ثُمَّ قَفَزَ هَارِباً مِنْ فَوْقِهَا، هَارِباً مِنْ رَائِحَتِهَا النَّتِنَةِ الَّتِي الْتَصَقَتْ بِجِلْدِهِ لِأَيَّام …!!س
رَكَضَ إِلَى دَوْرَةِ المِيَاهِ الخَارِجِيَّة، إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَا يُمَكِنُ تَسْمِيَتُهُ دَوْرَةَ مِيَاه: حُفْرَةٌ فِي الأَرْضِ تُحِيطُهَا أَلْوَاحٌ صَدِئَة، وَغَسَلَ عُضْوَهُ بِالمَاءِ البَارِدِ مِرَاراً وَتَكْرَاراً … .
(24) الحرب وضحايا القرية
في عام 1990، أقدم صدام على دخول الكويت، في خطوةٍ متهوّرة جاءت عقب خروجه من حربٍ طاحنة مع إيران استمرت ثماني سنوات، حربٍ لم تُبقِ ولم تذر، أكلت الأخضر واليابس، وحصدت أرواح خيرة شباب العراق، تاركةً خلفها وطناً مثقلاً بالجراح، وشعباً أنهكته الفواجع والخسارات .
ولم تمضِ سوى أشهر حتى تلقّى الجيش العراقي هزيمةً قاسية على يد قوات التحالف الدولي عام 1991، أعقبها انسحابٌ مذلّ من الكويت، كشف هشاشة النظام وعمق أزمته… ؛ عندها، انفجر الغضب المكتوم في صدور العراقيين، فانتفضت جماهير الشعب، في الوسط والجنوب والشمال، ضد حكمٍ طالما جثم على صدورهم بالقمع والحديد والنار… ؛ و سقطت المحافظات الواحدة تلو الأخرى بيد الثائرين والاحرار والثوار ، وامتدت شرارة الانتفاضة حتى بلغت محافظة نوري وقريته الصغيرة، التي وجدت نفسها فجأة في قلب العاصفة … .
لكن تلك اللحظات التي أشرقت بالأمل لم تدم طويلاً؛ إذ سرعان ما تبددت تحت أزيز الطائرات ودويّ المدافع والصواريخ … ؛ فبعد أن أُعطي النظام البعثي الضوء الأخضر من قبل الامريكان ، وسمح له باستخدام الطيران والأسلحة الثقيلة، انطلقت آلة القمع بلا رحمة… ؛ حيث عاثت قوات الحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية في البلاد فساداً وقتلا ونهبا وذبحا … ؛ تنشر الموت والخراب والدمار والرعب ، وتغرق القرى والمدن في بحارٍ من الدم والدخان… ؛ و لم تسلم قرية نوري من هذا الجحيم؛ فقد طالتها نيران القصف العشوائي، وسقط فيها عدد من أبنائها، منهم ملا القرية السيد رضا، والشاب عامر صديق نوري وجاره ، وشيخ العشيرة … الخ ؛ الذين غدوا أسماءً محفورة في ذاكرة الألم .
وقف نوري مذهولاً أمام هذه المشاهد الدامية، وكأن ما كان يسمعه في السابق لم يعد مجرد حكايات بعيدة… ؛ لقد كان يلتقط أخبار الحرب من أفواه العائدين في إجازاتٍ خاطفة، أولئك الذين كانوا يأتون مثقلين بالغبار والتعب، يحملون في عيونهم صور الجبهات، ثم لا يلبثون أن يعودوا إليها… ؛ و كثيرون منهم لم يرجعوا أبداً، وبعضهم عاد محمولاً على الأكتاف، داخل توابيت ملفوفة بالعلم العراقي، في صمتٍ أثقل من الصراخ .
كان نوري يسمع نحيب النساء الثكالى، ذلك النحيب الذي يمزّق السكون كأنه سكاكين في قلب الليل؛ أمهاتٌ فقدن أبناءهن، وزوجاتٌ ترمّلن قبل الأوان، وأخواتٌ انكسر في داخلهن شيءٌ لن يلتئم… ؛ كان أحياناً يقف بينهن، عاجزاً عن المواساة، فتغلبه دموعه، ويبكي معهن، وكأن بكاءه محاولةٌ يائسة لغسل شيءٍ من هذا الألم الذي غمر كل شيء .
(25) الجامعة والرحيل الى بغداد
في عام 1991 كان نوري في الثامنة عشرة ؛ وبعد ان تخرج من الدراسة الاعدادية وبمعدل جيد ؛ تم قبوله في الجامعة المستنصرية ؛ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَافِرَ إِلَى بَغْدَادَ لِاكْمَالِ الدِّرَاسَةِ الجامعية … ؛ كَانَ الْفِرَاقُ صَعْباً… ؛ و قَبْلَ سَفَرِهِ بِيَوْمٍ، جَلَسَ مَعَ أَبِيهِ تَحْتَ شَجَرَةِ التِّينِ… ؛ و كَانَ الْأَبُ صَامِتاً كَعَادَتِهِ… ؛ نَظَرَ إِلَى نُورِي طَوِيلاً، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ خَشِن :
يا وَلَدِي، الْحَيَاةُ صَعْبَةٌ والحكومة قاسية … ؛ و النَّاسُ فِي الْمَدِينَةِ لَيْسُوا كَنَاسِ الْقَرْيَةِ… ؛ احْتَرِسْ مِنْ نَفْسِكَ ومن الناس , واياك والتدخل في الاحاديث السياسية وابتعد عن التجمعات الشبابية قدر الامكان … .
كَانَتْ أَكْثَرَ كَلِمَاتٍ يَقُولُهَا فِي شَهْرٍ… ؛ نَظَرَ نُورِي إِلَيْهِ وَرَأَى الدُّمُوعَ تَحْتَرِقُ فِي عَيْنَيْهِ الْغَائِرَتَيْنِ… ؛ و أَحَسَّ بِحُبٍّ عَظِيمٍ لِهَذَا الرَّجُلِ الصَّامِتِ الَّذِي قَضَى عُمْرَهُ يَعْمَلُ فِي الْحَقْلِ لِيُطْعِمَهُمْ … .
فِي بَغْدَادَ، سَكَنَ نُورِي فِي السَّكَنِ الدَّاخِلِيِّ لِلطَّلَبَةِ فِي مِنْطَقَةِ باب المعظم … ؛ كَانَتِ الْغُرْفَةُ تَضُمُّ أَرْبَعَةَ أَسِرَّةٍ حَدِيدِيَّةٍ، وَخِزَانَةً معدنية كَبِيرَةً لِلْمَلَابِسِ، وَشُبَّاكاً يُطِلُّ عَلَى شَارِعٍ صَاخِبٍ… ؛ و كَانَ يَشْتَرِكُ فِي الْغُرْفَةِ مَعَ ثَلَاثَةِ طَلَبَةٍ آخَرِينَ: سَعْدٌ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَعَلَاءٌ مِنَ الْمَوْصِلِ، وَجَابِرٌ مِنْ واسط .
كَانَتِ الْحَيَاةُ فِي السَّكَنِ صَاخِبَةً… ؛ كَانَ الطَّلَبَةُ يَلْعَبُونَ الْوَرَقَ والدومنة حَتَّى سَاعَاتٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَيَتَحَادَثُونَ عَنِ السِّيَاسَةِ وَالنِّسَاءِ وَالْفُتْيَات والجنس والدين … ؛ و كَانَ نُورِي نَادِراً مَا يَشَارِكُ… ؛ كَانَ يَجْلِسُ عَلَى سَرِيرِهِ يَقْرَأُ كُتُبَ الْفَلْسَفَةِ الَّتِي كَانَ يَسْتَعِيرُهَا مِنْ مَكْتَبَةِ الْجَامِعَةِ… ؛ اذ كَانَ يَقْرَأُ لِابْنِ سِينَا وَالْغَزَالِيِّ وَكَانْط وَسَارْتَر… ؛ وَكَانَ كُلَّمَا قَرَأَ شَيْئاً، ازْدَادَتْ أَسْئِلَتُهُ .
دخل نوري الجامعة وهناك ظن أن المعرفة ستنقذه … ؛ لكنه اكتشف أن الكتب تعلمك الكثير عن التاريخ والفلسفة والسياسة … ؛ لكنها نادراً ما تعلمك كيف تفهم نفسك … ؛ نعم : الكتب لا تستطيع دائماً إصلاح الخراب الذي يبدأ في الداخل مبكراً .
دخل نوري الكلية معتقدًا أنه سيجد فيها سياجًا منظمًا لحياته وستمنحه سلاحا ضد الفراغ ، لكنه اكتشف أن الكتب لا تعالج الفراغات العميقة التي يخلقها الجسد والروح… ؛ هنا التقى بالناس، واحتك بالزملاء من مدن مختلفة، كل واحد يحمل قصته الخاصة، كل واحد يحمل صراعه الداخلي… ؛وتعلم اللغة الجديدة للغريزة والاحتمالات، لكنه اكتشف أن كل علاقة تترك أثرًا على الداخل، أثرًا يجعل الروح أضيق من الجسد نفسه … .
في الجامعة شعر بالاغتراب أكثر من أي وقت مضى: هنا الناس يتحدثون عن السياسة والدراسة والكتب، لكن لا أحد يتحدث عن الفراغ الداخلي الذي يشبه حفرة سوداء في روح الإنسان .
جلس نوري في غرفته الصغيرة، ينظر إلى الجدران المكسورة، إلى نافذة مطلة على شارع ضيق حيث الأطفال يركضون، الجيران يصرخون , السيارات تمر مسرعة ، الباعة يصرخون لبيع خبزهم الحار… ؛ أدرك فجأة أن كل شيء حوله يعكس صراعه الداخلي: الفوضى، الضجيج، الوحدة .
بدأ يفكر بصوتٍ منخفض: لماذا أنا هنا؟
هل أنا مجرد جسد بين الآخرين، أم أنني شيء أعمق؟
اكتشف أن ما يسميه البشر رغبات، وما يسمونه أخطاء، وما يصفونه كفراغ، كل ذلك مجرد انعكاس لشيء أعمق: وعيه بالوجود .
(26) الجامعة والاغتراب
دخل الجامعة في بغداد معتقدًا أن المعرفة ستساعده على فهم نفسه والعالم… ؛ لكن الحقيقة كانت مختلفة… ؛ الجامعة لم تمنحه الإجابات التي كان يبحث عنها… ؛ كل كتاب، كل محاضرة، كانت تزيده إدراكًا لمدى الفوضى داخله .
تعرّف على زملاء من مدن مختلفة، كل واحد يحمل قصته، كل واحد يعيش اغترابًا داخليًا… ؛ و التفاعل الاجتماعي أصبح اختبارًا يوميًا: في القاعات، بين الممرات، في الكافتيريا، كان يشعر أنه يراقب الحياة من خلف زجاج شفاف .
حتى الكتب لم تشرح له ما يعيشه، والحوارات الاجتماعية غالبًا كانت سطحية… ؛ في الصفوف، كان يرى الطلاب يتبادلون نظرات وأحاديث، بينما داخله كانت دوامة من الأسئلة: هل كل حياتي مجرد محاولة لإخفاء الفراغ؟ هل كل شيء حولي صادق؟ أم أننا جميعًا نعيش في تمثيل مستمر؟!
كان الصراع اليومي يتجلى في كل تفاصيل الحياة: الطوابير الطويلة في الجامعات، انتظار الحافلات، صوت الباعة، شجار الأطفال في الشارع، نظرات المارة، وحتى صمت الزملاء أحيانًا كان يزعجه أكثر من أي ضوضاء …!!
(27) الْفَلْسَفَةُ وَالْحَيْرَةُ
في احد الايام ذهب نوري الى قسم الفلسفة في الجامعة ؛ واقترب من احدى القاعات التي كانت تعج بالطلبة والطالبات وهم يستمعون الى محاضرة استاذ الفلسفة زهير الحارثي ؛كَانَ رَجُلاً فِي الخامسة والْخَمْسِينَ، لَهُ لِحْيَةٌ خَفِيفَةٌ وَعَيْنَانِ صغيرتان… ؛ كَانَ يُحَاضِرُ عَنْ مَفْهُومِ “الْوُجُودِ وَالْمَاهِيَّةِ” عِنْدَ سَارْتَر… ؛ سمعه نوري وهو يقول :
(( يَقُولُ سَارْتَر: الْإِنْسَانُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ حُرّاً. لَيْسَ لَهُ مَاهِيَّةٌ مُحَدَّدَةٌ سَلَفاً، بَلْ هُوَ يَخْلُقُ مَاهِيَّتَهُ بِاخْتِيَارَاتِهِ. وُجُودُهُ سَابِقٌ عَلَى مَاهِيَّتِهِ )) .
بعد انتهاء المحاضرة خرج الاستاذ زهير ؛ عندها القى عليه نوري التحية وسأله : يا دكتور، وَمَاذَا عَنْ رَجُلٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْتَارَ؟ رَجُلٍ تَسْكُنُهُ حَيْرَةٌ لَا يَعْرِفُ مَعَهَا مَا يُرِيدُ؟!
نَظَرَ إِلَيْهِ الدُّكْتُورُ بِاهْتِمَامٍ… ؛ وقال : الْحَيْرَةُ نَفْسُهَا اخْتِيَارٌ يَا بُنَيَّ… ؛ اخْتِيَارُ عَدَمِ الِاخْتِيَارِ… ؛ وَسَارْتَر نَفْسُهُ يَقُولُ: الْإِنْسَانُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ حُرّاً، حَتَّى لَوْ لَمْ يَخْتَرِ الْحُرِّيَّةَ … .
ثم اقترب الدكتور زهير من نوري ؛ وقال له :أَنْتَ تَسْأَلُ أَسْئِلَةً عَمِيقَةً… ؛ لَكِنْ إِيَّاكَ أَنْ تَغْرَقَ فِي الْأَسْئِلَةِ فَتَنْسَى الْحَيَاةَ … .
قال نوري : لَكِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْسَى… ؛ الْحَيَاةُ تُذَكِّرُنِي دَائِماً بِأَسْئِلَتِي .
ابتسم الدكتور زهير وقال :إِذَنْ اكْتُبْ… ؛ اكْتُبْ أَسْئِلَتَكَ… ؛ رُبَّمَا تَجِدُ فِي الْكِتَابَةِ مَخْرَجاً .
مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، بَدَأَ نُورِي يَكْتُبُ مُذَكِّرَاتِهِ… ؛ دَفْتَرٌ أَزْرَقُ صَغِيرٌ كَانَ يَحْمِلُهُ مَعَهُ دَائِماً… ؛ كَتَبَ فِيهِ أَفْكَارَهُ وَأَسْئِلَتَهُ وَتَأَمُّلَاتِهِ عَنِ الْمَنِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَوْتِ وَالْوُجُودِ… .
كَتَبَ ذَاتَ يَوْمٍ: “الْمَنِيُّ سَائِلٌ غَرِيبٌ… ؛ إِنَّهُ أَنَا وَلَيْسَ أَنَا… ؛ إِنَّهُ جُزْءٌ مِنِّي يَخْرُجُ مِنِّي لِيَصِيرَ شَيْئاً آخَر… ؛ لَوْ أَمْكَنَنِي أَنْ أَتَّحِدَ بِمَنِيِّي بَعْدَ خُرُوجِهِ، لَاتَّحَدْتُ بِنَفْسِي… ؛ لَكِنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ… ؛ إِذَنْ أَنَا دَائِماً نَاقِصٌ وهو كذلك ناقص … ؛ والعجيب ان الناس يطلبون صيرورة الانسان الكامل من الناقصين …؟!
(28) نوري في كلية الهندسة
دخل نوري الجامعة… ؛ و كانت كليةُ الهندسةِ في بغدادَ تعجُّ بالشبابِ والفتيات… ؛ وهنا بدأت محنتُه الكبرى… ؛ كان ينظرُ إلى زميلاتِه في الكليةِ وكأنهنَّ عارياتٌ تماماً، وكأن عينيه تخرقانِ ثيابَهنَّ لترى ما تحتها… ؛ كان يراقبُ أثداءَهنَّ وهي تنتفخُ تحت القمصان، وأردافَهنَّ وهي تتمايلُ أثناء المشي، وأفخاذَهنَّ الناعمةَ وهي تختفي تحت (التنانير) , ويجلس خلفهن ويشم اريج عطرهن المثير , ويسير بالقرب منهن في الممرات فتنتقل اليه حرارة وتصيبه قشعريرة كأنها الجاذبية او أشبه بالموجات الكهرومغناطسية .
وما إن يعودَ إلى السكنِ الداخليِّ للطلبة حتى يهرعَ إلى الحمامِ ليمارسَ العادةَ السريةَ أربعَ مراتٍ يومياً كحدٍّ أدنى… ؛ كانت أيامُه تتكررُ على هذا النحو: دراسة، دوام في الكلية , تخيلات، استمناء في الحمام ، نوم في غرفة الاقسام الداخلية ، أحلامٌ جنسية، استمناء عند الاستيقاظ … الخ .
(29) نَدَى.. امْرَأَةٌ مِنْ لَحْمٍ وَدَم
فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فِي الْجَامِعَةِ، الْتَقَى نُورِي بِنَدَى… ؛ كَانَتْ تَدْرُسُ الْأَدَبَ الْعَرَبِيَّ وفي المرحلة الاخيرة , وهي تسكن الاقسام الداخلية لانها من احدى المحافظات ايضا ، وَكَانَتْ تَكْتُبُ شِعْراً فِي دَفْتَرٍ أَزْرَقَ لَا تُفَارِقُهُ… ؛ كَانَتْ طَوِيلَةً نَحِيلَةً، ذَاتَ شَعْرٍ أَسْوَدَ كَثِيفٍ تَجْمَعُهُ فِي ضَفِيرَةٍ وَاحِدَةٍ تَتَدَلَّى عَلَى ظَهْرِهَا… ؛ كَانَتْ عَيْنَاهَا سَوْدَاوَيْنِ عَمِيقَتَيْنِ تُشْبِهَانِ لَيْلَ الْبَادِيَة، وَكَانَتْ تَضْحَكُ بِصَوْتٍ خَفِيفٍ كَرَنِينِ الْأَجْرَاسِ الصَّغِيرَة … .
الْتَقَيَا فِي الْمَكْتَبَةِ الْمَرْكَزِيَّةِ… ؛ كَانَ نُورِي يَقْرَأُ كِتَاباً عَنِ الْوُجُودِيَّةِ، وَكَانَتْ هِيَ تَبْحَثُ عَنْ مَرْجِعٍ لِبَحْثِهَا عَنِ الشَّاعِرَةِ نَازِك الْمَلَائِكَة… ؛ تَعَثَّرَتْ فِي كُرْسِيٍّ فَكَادَتْ تَسْقُطُ، فَأَمْسَكَ بِهَا نُورِي … .
نوري :آسِف، لَمْ أَقْصِدْ .
ضحكت ندى وقالت : لا بأس , شكرا لك , أنا ندى .
نوري : وأنا نوري .
ثم جَلَسَا يَتَحَادَثَانِ لِسَاعَاتٍ… ؛ كَتَمَ نُورِي دَهْشَتَهُ كَيْفَ اِنْسَابَ الْحَدِيثُ بَيْنَهُمَا بِسُهُولَة… ؛ حَدَّثَتْهُ عَنْ شِعْرِهَا وَأَحْلَامِهَا، وَحَدَّثَهَا عَنْ أَسْئِلَتِهِ وَحَيْرَتِهِ .
وتوطدت العلاقة فيما بينهما ؛ وقالت له ذات مرة وفي المكتبة نفسها : أنت غريب يا نوري ؛ لست كبقية الرجال ؟!
قال نوري : وكيف يكون الرجال ؟
ندى :هُمْ… ؛ أَبْسَطُ مِنْكَ… , يُفَكِّرُونَ فِي الْعَمَلِ وَالْفُلُوسِ وَالنِّسَاءِ… ؛ أَمَّا أَنْتَ فَتُفَكِّرُ فِي أَشْيَاءَ أُخْرَى .
نوري :أَشْيَاءَ أُخْرَى؟ مِثْلَ مَاذَا؟
ندى : مِثْلَ… , مَعْنَى الْحَيَاةِ… , لِمَاذَا نَعِيشُ… , هَلْ نَحْنُ مَوْجُودُونَ حَقّاً …؟
نَظَرَ إِلَيْهَا نُورِي بِإِعْجَابٍ… ؛ وقال : وَمَا رَأْيُكِ أَنْتِ؟
تَأَمَّلَتْ نَدَى سَقْفَ الْمَكْتَبَةِ… ؛ وقالت : لَا أَدْرِي… ؛ لَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّ الْحَيَاةَ تُعَاشُ لَا تُفَكَّرُ… ؛ فالتَّفْكِيرُ الزَّائِدُ يَقْتُلُ الْحَيَاةَ .
صَمَتَ نُورِي… ؛ كَانَتْ كَلِمَاتُهَا تُشْبِهُ كَلِمَاتِ الدُّكْتُورِ زهير استاذ الفلسفة .
تَطَوَّرَتِ الصَّدَاقَةُ بَيْنَهُمَا إِلَى حُبٍّ… ؛ كَانَا يَخْرُجَانِ مَعاً إِلَى مَقْهَى قديم فِي مِنْطَقَةِ الرُّصَافَة، حَيْثُ الْكَرَاسِيُّ الْخَشَبِيَّةُ الْمُهْتَرِئَةُ وَرَائِحَةُ الشَّايِ الثَّقِيلَةُ تَمْتَزِجُ بِرَائِحَةِ الدُّخَّانِ الرَّخِيص… ؛ كَانَتْ نَدَى تُحَدِّثُهُ عَنْ أَحْلَامِهَا: أَنْ تَصِيرَ شَاعِرَةً مَشْهُورَة، أَنْ تَنْشُرَ دِيوَاناً، أَنْ تَسَافَرَ إِلَى بَارِيس… ؛ وَكَانَ نُورِي يُصْغِي وَهُوَ يَشْعُرُ بِأَنَّ أَحْلَامَهَا تَتَطَايَرُ كَالْفَرَاشَاتِ حَوْلَ رَأْسِهَا، بَيْنَمَا أَحْلَامُهُ هِيَ أَكْثَرُ ثِقَلاً مِنْ أَنْ تَطِير … .
وطالما كَانَتْ تَسْأَلُهُ وتعيد نفس السؤال عليه : فِيمَ تُفَكِّرُ يَا نُورِي؟
فَيَرُدُّ: فِي شَيْءٍ لَا أَسْتَطِيعُ تَفْسِيرَهُ… ؛ و كَانَتْ تَضْحَكُ وَتَقُولُ: أَنْتَ غَامِضٌ جِدّاً… ؛ وَكَانَ يَرُدُّ بِصَمْتٍ أَكْثَرَ غُمُوضاً .
(30) نوري واللَّيْلَةُ الْأُولَى
بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ الصَّدَاقَةِ، قَرَّرَا أَنْ يَخْلُوَا مَعاً فِي شُقَّةِ صَدِيقَةٍ لِنَدَى كَانَتْ مُسَافِرَةً… ؛ و كَانَتِ الشُّقَّةُ صَغِيرَةً فِي مِنْطَقَةِ الْكَرَّادَةِ، تَضُمُّ غُرْفَةَ نَوْمٍ وَحَمَّاماً وَمَطْبَخاً صَغِيراً… ؛ و كَانَتِ الْجُدْرَانُ مَدْهُونَةً بِلَوْنٍ أَصْفَرَ بَاهِت، وَعَلَى الْجِدَارِ لَوْحَةٌ زَيْتِيَّةٌ لِنَهْرٍ وَجِسْرٍ … .
جَلَسَا عَلَى الْأَرِيكَةِ يَتَحَادَثَانِ بِتَوَتُّرٍ… ؛ ثُمَّ اقْتَرَبَتْ نَدَى مِنْهُ وَوَضَعَتْ رَأْسَهَا عَلَى كَتِفِهِ… ؛ شَعَرَ نُورِي بِدِفْءِ جَسَدِهَا، وَبِرَائِحَةِ شَعْرِهَا الطيبة … ؛ رَائِحَةُ زَهْرِ الْبُرْتُقَالِ .
ثم قالت ندى : أَتُحِبُّنِي يَا نُورِي؟
نَظَرَ إِلَيْهَا… ؛ و رَأَى عَيْنَيْهَا تَبْحَثَانِ عَنْ شَيْءٍ فِي عَيْنَيْهِ… ؛ ثم قَالَ: لَا أَدْرِي مَا هُوَ الْحُبُّ… ؛ لَكِنِّي أَشْعُرُ بِرَاحَةٍ حِينَ أَكُونُ مَعَكِ .
ضحكت ندى وقالت : هذا اعتراف غريب .
نوري :لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا .
قَبَّلَتْهُ… ؛ كَانَتْ قُبْلَتُهَا دَافِئَةً نَاعِمَة… ؛ و لَمْ يَشْعُرْ نُورِي بِشَيْءٍ كَهَذَا مِنْ قَبْلُ… ؛ تَسَلَّلَتْ يَدَاهُ إِلَى جَسَدِهَا، وَهُمَا يَتَحركان بِبُطْءٍ .
رَأَى جَسَدَهَا الْعَارِيَ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى… ؛ تَذَكَّرَ الْمَرْأَةَ فِي النَّهْرِ… ؛ و تَذَكَّرَ ميادة جارتهم … ؛ تَذَكَّرَ كُلَّ الصُّوَرِ الَّتِي رَآهَا… ؛ لَكِنَّ هَذَا كَانَ مُخْتَلِفاً… ؛ كَانَتْ نَدَى امْرَأَةً حَقِيقِيَّةً مِنْ لَحْمٍ وَدَم، تَتَنَفَّسُ وَتَرْتَجِفُ تَحْتَ يَدَيْهِ .
مَارَسَا الْجِنْسَ بشتى الاوضاع المختلفة ؛ كَانَتْ نَدَى دَافِئَةً وَمُنْفَعِلَةً… ؛ أَمَّا نُورِي فَكَانَ يُرَاقِبُ نَفْسَهُ وَهُوَ يَفْعَلُ ذَلِكَ… ؛ و كَانَ يَتَسَاءَلُ: هَلْ هَذَا أَنَا حَقّاً؟ هَلْ هَذِهِ الْحَرَكَاتُ هِيَ حَرَكَاتِي؟ مَنْ يَتَحَكَّمُ بِهَذَا الْجَسَدِ ؟!
وَفِي لَحْظَةِ الْقَذْفِ، شَعَرَ بِذَلِكَ الْإِحْسَاسِ الْقَدِيمِ: جُزْءٌ مِنْهُ يَخْرُجُ مِنْهُ وَيَذْهَبُ إِلَى حَيْثُ لَا يَعْلَم… ؛ نَظَرَ إِلَى وَجْهِ نَدَى وَهِيَ تَئِنُّ بِسَعَادَةٍ، ثُمَّ قَالَ فِي نَفْسِهِ: “أَنَا لَسْتُ هُنَا… ؛ أَنَا لَسْتُ هُنَاكَ… , أَنَا لَا أَعْرِفُ أَيْنَ أَنَا … .
ولم يكتف نوري بذلك … ؛ فقد جامعها ست مرات متتالية , ولم يغتسلا خلالها اغتسالا كاملا الا مرتين فقط … .
بَعْدَ ذَلِكَ، اسْتَيْقَظَتْ نَدَى فِي الصَّبَاحِ وَوَجَدَتْهُ جَالِساً عَلَى حَافَّةِ السَّرِيرِ يُحَدِّقُ فِي النَّافِذَةِ .
قالت : فِيمَ تُفَكِّرُ يَا نُورِي؟96رد نوري : فِي أَنَّنَا كُنَّا مَعاً، وَالْآنَ أَنْتِ هُنَا وَأَنَا هُنَا، وَلَكِنَّ اللَّحْظَةَ الْحَمِيمَةَ قَدْ وَلَّتْ… ؛ أَيْنَ ذَهَبَتْ؟ أَيْنَ ذَهَبَ ذَلِكَ الِالْتِحَامُ؟
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِحَيْرَةٍ… ؛ وقالت : أَنْتَ تُفَكِّرُ كَثِيراً … .
قال نوري :لَا أَسْتَطِيعُ التَّوَقُّف .
ثم أخذ نوري يغوص في أعماق التفكير، متأملاً حال ندى بكل ما أوتي من دهشة واضطراب… ؛ فبالأمس فقط كان كالوحش الهائج في شهوته، مشتت الذهن، متقد الجسد، عاجزاً حتى عن ترتيب فكرة الملامسة أو تصور لحظة الوصال الجنسي … ؛ كان قد بنى في خياله صورة نمطية عنها كبقية الطالبات: عذراء لم تُمسّ، طاهرة لم تُفتضّ… ؛ لكن الصدمة كانت عنيفة حين بادرته هي بالمبادرة، رافعةً فخذيها، ممسكةً به، موجّهةً إياه إلى أعماق أنوثتها التي سبقته إليها يدٌ أخرى… ؛ يدٌ ما زالت ذكراها تنزف في أعماقها حتى اللحظة .
بعد هذه المراجعة الخاطفة التي اجتاحت وعيه كالبرق المباغت، التفت إليها بسؤال ملؤه الحيرة والارتباك :أمتزوجة أنتِ… , أم مطلقة؟
فأجابته بصوت هامس، تحفّه كآبة دفينة : لا زوج لي … ؛ ولست مطلقة .
فازدادت حيرته، وتسمرت عيناه في عينيها وسألها بتردد :إذن…, أين ذهب غشاء البكارة ؟!
هنا تنهدت ندى تنهيدةً عميقة، تنهيدةً حملت في طيّاتها كل أثقال السنين، وقالت بصوت متقطّع كأنما تقتلع الكلمات من لحم ذاكرتها :لقد انتزعه مني أحدهم…, انتزعه انتزاعاً لا يداً امتدت بالحب، بل مخلباً انقضّ بالخديعة والغدر … .
سألها نوري بلهفة مشوبة بالغضب :ومن ذاك الذي تجرّأ؟ وكيف كانت فصول تلك المأساة ؟!
فاسترسلت ندى في بوحها المرير، تسرد حكايتها وكأنها تقرأ من كتاب العار الإنساني : في سنتي الأولى في الكلية… , حيث كنت غضّة العود، بكر المشاعر، بيضاء النية كصفحة ماء… ؛ تقرّبت مني إحدى الطالبات البعثيات، ممن يتحركن في دهاليز اتحاد الطلبة، ويملكن من النفوذ ما يخترق جدران الأساتذة والمسؤولين… ؛ كان اسمها سهام العاني…؛ و عرضت عليّ صداقتها، وكنت ساذجة إلى حد الثقة العمياء، لم أسئ الظن بها، بل بادلتها الودّ بودّ، والصدق بصدق… ؛ ولما عرفت أني من محافظة نائية، وأن عائلتي تنام على جمر الفقر والحرمان، صارت تمنحني بين الفينة والأخرى شيئاً من المال… ؛ مالاً ظننته يومها عطفاً، فإذا هو طُعمٌ أُلقي في ماء النهر العكر.
ثم جاء اليوم الذي أقنعتني فيه -بلغة المنطق المسموم- بضرورة “استثمار جمالي وجسدي” في زمن الحصار الذي يطحن العظام ويذلّ الكرامات… ؛ كلمات لم أفهم كنهها وقتها، كنتُ لا أزال أنظر إلى الدنيا بعينَي طفلة تائهة في غابة الذئاب … .
وبعد أيام… ؛ جاءت ومعها شاب أردني اسمه مروان… ؛ كان طالباً كبقية الطلبة، لكنه محسوب على حزب البعث الحاكم، يدرس في العراق بمنحة حكومية تدفع عنه كل نفقة، بل وتزيد… ؛ و كان يعيش في بحبوحةٍ مفرطة، يغترف من فارق العملة ما يجعله ملكاً متوّجاً في بلد يموت أهله جوعاً… ؛ و كان تاجراً بالحرب، محتكراً للبضائع، جالباً السلع من عمّان ليبيعها بأسعار خيالية هنا، في سوق الحصار السوداء.
ألحّ علينا مروان بعزم وتصميم أن نقبل دعوته للغداء في أحد مطاعم بغداد الفاخرة… ؛ وألحّت عليّ سهام إلحاحاً غريباً… ؛ حتى قبلتُ وأنا أكاد أختنق بالريبة … ؛ ذهبنا إلى “مطعم البحر الأبيض”… ؛ و أكلنا من ألوان الطعام ما لم تعرفه معدتي من قبل… ؛ ثم عاد بنا، أوصل سهام إلى منزلها في المنصور، ثم توجّه بي إلى الأقسام الداخلية… ؛ و كان لطيفاً، أنيقاً في حديثه… ؛ وعندما هممتُ بالنزول من سيارته الفارهة، أخرج رزمة من المال وأعطاني إياها… ؛ مددتُ يدي مرتعشة، أشعر أن أبواب الدنيا فتحت بوجهي .
تكررت الدعوات بعدها… ؛ غداء، عشاء، جولات في حدائق بغداد وأسواقها، في شوارعها التي كان يطوف بي فيها بسيارته وكأنه يطوف بعروس النصر… ؛ وكان يمد يده أحياناً ليمسّ جسدي، متظاهراً بالعفوية والبراءة، بينما كانت أصابعه تحمل نوايا مبيّتة … .
حتى جاء اليوم الذي دعاني فيه إلى شقته الخاصة في الكرادة… ؛ للمبيت… ؛ وقبل أن أخطو تلك الخطوة القاتلة، وضع في يدي مبلغاً من المال يوازي راتب معلم عراقي مسكين لمدة عام كامل!
مالٌ أمامه يتضاءل المرء حتى يصير عبداً لرقمه … .
ذهبتُ معه… ؛ وما إن دخلنا حتى قدّم لي كأس خمر…؛ حاولتُ أن أتجرّعه فلم يستقر في حلقي… ؛ لكنه دخل المطبخ سريعاً وعاد بعصير بارد، مُحلّى بطعم الخيانة والغدر … ؛ شربته… ؛ ثم شعرتُ بدوار غريب، ونعاس ثقيل يهبط عليّ كستار المسرح المأساوي، ولم أعد أدري ما حدث بعدها …!!
استيقظتُ ظهراً… ؛ استيقظتُ على ألم حاد يمزّق أحشائي، ألم يذكّرني بجريمتي التي لم أرتكبها… ؛ نظرتُ فإذا بي عارية تماماً، كحقيقة مكشوفة… ؛ ورأيتُ بقعاً من الدماء وبقايا المنى تلوث جسدي وملاءات السرير… ؛ الشقة فارغة… ؛ مروان قد هرب كاللص من مسرح الجريمة، تاركاً الجثة التي لا تزال تنبض …!!
أجهشتُ بالبكاء…, ثم انفجرتُ بالعويل… ؛ بكاء من لم يبقَ له من الدنيا إلا دموعه… ؛ اتصلتُ بسهام أستنجد من الهاتف الموجود في الشقة ، فإذا بها تنهرني بغضب سادي: ومن قال لكِ تذهبين معه وتبيتين في شقته؟ أين كان عقلكِ؟!
ثم أغلقت السماعة في وجهي كأنها تغلق تابوتاً.
لم أعرف ماذا أفعل… ؛ ارتديتُ ملابسي التي لم تعد تحميني من عري الروح… ؛ ثم دخلتُ الحمام أغتسل، وكأن الماء يمكن أن يطهر عاراً كهذا… ؛ ثم خرجتُ أجرّ أذيال الخيبة والصمت والالم .
لم أرَ مروان بعدها قط… ؛ كان في مرحلته الأخيرة في الكلية، يدرس في مبنى بعيد عن مبناي، وكأن الأقدار شاءت أن تخفي عني وجه الذئب الشهواني الخسيس … .
وبعدها…؛ مارستُ الجنس مع أربعة رجال… ؛ أنت خامسهم… ؛ وصرتُ أتناول حبوب منع الحمل… ؛ كي لا أثمر طفلاً من زنا لا يدري من أبوه … .
عندما أنهت ندى حديثها الذي كان أشبه باعترافات العائدين من حرب خاسرة، لم يجد نوري إلا أن يضمها إلى صدره ضمة حانية، وكأنه يحاول أن يجمع حطام إنسانة تبعثرت على أرصفة الخذلان… ؛ بكيا معاً… ؛ بكاءً اختلطت فيه دموع الضحية ودموع الشاهد… ؛ كان بكاؤهما مرثية صامتة لبراءة تُغتال في دهاليز السياسة والفقر والغربة .
ثم استمرت علاقتهما خمسة أشهر كاملة… ؛ كان يبيت معها يوماً واحداً في الأسبوع، لكنه يوماً مشبعاً بالرغبة المحمومة، يجامعها فيه مرات تتراوح بين الأربع والسبع…؛ كمن يحاول أن يملأ فراغاً روحياً بكمية من الجسد .
تخرجت ندى أخيراً، وعادت إلى محافظتها النائية، إلى أهلها الفقراء الذين لا يعرفون شيئاً عن حكاية ابنتهم المثقوبة الروح… ؛ وانقطعت أخبارها… , كأنما ابتلعتها الأرض التي ابتلعت شرفها من قبل … .
أما نوري فقد عاد أدراجه إلى وحدته القاتلة، وإلى عادته السرية التي لم يفارقها إلا في يوم لقاء ندى والذي يليه… ؛ يومان كانا بمثابة استراحة المحارب من حرب لا نصر فيها ولا هزيمة، فقط…؛ دوران في حلقة مفرغة من الوحدة والشهوة والخذلان … .
وهكذا، بقيت القصة بالنسبة لنوري درسًا صامتًا: أن الإنسان قد يسقط، لا لأنه يريد السقوط، بل لأنه لم يجد من يُمسك بيده في اللحظة التي كان فيها على الحافة … .
(31)وَشْوَشَةُ الْأَصْدِقَاء
كَانَ لِنُورِي صَدِيقَانِ مُقَرَّبَانِ فِي الْجَامِعَة : سَعْدٌ البصراوي وَعَلَاء المصلاوي … ؛ كَانَ سَعْدٌ شَابّاً مَرِحاً يُحِبُّ السِّياسَةَ وَالنِّسَاء، وَكَانَ عَلَاءٌ هَادِئاً مُتَأَمِّلاً، يَقْرَأُ كُتُبَ التَّصَوُّفِ وَيَحْفَظُ شِعْرَ الْمُتَنَبِّي… ؛ و فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، جَلَسَ الثَّلَاثَةُ فِي مَقْهَى “حَسَن عَجَمِي” الْقَدِيمِ يَشْرَبُونَ الشَّايَ وَيَتَحَادَثُونَ … .
قَالَ سَعْدٌ وَهُوَ يُدَخِّنُ سِيجَارَةً رَخِيصَة: يَا نُورِي، كُلُّنَا نَرَاكَ مُنْطَوِياً عَلَى نَفْسِكَ… ؛ مَا بِكَ؟!
نَظَرَ نُورِي إِلَى فِنْجَانِ الشَّايِ الْمَمْلُوءِ بِالسُّكَّر… ؛ و قَالَ: لَا شَيْء… ؛ أُفَكِّرُ فَقَط .
قال علاء : التفكير جيد , ولكن الافراط فيه يقتل صاحبه … ؛ ربما الموت أهون من هذا التيه والقلق الوجودي يا نوري .
ضَحِكَ سَعْد وقال : يا نوري انت تتكلم وكأنك شيخ صوفي او فيلسوف … ؛ أَنْتَ مَازِلْتَ شَابّاً، أَمَامَكَ الْحَيَاةُ كُلُّهَا… ؛ تَزَوَّجْ، خَلِّفْ أَطْفَالاً، انْسَ هَذِهِ الْفَلْسَفَةَ الْفَارِغَة … .
قال علاء بجدية :لَيْسَتْ فَارِغَةً يَا سَعْد… ؛ نُورِي يُحَاوِلُ أَنْ يَفْهَمَ… ؛ هَذَا شَيْءٌ نَبِيل وحسن .
قَالَ نُورِي وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ مِنْ حَوْلِهِ: أَرَاكُمْ تَضْحَكُونَ وَتَلْعَبُونَ وَتَتَحَادَثُونَ، كَأَنَّ الدُّنْيَا جَنَّةٌ مَضْمُونَة… ؛ أَمَّا أَنَا فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْسَى أَنَّنَا جَمِيعاً سَنَمُوتُ… ؛ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّاسِ سَيَصِيرُ جُثَّةً فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّام… ؛ وَحِينَئِذٍ، مَاذَا سَيَبْقَى مِنْ ضَحِكِهِمْ؟
سَكَتَ سَعْدٌ وَعَلَاءٌ… ؛ و نَظَرَ سَعْدٌ إِلَى فِنْجَانِهِ وَقَالَ: يَا رَجُل، أَنْتَ تُفَكِّرُ كَثِيراً جِدّاً .
ثم قال علاء : لَعَلَّهُ مُحِقٌّ يَا سَعْد… ؛ لَكِنَّ الْعَيْشَ بِهَذَا الْوَعْيِ لَا يُطَاق .
قال نوري : أنا لَا أَخْتَارُهُ… ؛ إِنَّهُ يَأْتِينِي كَالنَّفَس .
انْتَهَتِ الْجَلْسَةُ بِصَمْتٍ ثَقِيل… ؛ فِي الطَّرِيقِ إِلَى الاقسام الداخلية ، قَالَ سَعْدٌ لِعَلَاءٍ : هَذَا الرَّجُلُ مَجْنُون .
رد علاء قائلا :لَا… ؛ لَيْسَ مَجْنُوناً… ؛ إِنَّهُ يُشْبِهُ النَّبِيَّ أَيُّوبَ، يَبْحَثُ عَنْ رَحْمَةٍ قد لَا تَأْتِي ؛ وقد تأتي متأخرة .
(32) نوري وساهرة
وفي احد الايام , وفي نهاية ايام المرحلة الثالثة من الدراسة الجامعية بالتحديد ؛ لاحظت إحدى زميلاته نظراته الشرهة… ؛ و كانت تدعى ساهرة، وكانت جميلةً بشكلٍ أخاذ: عينان واسعتان كالبحرين، سوداوان عميقتان تختبئُ فيهما آلافُ الأسرار، وشعرٌ أسودُ طويلٌ ينسدلُ على كتفيها كشلالِ ليل، وجسدٌ ممشوقٌ كأنه منحوتٌ من رخامٍ إيطالي: خصرٌ نحيلٌ، وأردافٌ مستديرةٌ، وثديانِ مشدودانِ ينتصبانِ تحتَ قميصها الضيق … .
اقتربت منه في مكتبةِ الكلية وسألته عن كتابٍ في الرياضيات… ؛ و كان صوتُها ناعماً دافئاً، جعلُه يرتجف ويهتاج … ؛ ثم تطور الحديثُ إلى لقاءاتٍ متكررةٍ في مقاهي قريبة من الجامعة، وإلى مشاويرَ طويلةٍ في حدائقِ بغداد … .
توطدت العلاقة بينهما … ؛ و صار يخرج معها ويمسك بيدها ويقبلها في زوايا الشوارع الخلفية وخلف ظلال اشجار الحدائق العامة … ؛ كانت قبلاتُهُ الأولى مع امرأةٍ حقيقية في الفضاء العام ، وكان يكتشفُ لأول مرةٍ أن القبلاتِ يمكن أن تكونَ أجملَ من الاستمناء… ؛ و كان يشعرُ بدفءٍ غريبٍ حين تلمس شفتاه شفتيها، وحين يشمُّ رائحةَ شعرها المنعشة … .
لكنه مع ذلك ظلَّ يمارسُ العادةَ السريةَ بصورة شبه يومية ، كأنها إدمانٌ لا يُشفى منه… ؛ كان يفعلها في الحمامِ بعد لقاءاتِه معها، وكثيراً ما كان يتخيلُها وهو يفركُ عضوه، ثم يشعرُ بالذنبِ والانهاك بعد ذلك .
وفي أحد الأيام، وبينما كان يقبلها بشغفٍ في حديقةٍ عامة، شعر بانتصابٍ عنيفٍ دفعَه لأن يقذفَ في ملابسه الداخلية… ؛ احمرَّ خجلاً، واعتذر منها وأسرع إلى الحمامِ العامِّ ليغتسل… ؛ لكن ساهرة لم تغضب، بل ضحكت وقالت: لا بأس، هذا طبيعي … .
لم يبرح خيال ساهرة ذلك المشهد الطاغي لحجم فحولته وطول قضيبه المنتصب كالخشبة ؛ ولا تزال صورة دفق المني الذي ترك أثره على بنطاله تلاحق حواسها … ؛ استسلمت ساهرة لسطوة تلك الخيالات الجنسية , ومارست العادة السرية ثلاث مرات متتالية , وهي غارقة في استحضار صورة انتصابه البارز , مستسلمة لدوامة من الرغبة التي أججتها تلك البصمات المبللة على ملابسه … .
(33) أَوَّلُ جِنْسٍ حَقِيقِيٍّ: سَاهِرَةُ تَحْتَهُ سِتَّ مَرَّات
وبمرور الوقت، صارت العلاقةُ أكثرَ حميمية… ؛ و حدثها عن رغبته في ممارسةِ الجنسِ معها، فوافقت بعد تردد… ؛ ثم استأجرا شقةً صغيرةً في منطقةِ البتاويين الشعبية، واتفقا على أن يلتقيا هناك كلَّ خميس … .
في اللقاء الأول، كانت ساهرة متوترة… ؛ نزعت ثيابها ببطء، ووقف نوري ينظر إلى جسدها العاري للمرة الأولى … ؛ كان أجملَ مما تخيل… ؛ صدرها الصغير المنتصب كحبتي رمان، حلمتاه البنيَّتانِ الداكنتان، خصرها النحيل الذي يكاد يُمسَكُ باليدين ، أردافها المستديرة الملساءُ كأنها منحوتةٌ من رخام ، عانتها المغطاة بشعرٍ خفيف… ؛ شعر للحظة أنه يرى الجنة … ؛تقدم نحوها وراح يقبلها في كلِّ مكان… ؛ قبل ثدييها، قبل بطنها، قبل فخذيها، قبل عانتها… ؛ ثم أوصلها إلى السرير .
ولانها عذراء باكر ؛ مارس الجنس معها من الدبر ست مرات متتالية… ؛ كانت المرةُ الأولى سريعةً ومتوترة، قذفَ فيها خلال دقائق… ؛ لكنه في المراتِ التالية صار أكثرَ تحكماً , كان عنيفاً، شَرِهاً، كأنه يريدُ تعويضَ سنينِ العزوبةِ القاسية… ؛ وكان يغيرُ الأوضاعَ الجنسية في كلِّ مرة: من فوق، من تحت، من الخلف، على الجنب… ؛ و كانت ساهرة تتألم لكنها كانت تتحمل… ؛ كانت تضحك أحياناً، وتصرخ أحياناً أخرى …!!
وعندما انتهى، كانت لا تستطيع المشي من شدة الألم في مؤخرتها… ؛ و ظلت ثلاثةَ أيامٍ لا تستطيع الجلوس على مؤخرتها … ؛ و كان ألمُها شديداً لدرجة أنها كادت تذهب إلى المستشفى …!!
أما هو فشعر بانتصارٍ عظيم… ؛ شعر أنه أصبح رجلاً حقيقياً… ؛ توقف بعدها عن ممارسةِ العادةِ السريةِ لمدة أسبوع كامل، وكان يحتقرُ كلَّ من يمارسها… ؛ ثم صار يعتقد أن المكانَ الطبيعيَّ الوحيدَ للمني هو قبلُ المرأةِ ودبرُها، لا غير … .
(34) سَنَةٌ مِنَ الجِنْسِ المُسْتَمِرّ: المَرْأَةُ كَجَسَدٍ فَقَط
اسْتَمَرَّتِ العَلَاقَةُ مَعَ سَاهِرَةَ طَوَالَ السَّنَةِ الأَخِيرَةِ مِنَ الكُلِّيَّة… ؛ كَانَا يَلْتَقِيَانِ كُلَّ أُسْبُوعٍ فِي تِلْكَ الشُّقَّةِ الصَّغِيرَة، وَيُمَارِسَانِ الجِنْسَ بِشَرَاهَة… ؛ و كَانَ نوري يَكْتَشِفُ مَعَهَا عَوَالِمَ جَدِيدَةً مِنَ المُتْعَة، وَكَانَتْ سَاهِرَةُ تَكْتَشِفُ مَعَهُ مَعَانِيَ الحُبِّ وَالِالْتِصَاق الا انه لا يبادلها مشاعر الحب الصادق .
فِي البِدَايَة، كَانَ نوري يَكْتَفِي بِاللِّقَاءَاتِ الأُسْبُوعِيَّة… ؛ لَكِنْ مَعَ الوَقْت، صَارَتْ رَغْبَتُهُ تَزْدَاد… ؛ صَارَ يَطْلُبُ اللِّقَاءَ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوع، ثُمَّ ثَلَاثاً… ؛ وَكَانَتْ سَاهِرَةُ تُوَافِقُ أَحْيَاناً وَتَعْتَذِرُ أَحْيَاناً بِسَبَبِ الدِّرَاسَةِ وَالِامْتِحَانَات والالتزامات الاخرى .
كَانَ نوري يُلَاحِظُ أَنَّهُ مَعَ سَاهِرَةَ لَا يَشْبَعُ أَبَداً… ؛ كَانَ يُمَارِسُ الجِنْسَ مَعَهَا حَتَّى تَطْلُبَ مِنْهُ التَّوَقُّف، ثُمَّ يَعُودُ بَعْدَ سَاعَةٍ لِيَطْلُبَ المَزِيد… ؛ لكن شيئاً ما كان ينقصه… , لم يكن يشعر بالاكتفاء أبداً, و كَانَتْ رَغْبَتُهُ الجِنْسِيَّةُ لَا حُدُودَ لَهَا، وَكَأَنَّ جَسَدَهُ صَارَ مَصْنَعاً لِإِنْتَاجِ الشَّهْوَةِ والمني بِلَا تَوَقُّف …!!
المشكلة لم تكن في الممارسة الجنسية أو في غياب العلاقة … ؛بل في الفراغ الذي يسكن روحه … ؛كان يشعر أن شيئاً في داخله انكسر منذ زمنٍ بعيد، وأن كل ما يفعله ليس إلا محاولة لترميم ذلك الكسر… ؛لكن بعض الكسور لا تُرمّم .
وَحَتَّى وَهُوَ مَعَ سَاهِرَةَ، كَانَ يُفَكِّرُ أَحْيَاناً بِامْرَأَةٍ أُخْرَى… ؛ بِزَمِيلَةٍ أُخْرَى فِي الكُلِّيَّة، بِبَائِعَةٍ فِي السُّوق، بِجَارَةٍ قَدِيمَة… ؛ كَانَتْ تِلْكَ الأَفْكَارُ تُعَذِّبُهُ، لَكِنَّهُ كَانَ عَاجِزاً عَنِ السَّيْطَرَةِ عَلَيْهَا .
وَفِي غِيَابِهَا، كَانَ يَعُودُ إِلَى العَادَةِ السِّرِّيَّة… ؛ كَانَ يُمَارِسُهَا فِي الحَمَّامِ وَهُوَ يَتَخَيَّلُ سَاهِرَة، وَأَحْيَاناً يَتَخَيَّلُ غَيْرَهَا… ؛ كَانَ يَشْعُرُ بِالذَّنْب كالعادة ، لَكِنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهَا رَغْمَ ذَلِك …!!
مَوْتُ الْأَبِ: أَوَّلُ صَدْمَةٍ كُبْرَى (35)
فِي إِحْدَى سَنَوَاتِ الحصار القاسي ؛ وفي السنة الاخيرة من دراسته الجامعية ؛ مَاتَ حسان أَبُو نُورِي… ؛ لَمْ يَمُتْ فِي الْمَعْرَكَة، بَلْ مَاتَ فِي بَيْتِهِ، عَلَى فِرَاشِهِ، بِسَبَبِ أَزْمَةٍ قَلْبِيَّةٍ لَمْ يَجِدُوا لَهَ طَبِيباً أَوْ دَوَاءً فِي الْقَرْيَة … ؛ مَاتَ كَمَا يَمُوتُ الْفَقِيرُ فِي بِلَادِ الْفُقَرَاء والمظلومين والمحرومين والمهمشين ؛ مات كما يموت المواطن العراقي الاصيل في ظل الحكومة الهجينة الغريبة والتي لا تربطها بالعراق والهوية الوطنية والاغلبية العراقية أية صلة .
وَقَفَ نُورِي أَمَامَ جُثَّةِ أَبِيهِ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى فِي حَيَاتِهِ… ؛ رَأَى جَسَداً لَا يَتَحَرَّك، وَجْهاً لَا يَتَكَلَّم، عَيْنَيْنِ مُغْلَقَتَيْنِ لَا تَنْظُرَانِ إِلَى شَيْء… ؛جَلَسَ نُورِي أَمَامَ جُثَّةِ أَبِيهِ لِسَاعَاتٍ طَوِيلَة… ؛ نَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ الْمُتَجَعِّدِ الَّذِي بَدَا لَهُ فِي الْمَوْتِ أَكْثَرَ رَاحَةً مِمَّا كَانَ فِي الْحَيَاة … ؛ وفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، شَعَرَ نُورِي بِشَيْءٍ مُخِيف… ؛ شَعَرَ أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُوداً أَصْلاً… ؛ شَعَرَ أَنَّ كُلَّ تِلْكَ السِّنِينَ الَّتِي عَاشَهَا مَعَهُ كَانَتْ وَهْماً… ؛ شَعَرَ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ يَظُنُّهُ أَبَاهُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا جَسَداً يَتَحَرَّكُ وَيَأْكُلُ وَيَنَام، لَكِنَّ الرُّوحَ الْحَقِيقِيَّةَ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ أَبَداً ؛ اذ كان دائم الصمت وقليل الاختلاط حتى بالعائلة …!!
وقَالَ لِنَفْسِهِ: طُولَ عُمْرِهِ، كَانَ صَامِتاً… ؛ وَالْآنَ صَارَ صَامِتاً إِلَى الْأَبَد… ؛ هَلْ كَانَ يَعْنِي صَمْتُهُ شَيْئاً؟ هَلْ كَانَ يُفَكِّرُ مِثْلِي؟ أَمْ كَانَ فَارِغاً مِنَ الدَّاخِلِ كَهَذَا الْجِدَارِ الطِّينِيِّ؟
ثم سَأَلَ نَفْسَهُ: هَلْ كُنْتُ أَنَا أَيْضاً كَذَلِكَ؟
هَلْ كُنْتُ أَتَحَرَّكُ بَيْنَ النَّاسِ وَأَنَا لَسْتُ مَوْجُوداً حَقّاً؟
هَلْ كَانَ جَسَدِي هُنَا وَرُوحِي فِي مَكَانٍ آخَر؟”
فِي لَيْلَةِ الدَّفْن في النجف الاشرف ، بَعْدَ أَنْ عَادَ هو والاقارب الى قريتهم ؛ ذهب الجميع وَتَرَكُوهُ وَحْدَهُ فِي غُرْفَتِهِ، مَارَسَ الْعَادَةَ السِّرِّيَّةَ بيأس… ؛ كَانَ يُحَاوِلُ أَنْ يُثْبِتَ لِنَفْسِهِ أَنَّهُ حَيٌّ، أَنَّهُ مَازَالَ يُخْرِجُ مِنْ جَسَدِهِ سَائِلاً، أَنَّهُ مَازَالَ قَادِراً عَلَى أَنْ يَتْرُكَ أَثَراً فِي هَذَا الْعَالَم… ؛ لَكِنَّ الْمَنِيَّ الَّذِي قَذَفَهُ ذَاكَ الْمَسَاءَ بَدَا لَهُ غَرِيباً، بَارِداً، مَيِّتاً، كَأَنَّهُ مَنِيُّ رَجُلٍ مَيِّت …!!
وَقَالَ لِنَفْسِهِ: يَا تُرَى، هَلْ عِنْدَمَا أَمُوتُ سَيَخْرُجُ مِنِّي الْمَنِيُّ أَيْضاً؟
أَمْ أَنَّهُ سَيَتَوَقَّفُ ويجف وَيَبْقَى دَاخِلِي يَنْتَظِرُ شَيْئاً لَنْ يَأْتِيَ أَبَداً؟!
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، تَذَكَّرَ حَدِيثاً قَدِيماً مَعَ أَبِيهِ تَحْتَ شَجَرَةِ التِّينِ… ؛ كَانَ أَبُوهُ يَقُولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ، الْإِنْسَانُ يَعِيشُ لِيَمُوتَ… ؛ وَمَا بَيْنَ الْوِلَادَةِ وَالْمَوْتِ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ الْخَيْرَ وَيَتْرُكَ أَثَراً طَيِّباً … .
ثم قال نوري لنفسه : وهل تَرَكْتَ أَثَراً يَا أَبِي ؟
وفي ليلةِ الدفن، حلم نوري بأبيه ؛ وقد راه شاباً يافعاً جميلا يمشي على سطح الماء، ويقول لابنه نوري : لا تبحث عن نفسك في المرايا يا بني… ؛ المرايا تكذب… ؛ و لا تبحث عنها في جسدك، فالجسدُ قاربٌ سريعُ الغرق… ؛ ابحث عنها في الأرض، في السماء، في الآخرين، في عملك، في أطفالك… ؛ لكن إياك أن تبحث عنها في قضيبك، فالقضيبُ ليس إلا دليلاً على أننا كائناتٌ عابرة، تأتي لنقذفَ منياً ثم نرحل … .
استيقظ نوري فزعاً… ؛ ثم جلس في فراشه يفكر في كلمات أبيه… ؛ ثم نظر إلى نفسه، إلى جسده الشاب، إلى عضوه الذي بدأ ينتصبُ للتو كما ينتصبُ الأملُ في صدرِ يائس … .
وفكر: هل أنا أيضاً سأكررُ رحلةَ أبي؟ هل أنا أيضاً سأبحثُ عن نفسي في المني؟ هل أنا أيضاً سأموت وحدي أمام مرآة؟
و بعد اسبوع , عاد الى بغداد , وفي غرفة الاقسام الداخلية ؛ استيقظ نوري على حلم مبلل ؛ ينظر إلى سائله الأبيض على فخذيه في حيرةٍ ، ولا يدري أن دورةَ الحياةِ قد بدأت من جديد، وأن دورةَ الموتِ أيضاً قد بدأت من جديد ؛ وشعر ان دورة الحياة مرتبطة بدورة الموت .
(36) زواج بلا حب
تخرج نوري من الكلية , ورجع الى أهله , ومضت الايام وانصرمت السنين , وأدى خدمة التنجيد الالزامي , ثم عَمِلَ فِي وَظِيفَةٍ حُكُومِيَّةٍ في محافظته ؛ وتزوج نوري مِنِ ابْنَةِ عَمِّهِ زَيْنَبَ حِينَ بَلَغَ الثامنة وَالْعِشْرِين… ؛ كَانَ زَوَاجاً تَقْلِيدِيًّا، رَتَّبَتْهُ الْعَائِلَتَانِ كَمَا يَرُتِّبَانِ صَفْقَةَ تِجَارَة… ؛ خطبةٌ في بيتِ العائلة، عقدُ قرانٍ في المسجد، ثم زفافٌ بسيطٌ في القرية ؛ و كَانَتْ زَيْنَبُ فَتَاةً قَصِيرَةً مُمْتَلِئَة، ذَاتَ وَجْهٍ مُسْتَدِيرٍ كَالْقَمَرِ فِي لَيْلَةِ تِمَامِهِ… ؛ و لَمْ تَكُنْ جَمِيلَةً بِالْمَعْنَى الْكَلَاسِيكِيِّ، لَكِنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ فِي عَيْنَيْهَا بَرَاءَةَ الطُّفُولَةِ الَّتِي لَمْ تَفْقِدْهَا بَعْد … ؛ فهي فتاةٌ ريفيةٌ بسيطةٌ لا تعرفُ من الدنيا شيئاً .
وكانت زينب تحبُّه بصدق… ؛ و كانت تطبخ له أكلاتِه المفضلة، وتعتني بملابسه، وتتحملُ تقلباتِ مزاجه … ؛ الا انه كان ينظر اليها نظرة عطف ورحمة ولا علاقة لها بالحب .
وفِي لَيْلَةِ الزِّفَافِ، جَلَسَ نُورِي فِي غُرْفَةِ الْعُرْسِ الْمُزَيَّنَةِ بِالْأَقْمِشَةِ الْحَمْرَاءِ … ؛ و كَانَتْ زَيْنَبُ جَالِسَةً إِلَى جَانِبِهِ تَرْتَجِفُ مِنَ الْخَوْف… ؛ نَظَرَ إِلَيْهَا نُورِي وَرَأَى دُمُوعاً تَتَسَاقَطُ عَلَى خَدَّيْهَا … .
سأله : لماذا تبكين ؟
زينب : أنا خائفة , لا أعرف هذه الامور … .
أَحَسَّ نُورِي بِشَفَقَةٍ غَرِيبَةٍ تَغْمُرُهُ… ؛ و قَالَ: لَا تَخَافِي يا زينب … , لَنْ أُؤْذِيَكِ .
لَكِنَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، عِنْدَمَا حَانَتْ لَحْظَةُ الِالْتِقَاءِ الْجَسَدِيِّ، شَعَرَ بِالْفَرَاغِ نَفْسِهِ الَّذِي كَانَ يَشْعُرُ بِهِ مَعَ كُلِّ امْرَأَة… ؛ جَسَدُ زَيْنَبَ الْمُمْتَلِئُ تَحْتَهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمْلَأَ ذَلِكَ الْفَرَاغ… ؛ قَذَفَ سَرِيعاً، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْجِدَارِ وَتَظَاهَرَ بِالنَّوْم … !!
(37) المَنِيُّ يَتَحَوَّلُ إِلَى أَطْفَال
بَعْدَ شَهْرٍ، حَمَلَتْ زَيْنَبُ… ؛ وَبَعْدَ تِسْعَةِ أَشْهُر، أَنْجَبَتْ طِفْلَهُمُ الْأَوَّل… ؛ و سَمَّاهُ نُورِي “حَسَّان” عَلَى اسْمِ أَبِيهِ الَّذِي مَاتَ قَبْلَ عدة سنوات … .
وُلِدَ حَسَّانُ فِي لَيْلَةٍ عَاصِفَة، وَكَانَ صُرَاخُهُ يَمْلَأُ الْبَيْتَ كُلَّهُ… ؛ حَمَلَهُ نُورِي بَيْنَ يَدَيْهِ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى… ؛ ثم نَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ الصَّغِيرِ الْمُتَجَعِّد، عَيْنَيْهِ الْمُغْمَضَتَيْن، شَعْرِهِ الْأَسْوَدِ … ؛ وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، شَعَرَ بِشَيْءٍ غَرِيبٍ يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِهِ… ؛ شَعَرَ أَنَّ هَذَا الطِّفْلَ جُزْءٌ مِنْهُ، جُزْءٌ خَرَجَ مِنْهُ بالفعل ، لَكِنَّهُ جُزْءٌ حَيٌّ، يَنْمُو، سَيَكْبُرُ وَيَعِيشُ بَعْدَ أَنْ يَمُوتَ هُوَ … ؛ وسيبقى بعده كالكتاب المفتوح .
ثم قَالَ فِي نَفْسِهِ: الْمَنِيُّ يَصْنَعُ الْأَطْفَال… ؛ وَالْأَطْفَالُ هُمُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْمَنِيَّ إِلَى الْأَجْيَالِ الْقَادِمَة… ؛ لَعَلَّ الْمَنِيَّ هُوَ الْخُلُودُ نَفْسُهُ …؟!
لَكِنَّ هَذَا الْإِحْسَاسَ لَمْ يَدُمْ طَوِيلاً… ؛ ففِي اللَّيْلَةِ نَفْسِهَا، بَيْنَمَا كَانَ حَسَّانُ يَنَامُ فِي مَهْدِهِ، ذَهَبَ نُورِي إِلَى الْحَمَّامِ وَمَارَسَ الْعَادَةَ السِّرِّيَّةَ كَعَادَتِهِ… ؛ نَظَرَ إِلَى الْمَنِيِّ وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْهُ، وَتَذَكَّرَ حَسَّان… ؛ و قَالَ: أَيُّهُمَا أَكْثَرُ حَقِيقَةً: الْمَنِيُّ الَّذِي يَضِيعُ فِي الْحَمَّامِ، أَمِ الْمَنِيُّ الَّذِي يَصِيرُ حَسَّانَ؟!
ومضت السنون , وأَنْجَبَتْ زينب لَهُ خَمْسَةَ أَطْفَال: ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ وَبِنْتَيْن… ؛ كَانَ الأَطْفَالُ مَصْدَرَ سَعَادَتِهِ الوَحِيد، كَانَ يُحِبُّهُمْ حُبّاً كَبِيراً، يَلْعَبُ مَعَهُمْ، يَشْتَرِي لَهُمُ الحَلْوَى، يَحْكِي لَهُمْ قِصَصاً قَبْلَ النَّوْم … .
ظَنَّ نوري لِلْحَظَةِ أَنَّ الزَّوَاجَ وَالأُبُوَّةَ سَيَشْفِيَانِهِ مِنْ إِدْمَانِهِ… ؛ و ظَنَّ أَنَّ وُجُودَ امْرَأَةٍ دَائِمَةٍ فِي الفِرَاشِ سَتُشْبِعُ رَغْبَتَهُ… ؛ لَكِنَّهُ اكْتَشَفَ سَرِيعاً أَنَّ الأَمْرَ مُخْتَلِف .
كَانَ يُمَارِسُ الجِنْسَ مَعَ زينب بِشَكْلٍ مُنْتَظَم، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَشْبَع… ؛ كَانَ يَشْعُرُ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئاً يَنْقُصُهُ… ؛ اذ كَانَتْ زينب امْرَأَةً تَقْلِيدِيَّةً فِي الفِرَاش، لَا تَعْرِفُ الأَوْضَاعَ المُخْتَلِفَة، تَخْجَلُ مِنَ التَّجْرِيب، وتُفَضِّلُ الجِنْسَ السَّرِيعَ تَحْتَ الأَغْطِيَةِ فِي الظَّلَام … .
أَمَّا هُوَ فَكَانَ يَشْتَهِي مَا كَانَ يَفْعَلُهُ مَعَ سَاهِرَة وندى : الأَوْضَاعَ المُخْتَلِفَة، الجِنْسَ مِنَ الخَلْف , ومن الفرج ، والتَّجْرِيبَ المُسْتَمِرّ… ؛ لَكِنَّ زينب كَانَتْ تَرْفُضُ مُعْظَمَ مَا يَقْتَرِحُهُ… ؛ اذ كَانَتْ تَقُولُ لَهُ: هَذَا عَيْب… ؛ و هَذَا حَرَام… ؛ هَذَا مَا يَفْعَلُهُ الرِّجَالُ الفَاسِدُون …!!
فَكَانَ يَضْطَرُّ لِلعَوْدَةِ إِلَى العَادَةِ السِّرِّيَّة…؛ فهو فِي كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ، ظَلَّ يُمَارِسُ الْعَادَةَ السِّرِّيَّةَ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَر… ؛ كَانَ يَفْعَلُهَا فِي الْحَمَّام، أَوْ فِي غُرْفَتِهِ عِنْدَمَا يَخْلُو بِنَفْسِهِ… ؛ وفي غرفة مكتبه التي بناها في بيتهم بعد زواجه ؛ وَكَانَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يُحَاوِلُ أَنْ يَلْتَقِيَ بِذَاتِهِ الْغَائِبَة، فَلَا يَلْقَى إِلَّا الْفَرَاغ … ؛ و كَانَتْ زَوْجَتُهُ تَكْتَشِفُ أَحْيَاناً آثَارَ المَنِيِّ عَلَى مَلَابِسِهِ الدَّاخِلِيَّةِ فَتَحْزَن، لَكِنَّهُ كَانَ يُخْبِرُهَا أَنَّهُ احْتِلَامٌ لَا إِرَادِي، فَتَصْدُقُهُ لِأَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَصْدُقَه …!!
كان يمارس العادة السرية رغم معرفته بأنها تسبب الكآبة والإرهاق والشعور بالذنب ، ورغم تحذيرات الناس من أنها قد تؤدي للعقم والضعف الجنسي وارتجاف اليدين … .
(38) الْأَطْفَالُ وَالْمَنِيُّ الْمُضَاعَفُ
رُزِقَ نُورِي وَزَيْنَبُ بِخَمْسَةِ أَطْفَالٍ: حَسَّان، حيدر، عَلِيٌّ، وَمَرْيَم , ونوال … ؛ و كَانَ الْبَيْتُ الصَّغِيرُ يَضِجُّ بِالْحَيَاةِ وتحسنت اوضاعهم المعيشية رَغْمَ الْحِصَار… ؛ والفضل يعود لارضهم الزراعية ومحاصيلها وتربية الحيوانات والدواجن ؛ كَانَ نُورِي يَعُودُ مِنَ الْعَمَلِ فَيَجِدُ الْأَطْفَالَ يَلْعَبُونَ فِي الْفِنَاءِ تَحْتَ شَجَرَةِ التِّينِ… ؛ كَانَ يَجْلِسُ مَعَهُمْ، يُحَدِّثُهُمْ، يَلْعَبُ مَعَهُمْ … ؛لَكِنَّهُ حَتَّى فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ، كَانَ يُفَكِّرُ .
ذَاتَ مَسَاءٍ، جَاءَهُ ابْنُهُ حَسَّانُ وَهُوَ فِي السَّابِعَةِ وَسَأَلَهُ: بَابَا، مِنْ أَيْنَ يَأْتِي الْأَطْفَالُ ؟
نَظَرَ نُورِي إِلَى زوجته زَيْنَبَ الَّتِي كَادَتْ تَخْتَنِقُ مِنَ الضَّحِك… ؛ ثم قَالَ: يَا بُنَيَّ، هَذَا سُؤَالٌ كَبِيرٌ .
قَالَ حَسَّانُ: لَكِنَّ أَصْحَابِي يَقُولُونَ إِنَّ الْأَطْفَالَ يَأْتُونَ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ… ؛ كَيْفَ يَدْخُلُونَ إِلَى هُنَاكَ؟!
نَظَرَ نُورِي إِلَيْهِ وَتَذَكَّرَ نَفْسَهُ وَهُوَ فِي عُمْرِهِ، يَسْأَلُ أُمَّهُ نَفْسَ الْأَسْئِلَةِ… ؛ و قَالَ :
سَتَفْهَمُ حِينَ تَكْبَرُ يَا بُنَيَّ… ؛ الْآنَ الْعَبْ وَاسْتَمْتِعْ بِطُفُولَتِكَ .
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنْ نَامَ الْأَطْفَالُ، جَلَسَ نُورِي يُفَكِّرُ… ؛ أَدْرَكَ أَنَّهُ أَنْجَبَ خَمْسَةَ أَطْفَالٍ، أَيْ أَنَّهُ قَذَفَ الْمَنِيَّ خَمْسَ مَرَّاتٍ عَلَى الْأَقَلِّ فِي رَحِمِ زَيْنَبَ… ؛ وَكَمْ مَرَّةً قَذَفَهُ فِي الْحَمَّامِ وَعَلَى الْأَرْضِ وَفِي الْمَغْسَلَةِ؟ آلَافُ الْمَرَّاتِ… ؛ آلَافُ الْأَطْفَالِ الْمُحْتَمَلِينَ ضَاعُوا هَكَذَا …!!
ثم قَالَ لِنَفْسِهِ: الْمَنِيُّ الَّذِي ضَاعَ يُمْكِنُ أَنْ يَخْلُقَ جيلاً كَامِلاً… ؛ أَيْنَ ذَهَبَ كُلُّ هَؤُلَاءِ الْبَشَرِ الْمُحْتَمَلِينَ؟! هَلْ هُمْ فِي جَهَنَّمَ يَنْتَظِرُونَ أَنْ يُخْلَقُوا؟! أَمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئاً قَطُّ؟!
كَانَ هَذَا السُّؤَالُ يُطَارِدُهُ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ .
(39) سَنَوَاتُ الضَّيَاع: نِسَاءٌ كَثِيرَاتٌ وَلَا امْرَأَة
في الوظيفة وخلال تجواله في مركز المحافظة ؛ تعرف على الكثير من النساء وبائعات الهوى ؛ وَفِي أَثْنَاءِ هَذِهِ السِّنِينَ، كَانَ يُقِيمُ عَلَاقَاتٍ عَابِرَةً مَعَ نِسَاءٍ أُخَر… ؛ كَانَ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ مَا فِي أَجْسَادِهِنَّ… ؛ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْقَادِمَةَ رُبَّمَا تَكُونُ هِيَ الْمِفْتَاح… ؛ لَكِنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ كَانَتْ تَتْرُكُهُ أَكْثَرَ حَيْرَةً .
تَذَكَّرَ امْرَأَةً الْتَقَاهَا فِي إِحْدَى السَّفَرَات… ؛ كَانَتْ فَتَاةً جَمِيلَةً جِدّاً، ذَاتَ عَيْنَيْنِ خَضْرَاوَيْنِ تَخْتَبِئُ فِيهِمَا بُحَيْرَتَا حُزْن… ؛ قَضَى مَعَهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً فِي فُنْدُقٍ صَغِير… ؛ كَانَ الْجِنْسُ مَعَهَا جَمِيلاً، لَكِنَّهُ فِي نِهَايَةِ اللَّيْلَةِ نَظَرَ إِلَيْهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ فَشَعَرَ أَنَّهَا غَرِيبَةٌ عَنْهُ تَمَاماً… ؛ شَعَرَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُهَا، وَأَنَّهَا لَا تَعْرِفُهُ، وَأَنَّ مَا حَدَثَ بَيْنَهُمَا كَانَ مُجَرَّدَ الْتِقَاءِ جَسَدَيْنِ فِي فَرَاغٍ كَوْنِيٍّ لَا مَعْنَى لَهُ … ؛وَفِي الصَّبَاح، غَادَرَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَيْقِظَ… ؛ تَرَكَ لَهَا رِسَالَةً قَصِيرَةً كَتَبَ فِيهَا: لَسْتُ أَنَا مَنْ تَظُنِّينَ… ؛ أَنَا لَسْتُ أَحَداً… , أَسَفاً .
(40) الْحِصَارُ وَالْجُوعُ والعوز
في الايام الطويلة للحصار الجائر ؛صَارَتِ الْأَشْيَاءُ نَادِرَةً كَالْمَطَرِ فِي الصَّحْرَاء… ؛ و كَانَ نُورِي كبقية العراقيين يَقِفُ فِي طُوبٍ طَوِيلٍ أَمَامَ المستشفى للحصول على أودية الامراض المزمنة ؛ فقد اصيب امه بداء السكري وارتفاع الضغط وانسداد الشرايين وضعف القلب … ؛ في تلك الايام السوداء وفي ذلك الزمن الاغبر … ؛ كَانَتِ النِّسَاءُ العراقيات يَتَضَارَبْنَ عَلَى أكياس الطَّحِينِ الْحُكُومِيِّ الرديء ، وَكَانَتِ الْأُمَّهَاتُ يُخْفِينَ بَعْضَ الْأَكْلِ لِأَطْفَالِهِنَّ وَيَأْكُلْنَ هُنَّ فتات الموائد البائسة .
ذَاتَ يَوْمٍ، بَيْنَمَا كَانَ نوري وَاقِفاً فِي الطَّابُورِ، رَأَى امْرَأَةً تَبِيعُ كليتها بحجة التبرع لتاجر ثري … !!
وَقَفَ يَنْظُرُ إِلَى الْمَنْظَرِ وَهُوَ حائر … ؛ رَأَى المرأة حزينة وَهِيَ تُجَرُّ إِلَى سَيَّارَةٍ فَاخِرَة، وَرَأَى الْأُمَّ – أم المرأة التي باعت كليتها – تَلْعَنُ الْحَيَاةَ وَتَلْعَنُ نَفْسَهَا… ؛ ثم قَالَ فِي نَفْسِهِ: هَلْ سَأَفْعَلُ مِثْلَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ لَوِ اضْطُرِرْتُ؟
هَلْ سَأَبِيعُ جُزْءاً مِنِّي لِأَنْقُذَ الْبَاقِي؟!
كَانَتْ زَيْنَبُ تُعَانِي كَثِيراً… ؛ كَانَتْ تُرْضِعُ نوال (ابْنَتَهُمُ الثَّانِيَة) بِلَبَنٍ ضَعِيفٍ مِنْ ثَدْيَيْهَا النَّاحِلَيْنِ… ؛ كَانَتْ تَبْكِي فِي اللَّيْلِ حِينَ تَظُنُّ أَنَّ نُورِيَ نَائِم، وَكَانَ نُورِي يَسْمَعُ بُكَاءَهَا وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئاً .
فِي إِحْدَى اللَّيَالِي، بَيْنَمَا كَانَتْ تَبْكِي، اقْتَرَبَ مِنْهَا وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِهَا… ؛ و قَالَ :لَا تَبْكِي يَا زَيْنَب… , سَتَمُرُّ هَذِهِ الْأَيَّامُ .
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْنِ حَزِينَتَيْن: وَكَيْفَ تَمُرُّ؟ وَالْجُوعُ يَأْكُلُنَا، وَالْحَرْبُ تَأْكُلُ أَطْفَالَ الْجِيرَان، وَالْمَوْتُ فِي كُلِّ مَكَان؟!
لَمْ يَعْرِفْ نُورِي كَيْفَ يُجِيبُ… ؛ لَكِنَّهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، شَعَرَ أَنَّ زَيْنَبَ أَكْثَرُ حَضُوراً مِنْهُ فِي الْحَيَاة… ؛ إِنَّهَا تُعَانِي بِكُلِّ جَسَدِهَا، بَيْنَمَا هُوَ يُعَانِي بِعَقْلِهِ فَقَط… ؛ ثم قَالَ لِنَفْسِهِ: رُبَّمَا الْحَيَاةُ لَا تُعَانَى بِالْعَقْلِ، بَلْ بِالْجَسَدِ… ؛ رُبَّمَا أَنَا مُخْطِئٌ فِي طَرِيقَتِي … ؛لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُغَيِّرَ طَرِيقَتَهُ .
(41) العلاقات الإنسانية والعاطفية والجنسية واستمرارالصراع الداخلي
مع مرور الوقت، كوّن نوري بعض الصداقات والعلاقات الإنسانية والعلاقات الغرامية والجنسية ، لكنه ظل يشعر بالاغتراب أكثر من أي وقت مضى… ؛ ففي كل تجربة، وكل لقاء … ؛ كان يتركه يشعر بأنه سجين داخليًا، عاجز عن الانصهار مع العالم، عاجز عن فهم نفسه … ؛ كان ينظر إلى العالم بعينين لا تشبهان أي شخص آخر، كأنهما مرآتان تعكسان ظلّه الداخلي المضطرب .
حتى الزواج والأبوة لم يملأا الفراغ… ؛ كان يشعر أن حياته اليومية عبارة عن سلسلة من الروتين: العمل، البيت، الأبناء، المدينة، الضجيج، ثم العودة إلى الغرفة في القرية النائية حيث صمت الجدران يصرخ في وجهه أكثر من أي صوت خارجي … ؛ وكان يتساءل دائمًا: هل أنا مجرد جسد يتنفس؟ أم أنني كائن أعمق يتصارع مع ذاته ؟!
الحمام في البيت كان المكان الوحيد الذي يجد فيه بعض الخصوصية… ؛ كان يقف أمام المرآة، ينظر إلى انعكاسه، ويتساءل عن كل الاختيارات التي اتخذها، عن كل لحظة فرح أو ألم، عن كل خطوة قادته إلى هذا الشعور بالغربة العميقة … ؛لم يعد يرى نفسه فقط، بل يرى كل المراهقين الذين لم يتمكنوا من العيش بحرية، كل الصبيان الذين صمتوا خوفًا، وكل الرجال الذين زُجّ بهم في أدوار لم يختاروها … .
وبين الألم والغربة، بدأ يكتشف شيئًا مفاجئًا: لم يكن العذاب الذي يشعر به ناتجًا عن الرغبة أو الخطيئة، بل عن الوعي بحقيقة وجوده… ؛ كل تلك الرغبات، كل تلك التفاعلات والصراعات النفسية ، كانت محاولات لإلهاء النفس عن شيء أكبر: الوعي بالفراغ الوجودي الداخلي، بمدى هشاشة كل ما بناه المجتمع والأسرة والجسد .
ثم أدرك نوري : ان الإنسان ليس مجرد جسد، وليس مجرد عقل، بل حقول متقاطعة من الصراعات والخيارات والموروثات والمكبوتات… ؛ وكل محاولة لفهم نفسه أو العالم هي محاولات لا تنتهي، محاولات تصنع من الإنسان ظلّه الدائم والتائه .
ثم ابتسم ابتسامة باهتة، وعرف شيئًا لم يكن ليعرفه إلا بعد كل تلك السنوات: الاغتراب هو جزء من كينونته، والفلسفة ليست إجابة بل مرآة، كلما حاول أن يملأ الفراغ، كلما اكتشفه أعمق .
خرج من غرفته، سار في دروب القرية الهادئة، ورائحة التراب بعد المطر تملأ أنفه… ؛ شعر بالوحدة المطلقة، لكنها لم تعد مرعبة… ؛ كان يعرف أن كل البشر يسيرون في هذا الظل، وأن كل صراع داخلي هو مرآة لوجودهم … ؛هكذا، ظل نوري يمشي بين الفراغ والوعي، بين الغياب والوجود،بين الحلم والواقع ؛ حتى النهاية، التي لم تأتي بعد … .
لكن الذي يعرفه الآن: الوجود ذاته رحلة لا تنتهي، والإنسان مجرد مسافر في نهر لا يعرف مصبه .
(42) الْحَرْبُ: جُثَثٌ كَثِيرَةٌ من غير قصاص او ثأر او عزاء
جَاءَتْ حَرْبُ الْخَلِيج الثانية ، ثُمَّ الِاجْتِيَاح، ثُمَّ الِاحْتِلَال… ؛ رَأَى نُورِي الْكَثِيرَ مِنَ الْمَوْتِ فِي تِلْكَ الاحداث والسنين اللاحقة … ؛ رَأَى جُثَثاً فِي الشَّوَارِع، أَطْفَالاً يَمُوتُونَ بالامراض السرطانية ، نِسَاءً يُغْتَصَبْنَ بسبب العوز والاغواء والغدر … ؛ وشاهد السيارات المفخخة وهي تنفجر وسط جموع الناس وقرب مدارس الاطفال واماكن العبادة … الخ .
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَرَى جُثَّةً، كَانَ يَتَذَكَّرُ أَبَاهُ… ؛ وَكَانَ يَتَذَكَّرُ الْمَرْأَةَ فِي النَّهْر… ؛ وَكَانَ يَتَذَكَّرُ نَدَى وساهرة … ؛ وَكَانَ يَتَذَكَّرُ كُلَّ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي عَرَفَهُنَّ… ؛ و وَكَانَ يَتَسَاءَلُ: هَلْ كَانَ لِهَؤُلَاءِ النَّاسِ أَرْوَاحٌ حَقّاً؟
هَلْ كَانُوا مَوْجُودِينَ مِثْلَمَا أَنَا مَوْجُودٌ – أَوْ غَيْرُ مَوْجُودٍ؟!
ذَاتَ يَوْمٍ، أَثْنَاءَ اجْتِيَازِهِ لِحَاجِزٍ أَمْنِيٍّ فِي بَغْدَاد، رَأَى جُنْدِيّاً أَمْرِيكِيّاً يَبُولُ عَلَى جُثَّةِ عِرَاقِيٍّ قَتَلَهُ قَبْلَ دَقَائِق… ؛ نَظَرَ إِلَى ذَلِكَ الْمَنْظَرِ بِعُيُونٍ جَامِدَة… ؛ وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، تَذَكَّرَ الْمَنِيَّ… ؛ و قَالَ فِي نَفْسِهِ: “الْبَوْلُ وَالْمَنِيُّ سَائِلَانِ يَخْرُجَانِ مِنَ الْجَسَد… ؛ لَكِنَّ أَحَدَهُمَا يُعْطِي الْحَيَاة، وَالْآخَرُ يَطْرُدُهَا… ؛ كِلَاهُمَا سَائِل، لَكِنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي الْمَعْنَى… ؛ كَذَلِكَ النَّاسُ: كُلُّهُمْ لَحْمٌ وَدَم، لَكِنَّ بَعْضَهُمْ يَمُوتُونَ كَالْأَبْطَالِ وَبَعْضَهُمْ يَمُوتُونَ كَالْقُمَامَة …؛ ثم شعر باستياء شديد كاد ان يخنقه ؛ و ود ان يقتل الامريكان حينها كلهم وعن بكرة ابيهم .
كَانَ ذَلِكَ التَّفْكِيرُ قَاسِياً، لَكِنَّهُ كَانَ تَفْكِيرَ رَجُلٍ عَاشَ الْحَرْبَ وَعَاشَ الْفَقْد وَعَاشَ الْغُرْبَة وعاش اهانة الهوية الوطنية وتغييبها .
الا ان نوري كان يرى ان اسقاط النظام البعثي الصدامي الاجرامي الهجين يستحق كل هذه التضحيات الجسام ؛ وكان يقول وامام الجميع وفي مختلف المناسبات الاجتماعية : الف مفخخة ولا صدام واحد .
(43) تداعيات واثار العملية السياسية الجديدة واسقاط النظام الصدامي
لم يكن نوري يقرأ التاريخ بوصفه سرداً للأحداث، بل كان يعيشه كرجفةٍ في الجسد، كارتعاشةٍ خفيةٍ في الروح لا تهدأ. كان عام 2003، بالنسبة له، أشبه بزلزالٍ داخليٍّ قبل أن يكون تحوّلاً في خرائط السياسة… ؛ شيءٌ ما انكسر في الأعماق، وشيءٌ آخر وُلد، مرتبكاً، حائراً، لكنه حيّ .
لم يكن سقوط الطاغية مجرد نهاية، بل بداية مربكة… , شعر نوري، كما لو أنه أُخرج فجأةً من جرّةٍ معتمةٍ ظلّ حبيسها سنوات طويلة… , الضوء الذي استقبله لم يكن رحيماً تماماً؛ كان ساطعاً حدّ الإيلام، كأن الشمس نفسها تستجوبه: كيف عشت كل هذا الزمن في العتمة؟ ولماذا؟
في تلك الأيام، كان يمشي في شوارع بغداد كمن يتعلم السير من جديد… ؛ الوجوه متوترة، الضحكات قصيرة، والحرية…؛ تلك الكلمة التي طالما همس بها في داخله، صارت فجأةً عالية الصوت، فوضوية، لا تشبه الأحلام التي خبأها تحت وسادته في سبعينيات طفولته ولا في ليالي الحصار القاسية في التسعينيات .
تذكّر نوري كيف كان الوطن يُقسّم بصمتٍ جارح، كيف كانت الكرامة تُقاس بمدى القرب من مركزٍ غامضٍ للسلطة، وكيف تحوّل الانتماء إلى عبءٍ خفيٍّ يحمله المرء في داخله كجرحٍ لا يُرى… ؛ لم يكن الفقر وحده ما ينهشهم، بل ذلك الشعور الخفي بالدونية، كأنهم يعيشون على هامش بلدٍ هو بلدهم .
وحين سقط كل شيء، لم يكن السقوط خفيفاً… ؛ كان أشبه بانفجارٍ داخليٍّ هائل… ؛ خرج الناس من صمتهم كما تخرج المياه من سدٍّ مكسور؛ بعضهم اندفع نحو البناء، نحو الحياة، نحو الاستهلاك بشغفٍ يكاد يكون انتقاماً من سنوات الحرمان، وبعضهم تاه في متاهاتٍ ضيقة، في هوياتٍ خائفة، تبحث عن ملجأٍ ولو في الخراب .
أما نوري، فقد كان يقف في المنتصف… , لا هو قادر على الانغماس الكامل في النشوة، ولا هو راغب في الاستسلام للفوضى… , كان يحمل داخله تاريخاً طويلاً من الكبت، من الوحدة، من تلك العادة السرية التي صارت، عبر العقود، ملاذه الصامت، وطريقته الوحيدة لفهم جسده في عالمٍ كان يجرّم حتى الخيال… , الآن، وقد انفتحت الأبواب، لم يعرف ماذا يفعل بكل هذا الاتساع … !
تغيّرت الحياة بسرعةٍ أربكته… , رواتب تتضاعف، سيارات حديثة تملأ الشوارع، بيوت تُبنى حيث كانت الأطلال، وقنوات فضائية تتدفق بلا نهاية، كأن العالم كله قرر أن يدخل دفعةً واحدة إلى غرف العراقيين الضيقة… ؛ لأول مرة، شعر نوري أن بإمكانه أن يختار، أن يقول، أن يرفض… ؛ لكن هذا “الإمكان” نفسه كان ثقيلاً، كمسؤوليةٍ لم يتدرّب عليها .
ومع كل ذلك، كان ثمة ظلٌّ لا يفارقه… , انفجارات، أخبار موت، وجوهٌ تختفي فجأة… . كان يرى الحياة تنمو بيد، وتُذبح باليد الأخرى… , الإرهاب لم يكن خبراً بالنسبة له، بل صوتاً قريباً، رجفة زجاج، ورائحة بارودٍ تتسلل إلى ذاكرته كما تسللت إليه الوحدة من قبل .
في إحدى الليالي، جلس نوري وحيداً، كما اعتاد دائماً، لكن وحدته هذه المرة كانت مختلفة… ؛ لم تعد مجرد عزلة جسد، بل عزلة زمن… , شعر أنه عاش حياتين لا واحدة: حياة في القمع، وأخرى في الفوضى. وبينهما، ضاع شيءٌ لا يعرف اسمه .
ومع ذلك، ووسط كل هذا التناقض، تشكّلت داخله قناعةٌ بطيئة، صلبة، كأنها تنحت نفسها في صخر روحه: لا عودة إلى الوراء… ؛ مهما كان هذا الواقع مشوهاً، ناقصاً، متعباً… ؛ فهو أفضل من القبر الذي خرجوا منه… ؛ لم يكن يدافع عن سلطة، ولا عن فكرةٍ جاهزة، بل عن فرصة .. ؛ فرصة أن يتغيّر كل شيء، حتى لو كان الطريق مليئاً بالدم .
كان يعرف أن المعركة لم تعد مع طاغيةٍ واحد، بل مع ظلالٍ كثيرة: خوف قديم، كراهية متوارثة، وذاكرة مثقلة بالخذلان… ؛ ومع ذلك، ظلّ متمسكاً بخيطٍ رفيع من الأمل، كأنما يقول لنفسه: ربما لا تُشفى البلاد سريعاً، لكن يكفي أنها بدأت تتنفس .
وهكذا، عاش نوري تلك السنوات كمن يسير على حافة عالمين، لا ينتمي تماماً لأيٍّ منهما… ؛ لكنه، رغم كل شيء، لم يتوقف عن البحث عن معنى، عن توازن، عن حياةٍ تشبهه أكثر مما تشبه الخراب الذي وُلد فيه … .
(44) الِاكْتِشَافُ الْكَبِيرُ والادراك المتأخر
فِي إِحْدَى اللَّيَالِي الْهَادِئَةِ مِنْ سنوات العقد الاول من القرن الواحد والعشرين و بَعْدَ أَنْ سَكَنَتِ الْحَرْبُ الاهلية قَلِيلاً … ؛ عَادَ نُورِي من الدائرة الحكومية إِلَى بَيْتِهِ فِي الْقَرْيَةِ، ثم جَلَسَ وَحْدَهُ تَحْتَ شَجَرَةِ التِّينِ… ؛ كَانَ قَدْ بَلَغَ الثالثة والْأَرْبَعِينَ… ؛ نَظَرَ إِلَى سَمَاءِ اللَّيْلِ الْمُرَصَّعَةِ بِالنُّجُومِ، وَتَذَكَّرَ كُلَّ شَيْءٍ: الْمَرْأَةَ فِي النَّهْرِ، ساهرة، نَدَى، زَيْنَبَ، أَطْفَالَهُ، أَبَاهُ الْمَيِّتَ، الْحُرُوبَ، الْحِصَارَ، مَوْتَ الْجِيرَانِ، دِمَاءَ الشُّهَدَاءِ … الخ .
نَظَرَ نُورِي إِلَى يَدَيْهِ… ؛ تَأَمَّلَ الْأَوْعِيَةَ الدَّمَوِيَّةَ الزَّرْقَاءَ الَّتِي تَظْهَرُ تَحْتَ الْجِلْدِ الرَّقِيق… ؛ تَذَكَّرَ كَمْ مَرَّةً اسْتَعْمَلَ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ فِي تِلْكَ الْعَادَةِ الْقَدِيمَة … ؛ وَفَجْأَةً، كَالصَّاعِقَةِ، انْفَجَرَتِ الْحَقِيقَةُ فِي رَأْسِهِ : أما لَمْ أَكُنْ أَبْحَثُ عَنِ النساء ؛وَلَمْ أَكُنْ أَبْحَثُ عَنِ اللَّذَّة… ؛ وَلَمْ أَكُنْ أَبْحَثُ عَنِ الْإِثَارَة… ؛ كُلُّ مَا كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْهُ طَوَالَ هَذِهِ السِّنِينَ هُوَ أَنْ أَلْتَقِيَ بِنَفْسِي .
نَعَم ؛ كَانَتِ الْعَادَةُ السِّرِّيَّةُ فِي جَوْهَرِهَا مُحَاوَلَةً لِلِالْتِقَاءِ بِالذَّات… ؛ ففي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يُخْرِجُ الْمَنِيَّ مِنْ جَسَدِهِ، كَانَ يَأْمُلُ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ خَارِجَهُ… ؛ كَانَ يَأْمُلُ أَنْ يَنْقَسِمَ إِلَى اثْنَيْنِ: وَاحِدٍ يُخْرِجُ، وَآخَرَ يُشَاهِدُ… ؛ وَأَنْ يَلْتَقِيَ الِاثْنَانِ فِي لَحْظَةٍ مَا …!!
فِي لَحْظَةِ الْقَذْف، كَانَ جُزْءٌ مِنْهُ يَخْرُجُ إِلَى الْعَالَم، وَكَانَ هُوَ يُرَاقِبُ ذَلِكَ الْجُزْءَ وَهُوَ يَخْرُج… ؛ كَانَ يَتَشَظَّى إِلَى قِطْعَتَيْن: قِطْعَةٌ تَخْرُجُ وَقِطْعَةٌ تَبْقَى… ؛ وَكَانَ يَأْمَلُ أَنَّ الْقِطْعَةَ الْخَارِجَةَ رُبَّمَا تَعُودُ يَوْماً، أَوْ رُبَّمَا تَلْتَقِي بِهِ فِي عَالَمٍ آخَر …!!
لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ الْقَاسِيَةَ هِيَ: لَا يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَلْتَقِيَ بِنَفْسِهِ أَبَداً… ؛ فالذَّاتُ لَيْسَتْ شَيْئاً يُمْكِنُ الْإِمْسَاكُ بِهِ… ؛ الذَّاتُ هِيَ الَّتِي تُمْسِك، لَا الَّتِي تُمْسَك… ؛ إِنَّهَا الْيَدُ الَّتِي تَلْمُسُ، وَلَا يُمْكِنُ لِلْيَدِ أَنْ تَلْمُسَ نَفْسَهَا .
وَأَدْرَكَ نُورِي أَنَّهُ قَضَى عُمْرَهُ كُلَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَفْعَلَ الْمُسْتَحِيل: أَنْ يَرَى عَيْنَهُ، أَنْ يَلْمُسَ يَدَهُ، أَنْ يَلْتَقِيَ بِنَفْسِهِ … .
ثم دَفَنَ نُورِي وَجْهَهُ فِي كَفَّيْهِ وَبَكَى كثيرا وحده … , بَكَى بُكَاءً حَقِيقِيّاً ؛ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهِ، بَكَى بِكُلِّ جَسَدِهِ… ؛ بَكَى عَلَى سِنِينَ ضَائِعَةٍ قَضَاهَا يُلَاحِقُ سَرَاباً… ؛ بَكَى عَلَى نِسَاءٍ كَثِيرَاتٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُحِبَّهُنَّ حَقّاً… ؛ بَكَى عَلَى أَطْفَالٍ أَنْجَبَهُمْ وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ بِكُلِّهِ… ؛ بَكَى عَلَى أَبِيهِ الَّذِي مَاتَ صَامِتاً… ؛ بَكَى عَلَى نَفْسِهِ الضَّائِعَةِ فِي مَتَاهَةِ الْجَسَدِ .
والعجيب ان نوري ؛ في كل أدراك يزداد ضياعا , وفي كل معرفة يزداد جهلا , وطالما تتبعثر معلوماته في دوامة تساؤلاته وتشكيكاته واشكالياته ؛ فيعود بعد تجربة ومعرفة بخفي حنين , وكأن شيئا لم يكن …!!
(45) مُنْتَصَفُ الْعُمْرِ: الْفَرَاغُ يَزْدَادُ اتِّسَاعاً
وانصرمت الاعوام , وبَلَغَ نُورِي الْخَمْسِين… ؛ كَانَ أَطْفَالُهُ قَدْ كَبِرُوا وَتَزَوَّجُوا وَتَفَرَّقُوا … ؛ فقد تزوج حسان وسافر الى الخارج مع زوجته بحثا عن عمل ومستقبل أفضل , وتزوج اخيه الاصغر منه حيدر وسافر للعمل في الامارات مع صديقه التاجر محمد الرفاعي , وتزوج الاصغر منهما علي وهاجر الى بغداد بسبب وظيفته في وزارة الخارجية … ؛ وكذلك تزوجت مريم من زيدان أبن خالتها وسكنا في بغداد ؛ و بَقِيَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ زينب وَابْنَتُهُمَا الصُّغْرَى نوال فِي بَيْتٍ كَبِيرٍ يَئِنُّ بِالْفَرَاغ… ؛ نعم ,كَانَ الْبَيْتُ الْكَبِيرُ يَئِنُّ بِالْفَرَاغ… ؛ و كَانَ نُورِي يَجْلِسُ فِي الْفِنَاءِ سَاعَاتٍ، يُحَدِّقُ فِي شَجَرَةِ التِّينِ الْعَجُوزِ الَّتِي لَمْ تَعُدْ تُثْمِرُ كَثِيراً… ؛ و كَانَتْ زَيْنَبُ تَجْلِسُ بِجَانِبِهِ أَحْيَاناً، تَخِيطُ أَوْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ بِصَوْتٍ خَافِت… ؛ و كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِبِعُيُونٍ حَزِينَة، تَتَسَاءَلُ فِي سِرِّهَا: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي عِشْتُ مَعَهُ كُلَّ هَذِهِ السِّنِينَ … ؛ هَلْ عَرَفْتُهُ يَوْماً؟ لَا أَشْعُرُ أَنِّي أَعْرِفُهُ ؟!
كَانَ نُورِي مَازَالَ يُمَارِسُ الْعَادَةَ السِّرِّيَّة… ؛ صَارَتْ أَقَلَّ تَكَرُّراً، لَكِنَّهَا كَانَتْ أَعْمَقَ غَرَابَةً… ؛ كَانَ يَفْعَلُهَا في الشهر مرة واحيانا أكثر , وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي الْمِرْآة… ؛ كَانَ يُرَاقِبُ وَجْهَهُ وَهُوَ يَقْذِف، وَيَرَى التَّجَاعِيدَ تَزْدَادُ حَوْلَ عَيْنَيْهِ، وَالشَّعْرَ الْأَبْيَضَ يَنْتَشِرُ فِي لِحْيَتِهِ … !!
وَفِي إِحْدَى تِلْكَ الْمَرَّات، حَدَثَ شَيْءٌ غَرِيب… ؛ نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ فَرَأَى وَجْهاً آخَر… ؛ لَمْ يَكُنْ وَجْهَهُ… ؛ كَانَ وَجْهاً أَكْبَرَ سِنّاً، أَكْثَرَ تَجَاعِيد، بِعُيُونٍ غَائِرَةٍ كَأَنَّهَا تَنْظُرُ مِنْ قَبْر… ؛ نَظَرَ خَلْفَهُ فَلَمْ يَجِدْ أَحَداً… ؛ عَادَ إِلَى الْمِرْآةِ فَلَمْ يَرَ إِلَّا وَجْهَهُ الْعَادِي … ؛لَكِنَّهُ مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَصْبَحَ يَشْعُرُ أَنَّ هُنَاكَ آخَرَ يَسْكُنُهُ… ؛ شَيْئاً مَا، رُوحاً أُخْرَى، ذَاتاً بَدِيلَةً تَنْتَظِرُ الْفُرْصَةَ لِتَظْهَر ؛ كَانَ يُشَبِّهُ نَفْسَهُ بِشَمْعَةٍ تَحْتَرِقُ بِبُطْءٍ فِي غُرْفَةٍ مُظْلِمَة…!!
صحوة حقيقية أخرى (46)
في احد الايام ذهبت زوجته وبمعية امه فاطمة وبنته نوال الى اهلها للمبيت هناك … ؛ وجد نوري نفسَه وحيداً في البيت الكبير… ؛ شعر برغبةٍ عارمةٍ في ممارسةِ العادةِ السريةِ كما لم يشعر من قبل… ؛ لكن هذه المرة، كان الأمر مختلفاً ؛ فقد بلغ السابعة والخميس من عمره …!!
دخل الحمام… ؛ وقف أمام المرآة كالعادة … ؛ نظر إلى وجهه: شاحب، منهك، عينان غائرتان، تجاعيدُ مبكرة… ؛ تأمل عضوه المرتخي كأنه قماشة مبللة … ؛ ثم بدأ يمارس العادةَ بصعوبة وهو ينظر إلى نفسه في المرآة … !!
كان يمارسها وهو يحدق في عينيه… ؛ كان يمارسها وهو يتخيل أنه يجامع نفسه، أنه يدخل في جسده الآخر، أنه يتحد مع صورته … ؛ وفجأة، بينما كان على وشك القذف، رأى في المرآة وجهاً آخر… ؛ ليس وجهه، بل وجهاً غريباً: شيخاً عجوزاً بشعرٍ أبيضَ وعيونٍ زائغة… ؛ نظر خلفه فلم يجد أحداً… ؛ عاد لينظر في المرآة فإذا الوجهُ الغريبُ يبتسم له ابتسامةً عريضةً كأنها جرح …!!
صرخ نوري … ؛ لكن الصرخةَ لم تخرج… ؛ شعر بيدٍ باردةٍ تلمس كتفه من الخلف… ؛ استدار فلم يجد شيئاً… ؛ عاد إلى المرآة فرأى ذلك الوجهَ يقترب منه داخلَ الزجاج، حتى كاد يلتصق بوجهه الحقيقي …!!
حاول أن يبتعد لكنه لم يستطع. جسده تجمد في مكانه… ؛ كان عضوه لا يزال مرتخياً منتصبا بالاسم فقط ، ويده لا تزال تفركه بصعوبة بالغة … ؛ وشعر للحظةٍ أن المنيَّ الذي سيخرج منه لن يكون منياً عادياً، بل سيكون روحَه كلَّها ؛ أو بقية ( وشالة ) العمر .
قذف ؛ لكنه لم يقذف منيا ؛ بل سائلا قليلا متقطعا خفيفا أشبه بالمني …!!
تأمل تلك الأصابع التي طالما ربت على أجساد ورؤوس أطفاله، والتي كتبت بها الكثير من الكلمات، والتي لم تفارق عضوه الذكري منذ المراهقة… ؛ وهناك، في تلك اللحظة من الصفاء الذهني والوحدة ، أدرك الحقيقة الصادمة التي تقف امامه بين الحين والاخر : (( لم يكن مدمناً على الجسد، بل كان مدمناً على ذاته )) .
كان كل ما فعله طوال هذه السنوات مجرد محاولة يائسة لملامسة كينونته… ؛ ففي لحظة القذف، كان يشعر للحظات أنه موجود، أنه حي، أنه يشعر بشيء ما في عالم يموج بالفراغ والموت… ؛ كان العضو الذكري ليس إلا مرآة يطل منها على ذاته ورجولته .
تذكر نوري فجأة حلمه القديم: تلك المرأة التي رآها في منام المراهقة، ذلك الجسد المترهل الذي التصق به… ؛ أدرك الآن أنها لم تكن امرأة عادية… ؛ لقد كانت استعارة لكل النساء اللواتي سيعرفهن في حياته، لكنها في العمق كانت تمثيلاً لشيء آخر: كانت تمثيلاً للوطن نفسه … ؛ الوطن الجريح، الوطن المترهل، الوطن الذي يبدو كجسد عجوز لم تعد تفرق فيه الملامح…!!
كان في احتلامه الأول يلامس ليس فقط امرأة، بل كان يلامس العراق… ؛ كان جسده الناعم الطري يلتحم بجسد الوطن المتعب، وكأن تلك اللحظة كانت نبوءة لما سيكون عليه حياته كلها: بحث دائم عن الاتحاد بشيء أكبر منه، عن الانغراز في شيء يمنحه الإحساس بالوجود .
نعم، أدرك نوري أنه طوال حياته كان يبحث عن ذاته الفردانية وهويته الجمعية في المرايا… ؛ في سواعد وافخاذ النساء، في أحضان العاهرات وفروج بائعات الهوى ، في شاشات الأفلام الإباحية، وفي خياله الجامح… ؛ لكنه كان في كل مرة يمسك بسراب… ؛ لأنه، كما قال بعض الفلاسفة : أنا لا أرى نفسي أبداً، أنا لا ألمس نفسي أبداً… .
(47) وفاة زينب والاحالة على التقاعد
مرت سنوات أخرى وتزوجت بنته نوال من أبن عمها حسين … ؛ ثم اصيبت زينب بمرض السرطان ؛ ولم يمهله المرض سوى بضعة اشهر ؛ حتى وافاها الاجل … ؛ وجد نوري نفسه وحيدا مرة اخرى في البيت الكبير ؛ لا يسمع فيه سوى صرير الأبواب , وخرير الماء في الأنابيب القديمة , وحفيف الاشجار ؛ ولا يرى أحدا سوى امه التي بلغت من العمر عتيا .
ظل يمارس العادة السرية حتى وهو في الستين من عمره ؛ لكنه يفعلها في الشهر مرة واحيانا كل ثلاثة اشهر مرة واحدة ؛ كان يفعلها وكأنها طقس ديني لا يمكن الاستغناء عنه…!!
وبعد احالته على التقاعد ؛ صار يتردد على المقاهي الشعبية , وصار ينظر الى المدن والقرى التي يزورها ؛ وكأنها جروح قديمة انهكها النزيف الذي لا ينقطع … ؛ وصار يشعر أنه يستطيع سماع دقات قلوب الناس وهم يحلمون… ؛ وتذكر أنهم جميعاً، مثله، يبحثون عن ذواتهم في المتاهات والرغبات والشهوات والنزوات والصراعات … .
ينظر إليه الناس كرجلٍ طبيعي، كأي رجلٍ آخر في القرية أو المدينة ؛ لكن الحقيقة كانت مختلفة , في أعماقه كان يعيش حرباً صامتة , حرباً بين الرجل الذي يريد أن يكونه ؛ والصبي الذي ضاع في ممرات المراهقة ولم يجد طريق العودة … .
كان يكتشف شيئاً مرعباً : أن الإنسان قد يكبر جسده، لكن بعض أجزاء روحه تبقى عالقة في الزمن الماضي ؛ فالإنسان لا يتحرر بسهولة من الأشياء التي تشكل وعيه في بداياته … ؛ كان يجلس أحياناً وحده في الليل، يفكر في رحلته الطويلة منذ تلك القرية الصغيرة حتى هذه اللحظة … .
ويتساءل : هل كانت المشكلة في الجسد … ؛ أم في المجتمع الذي يخاف من الاعتراف بوجوده؟
أم في الإنسان نفسه، الذي يحمل داخله تناقضاً أزلياً بين العقل والرغبة؟
وفي تلك اللحظات كان يشعر أن حياته كلها ليست سوى محاولة لفهم سؤالٍ واحد :
كيف يمكن لكائنٍ صغير مثل الإنسان … ؛ أن يحمل داخله كل هذا الصراع؟!
يتأمل قليلا , ثم يجيب نفسه , قائلا :
ربما لأن الإنسان ليس كائناً بسيطاً كما نظن … ؛إنه حقل معركةٍ صامت، بل انه ملحمة كبيرة تتصارع فيها جيوش جرارة … ؛ وكذلك تتصارع فيه الغريزة والوعي، والبراءة والخطيئة، والذكاء والبلاهة , والعلم والجهل , واليقين والوهم , والحلم والواقع … ؛وفي نهاية المطاف، لا ينتصر أحد , بل يستمر الصراع حتى آخر نبضة في القلب …!!
بعد هذا الحوار توقف نوري عن ممارسة العادة السرية , لمدة ستة اشهر متواصلة …!!
وصَارَ أَكْثَرَ هُدُوءً، أَكْثَرَ تَقَبُّلاً عاش نوري بعد هذا الحوار الذاتي ستة شهور هادئة ؛ لِلْفَرَاغ … ؛ عاش بلا رغبات كبيرة أو نزوات طارئة , وبلا أسئلة مزعجة … ؛ كانَ يَجْلِسُ فِي حَدِيقَةِ الْبَيْتِ يُرَاقِبُ النَّخِيلَ وَهُوَ يَتَحَرَّكُ مَعَ الرِّيح… ؛ كَانَ يَتَذَكَّرُ كل الحوادث والوقائع , والشخصيات ويمر امامه شريط الموتى من الاهل والاقارب والجيران والاصدقاء والمعارف … ؛ عندها يشعر : أَنَّ الْغُرْبَةَ هِيَ الْحَقِيقَةُ الْوَحِيدَة , وأن الوحدة لا مفر منها ,وَأَنَّ الْوِصَالَ وَهْم …!!
(48) مريم تشتكي من خيانة زيدان
فِي إِحْدَى اللَّيَالِي، بَيْنَمَا كَانَ نُورِي جَالِساً وَحْدَهُ، سَمِعَ صَوْتَ ابْنَتِهِ مَرْيَمَ تَبْكِي فِي غُرْفَتِهَا عندما جاءت لزيارته والاطمئنان على جدتها فاطمة ايضا … ؛ اقْتَرَبَ مِنَ الْبَابِ وَسَمِعَهَا تَهْمِسُ فِي جهاز الموبايل مَعَ صَدِيقَتِهَا. كَانَتْ تَشْكُو مِنْ زوجها زيدان الذي خَانَهَا مع جارتها المتزوجة …!!
دَخَلَ إِلَيْهَا بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَتِ الْهَاتِفَ… ؛ ثم جَلَسَ بِجِوَارِهَا عَلَى السَّرِير , وقال : ما بك يا مريم ؟
نظرت اليه بِعَيْنَيْنِ مَدْمُوعَتَيْنِ… ؛ واجابت : لَا شَيْءَ يَا أَبِي .
نوري : لا تكذبي يا مريم , سمعتك تبكين … .
صمتت قليلا , ثم قالت : زيدان خانني مع جارتي … .
شَعَرَ نُورِي بِأَلَمٍ عَمِيقٍ فِي صَدْرِهِ… ؛ و تَذَكَّرَ كَمْ مَرَّةً خَانَ هُوَ نَفْسَهُ، وَكَمْ مَرَّةً خَانَ زوجته زينب … .
ثم قال : الاخلاص والبقاء على امرأة واحدة ؛ يَا بُنَيَّتِي شَيْءٌ صَعْبٌ … ؛النَّاسُ لَيْسُوا كَمَا نَتَخَيَّلُهُمْ… ؛ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَحْمِلُ عَالَمَهُ الخاص ؛ وغالبا ما نتصادم … .
نظرت اليه باستغراب وقالت :كَأَنَّكَ تَتَكَلَّمُ مِنْ تَجْرِبَةٍ يَا أَبِي ؟!
ضَحِكَ ضَحِكَةً خَفِيفَةً… ؛ لست من اصحاب التجارب الغرامية والعلاقات العاطفية كما تعلمين ؛ وَلَكِنَّ الْمُهِمَّ أَنْ تَتَعَلَّمِي مِنْ أَخْطَائِكِ، وَلَا تَدَعِي الْأَلَمَ يَكْسِرُكِ … .
ثم ضَمَّهَا إِلَيْهِ… ؛ و فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، شَعَرَ بِحُبٍّ نَقِيٍّ لَا يَخْتَلِطُ بِشَهْوَةٍ أَوْ رَغْبَةٍ… ؛ حُبُّ الْأَبِ لِابْنَتِهِ… ؛ وَتَسَاءَلَ لَوْ كَانَ قَادِراً عَلَى أَنْ يُحِبَّ النِّسَاءَ الْأُخَرَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الطاهرة النقية ؟!
(49) الوقوف أَمَامَ المِرْآة و القَذْفَةُ الأَخِيرَة
وفي إحدى الليالي، وبعد أن تأكد أن امه قد نامت ، وقف أمام مرآة غرفته… ؛ و نظر إلى وجهه… ؛ كان قد تغير كثيراً… ؛ و صار شاحباً، هزيلاً، عيناه غائرتان كأنهما حفرتان … ؛ وَقَفَ أَمَامَ الْمِرْآةِ الْمُعَلَّقَةِ فِي الْغرفة … ؛ كَانَ قَدْ بَلَغَ الخامسة وَالسِّتِّين… ؛ شَعْرُهُ أَبْيَضُ كَالْقُطْنِ، وَجْهُهُ مَجْعَدٌ كَخَرِيطَةِ بَلَدٍ قَدِيم… ؛ ثم نَظَرَ إِلَى عَيْنَيْهِ، تِلْكَ الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ رَأَتَا الْمَرْأَةَ فِي النَّهْرِ مُنْذُ نِصْفِ قَرْنٍ .
نزع سرواله الداخلي ؛ وأخرج قضيبه ؛ وبدأ يفركه ببطء ؛ وهو ينظر الى المرآة … ؛ كان ينظر إلى عينيه… ؛ إلى روحه … ؛ إلى ذلك الغريبِ الذي يسكنه … ؛وفي المرآة، رأى ذلك الوجهَ الغريبَ يعود… ؛ يقترب… ؛ يبتسم … ؛لم يخف هذه المرة نوري ولم يرتبك بل ابتسم له … ؛ وقال بصوتٍ خافتٍ لا يكاد يُسمع :
أهلاً بك… , لقد انتظرتك طويلاً… , أنت أنا، وأنا أنت… ؛ كنا نبحثُ عن بعضنا طوال هذه السنين .
ثم حاول جاهدا ايقاض عضوه الذكري النائم ؛ فقد كان مرتخيا منكمشا ضعيفا لا يقوى على الانتصاب مهما حاول نوري ؛ فلم تنفع الخيالات الجنسية واحلام اليقضة ولم ينفع الزيت والتدليك ؛ فكأنما يريد بث الروح في ميت …!!
وبَعْدَ اللتيا وَالّتي ؛ قذف ؛ قذفة تكاد تلحق بالعدم ؛ شعر بعدها بالدوار والصداع الشديد ؛ ثم تقيء , وسقط على الارض , مغشيا عليه … ؛ سَقَطَ عَلَى الْأَرْض… ؛ لَمْ يَمُتْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة… ؛ وَلَكِنَّهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ مَاتَ شَيْءٌ فِيهِ: الْأَمَلُ فِي اللِّقَاءِ، الْأَمَلُ فِي الِاتِّحَادِ، الْأَمَلُ فِي أَنْ يَكُونَ كَامِلاً يَوْماً مَا … .
(50) وفاة نوري في المستشفى
جاءت امه فاطمة وهي تمشي الهوينا نحو غرفته ؛ طرقت الباب , وعاودت الطرق فلم يفتح لها الباب ؛ ثم فتحت الباب , فوجدت نوري ملقى على الارض … ؛ صرخت فاطمة وهرع الجيران , ونقلوه الى المستشفى فورا .
على سريرٍ أبيض، برائحة معقّمات حادّة، وصوت جهازٍ يعدّ ما تبقّى له من وقت … ؛السقف فوقه كان بلا ملامح … ؛مجرد بياضٍ بارد… , يشبه الفراغ الذي عاشه طويلًا … ؛حاول أن يلتفت، لكن جسده خانه … ؛أنبوبٌ في أنفه، وآخر في يده، وأسلاكٌ تتدلّى كأنها تُمسك به كي لا يهرب… ؛ في الممر، مرّت ممرضة دون أن تنظر إليه … ؛ غرفةٌ أخرى انفتح بابها، صرخة، ثم صمت … ؛الحياة هنا تُقاس بأصوات الأجهزة، لا بالذكريات .
في المستشفى استفاق بصعوبة بالغة ,أمه فاطمة تبكي بجانبه … ؛ كانت بناته مريم ونوال ينظرن اليه بنظراتٍ لا يفهمها: خوف، حزن، قلق ؛ و رأى ابنه الأصغر علي , يقترب منه بخوف… ؛ هو يقول : بابا , بابا , بابا ؛ ما بك ؟
كان هذا اخر صوت يسمعه بوضوح … ؛في الخارج، كانت الحياة مستمرة ؛سيارات تمر، أصوات بعيدة، وربما ضحكات … ؛أما هنا، فكان كل شيء ثابتًا…, كأنه خارج الزمن .
مرّت في ذهنه صور متقطعة : طفولة بعيدة، وجوه نساء، صرخات حروب، وأطفال كبروا دون أن يلاحظ كيف كبروا … , خمسون سنة وهو يؤجل نفسه إلى غدٍ لم يأتِ ؛ حياة كاملة… , لكنها بدت له فجأة وكأنها لم تكن له .
في الغرفة المجاورة، امرأة تلد… ؛ يصرخ الرضيع… , يُفتح باب الحياة … ؛ وفي غرفته ؛ يُغلق باب … ؛ جاء الطبيب : نبضه ضعيف… ؛ ضغطه مرتفع… , “إجهاد عضلة القلب” ؛ قالها ببرود .
شعر بضغط على صدره ؛لم يكن ألمًا حادًا، بل ضغطٌ بطيء، كأن شيئًا في داخله ينسحب بهدوء … ؛وضع يده على صدره، وتنفس بعمق، محاولًا تجاهل الإحساس كما تجاهل أشياء كثيرة من قبل … ؛ فهذه المرة، لم يخفِ … ؛تمدّد ببطء، محدقًا في السقف … ؛ كان التعب مختلفًا… , ليس تعب يوم، بل تعب سنوات , سنوات من الهروب، من العادة السرية، من الصمت، من نفسه . …
تسارع نبضه قليلًا… ؛ ثم بدأ يهدأ بشكل غريب، لم يشعر بالخوف … ؛فقط بشيء يشبه الاستسلام … ؛في اللحظة الأخيرة، لم يفكر في لذّة، ولا في عادة لازمته طويلًا، بل في شيء بسيط ؛ وجه طفل كان يناديه يومًا: أبي … ؛ ثم سكن كل شيء .
(51) النهاية المفتوحة : الخلود في ذاكرة الابناء
دفن نوري في مقبرة النجف الاشرف , وَفِي لَيْلَةِ دَفْنِهِ، جَلَسَ ابْنُهُ علي فِي بَيْتِ أَبِيهِ الْقَدِيمِ… ؛ نَظَرَ حَوْلَهُ، رَأَى الْجُدْرَانَ العتيقة الَّتِي حَفِظَتْ طُفُولَتَهُ، رَأَى شَجَرَةَ التِّينِ الْعَجُوزَ مِنَ النَّافِذَةِ … .
ثم خلد الى النوم , ورأى اباه في الرؤيا , و قال له : يَا أَبِي، لِمَاذَا كُنْتَ دَائِماً وَحِيداً وقلقا ؟!
فَأَجَابَه نُورِي : لَمْ أَكُنْ وَحِيداً يَا بُنَيَّ… ؛ كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ رَفِيقٍ لَمْ أَجِدْهُ… ؛ وَفِي آخِرِ الْعُمْرِ، اكْتَشَفْتُ أَنَّ ذَلِكَ الرَّفِيقَ كَانَ أَنَا نَفْسِي الا انني لم اصادق نفسي ، وكنت ارى نفسي دائما فِي الْمِرْآةِ، وَكُنْتُ دَائِماً أَخْطَأُ التشخيص ؛ فأنا من الذين يعلمون ولا يعملون , ويعرفون ولا يطبقون … .
ثم أضاف نوري : لَا تَبْحَثْ عَنْ نَفْسِكَ فِي الْمَنِيِّ يَا بُنَيَّ… ؛ ابْحَثْ عَنْهَا فِي عَيْنَيْكَ حِينَ تَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ… ؛ فَقَطْ تَذَكَّرْ: الَّذِي تَرَاهُ لَيْسَ أَنْتَ، بَلْ ظِلُّكَ… ؛ أَنْتَ فِي مَكَانٍ آخَر… ؛ وَلَنْ تَجِدَ نَفْسَكَ أَبَداً مَا دُمْتَ تَبْحَثُ عَنْهَا … .
اسْتَيْقَظَ الِابْنُ فَزِعاً… ؛ ثم جَلَسَ فِي سَرِيرِ ابيه يُفَكِّرُ فِي كَلِمَاتِ أَبِيهِ… ؛ ثُمَّ نَهَضَ وَذَهَبَ إِلَى الْمِرْآةِ… ؛ وَقَفَ أَمَامَهَا طَوِيلاً، يُحَدِّقُ فِي عَيْنَيْهِ، وَيَتَسَاءَلُ: أَيْنَ أَنَا حَقّاً؟
وفِي تِلْكَ اللَّحْظَة، سَمِعَ صَوْتَ أَبِيهِ مِنْ بَعِيدٍ كَصَدَى الرِّيحِ :أَنْتَ حَيْثُ لَا تَبْحَث… ؛ اِلْتَفِتْ خَلْفَكَ .
الْتَفَتَ علي خَلْفَهُ فَلَمْ يَجِدْ أَحَداً… ؛ عَادَ إِلَى الْمِرْآةِ فَرَأَى وَجْهَهُ فَقَط… ؛ لَكِنَّهُ لِلَحْظَةٍ، خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّ وَجْهَهُ فِي الْمِرْآةِ ابْتَسَمَ لَهُ ابْتِسَامَةً غَرِيبَة، ابْتِسَامَةَ أَبِيهِ فِي آخِرِ لَحَظَاتِهِ …!!
ظَلَّ يَنْظُرُ طَوِيلاً، طَوِيلاً، حَتَّى اخْتَلَطَ عَلَيْهِ الْأَمْر: هَلْ هُوَ مَنْ يَنْظُرُ أَمِ الَّذِي يُنْظَرُ إِلَيْهِ؟
الْفَجْرُ كَانَ عَلَى وَشْكِ أَنْ يَبْزُغ… ؛ وَالْمِرْآةُ لَمْ تَزَلْ تَنْتَظِرُ… ؛ ثُمَّ أَدَارَ ظَهْرَهُ لِلْمِرْآةِ وَخَرَجَ إِلَى الْفِنَاءِ كما كان يفعل نوري … !!