نفحات عن الشهيد السيد محمد باقر الصدر (ح 15)

د. فاضل حسن شريف

جاء في كتاب نشأة التشيع والشيعة للسيد محمد باقر الصدر: المنافقون والمندسون والمؤلفة قلوبهم: كانوا لا يزالون يشكلون جزءا من ذلك الجيل له أهميته العددية، ومواقعه التاريخيد، كما أن له آثاره السلبية، بدليل حجم ما تحدث به القرآن الكريم عن المنافقين ومكائدهم وموافقهم، مع تواجد أفراد في ذلك الجيل قد استطاعت التجربة أن تبنيهم بناء رساليا رفيعا، وتصهرهم في يوتقتها، كسلمان وأبي ذر وعمار وغيرهم . أقول: أن تواجد هؤلاء الافراد ضمن ذلك الجيل الواسع لا يبرهن على أن ذلك الجيل ككل بلغ الى الدرجة التي تبرر إسناد مهام التجربة إليه على أساس الشوري. وحتى اولئك الافراد الذين مثلوا النمط الرفيع رساليا من ذلك الجيل لا يوجد في أكثرهم ما يبرر افتراض كفايتهم الرسالية لزعامة التجربة من الناحية الفكرية والثقافية على رغم شدة إخلاصهم، وعمق ولائهم، لان الاسلام ليس نظرية بشريد لكي يتحدد فكريا من خلال الممارسة والطبيق، وتتبلور مقاهيمه عبر التجربة المخلصة، وإنما هو رسالة الله التي حددت فيها الاحكام والمفاهيم وزودت ريانيا بكل التشريعات العامة التي تتطلبها التجربة، لاحظ قوله تعالى: “ما فرطنا في الكتاب من شئ” (الانعام 38) وقال تعالى: “ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ” (النحل 89) وقال تعالى: “وما آتاكم الرسول فحدوه وما نهاكم عنه فانتهوا” (الحشر 7)، فلا بد لزعامة هذه التجربة من استيعاب الرسالة بحدودها وتفاصيلها، ومن وعي بكل أحكامها ومفاهيمها ومرتكزاتها، وبخاصة إذا لاحظنا أن الاسلام كان هو الرسالة الخاتمة من رسالات السماء التي يجب أن تمتد مع الزمن، وتتعدى كل الحدود الوقتيد والاقليمية والقومية قال تعالى: “وما ارسلناك إلا كافة للناس” (سبا 28) وقال تعالى: “وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين” (الانبياء 107)، الامر الذي لا يسمع بأن تمارس زعامته التي تشكل الاساس لك ذلك الامتداد، تجارب الخطا والصواب، التي تتراكم فيها الاخطاء عبر فترة من الزمن حتى تشكل ثغرة تهدد، التجربة بالسقوط والانهيار.

يقول آية الله السيد محمد باقر الصدر مبينا إعداد الامة وتهيئتها لتولي علي عليه السلام الخلافة: فعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب يا علي قل اللهم اجعل لي عندك عهدا، واجعل لي في صدور المؤمنين مودة. فأنزل الله: “إن الذين آمنوا” قال: نزلت في علي. ب – قوله تعالى: “هذان خصمان اختصموا في ربهم” (الحج 19). عن علي عليه السلام قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: وفيهم نزلت “هذان خصمان اختصموا في ربهم” (الحج 19) قال: (هم الذين بارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة). ج‌ – قوله تعالى: “ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال” (الأحزاب 25). روى غير واحد أن عبد الله ابن مسعود كان يقرأ هذه الاية هكذا: (وكفى الله المؤمنين القتال) بعلي بن أبي طالب. د – قوله تعالى “يا ايها الذين امنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين” (التوبة 119). ذكر غير واحد من الحفاظ والمحدثين عن ابن عباس قال: هو علي بن ابي طالب عليه السلام خاصة. ه‌ – قوله تعالى: “والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا” (الأحزاب 58). وورد بعدة: طرق أنها نزلت في علي، وذلك أن نفرا من المنافقين كانوا يوذونه ويكذبون عليه (49). إن مما يؤكد أن هذه الايات قد جاءت ونزلت لبيان منزلة علي عليه السلام وعظمة شخصيته، ودوره الكبير في حياة الرسالة والرسول، وأن المؤمنين يلزمهم وعي هذه الحقائق والاتقياد إليها، مما يؤكد ذلك هو ما جاء من الأحاديث النبوية في تثبيت هذه المعاني. فقد روى الصحابي سعد بن أبي وقاص قال: أمرني معاوية أن أسب أبا التراب، فقلت: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله فلن أسبه، لان تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، قد خلفه رسول الله في بعض مغازيه فقال علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان، فسمعت رسول الله يقول: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبوة بعدي وسمعته يقول يوم خيبر: لاعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها فقال: ادعو لي عليا فاتي به ارمد فبصق في عينه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الاية: “فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين” (آل عمران 61) دعا رسول الله عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، وقال: اللهم هؤلاء أهلي (رواه مسلم والترمذي). إن هذه الرواية علي طولها التي رواها سعد تؤكد امورا منها: أ – نزول آية المباهلة، وهي الآية المذكورة في نص الرواية في حديث المنزلة سبق تخريجه، راجع الجامع للاصول / ج 3 ص 3323 رواه الشيخان والترمذي، على علي وزوجته البتول وولديهما الحسن والحسين عليهم السلام. ب – توكد أن هؤلاء هم أهل البيت دون سواهم. وبالتالي نفهم أنهم هم المقصودون في آية التطهير التي هي قوله تعالى: “إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا” (الأحزاب 33) وفي آية التطهير هذه يتبين لنا نزاهة علي وأمانته، وسمو ذاته وطهارته، بل عصمته. ومن هنا يبدأ الاستحقاق لان يحتل علي مقام الخلافة والولاية وقيادة المسيرة، قال الراغب الأصفهاني: (لا يصلح لخلافة الله ولا يكمل لعبادته وعمرة أرضه إلا من كان طاهر النفس قد أزيل رجسها ونجسها، فللنفس نجاسة كما أن للبدن نجاسة، لكن نجاسة البدن قد تدرك بالبصر ونجاسة النفس لا تدرك إلا بالبصيرة… وإنما لم يصلح لخلافة الله إلا من كان طاهر النفس لأن الخلافة هي الاقتداء به تعالى علي الطاقة البشرية، ومن لم يكن طاهر القول والفعل فكل إناء بالذي فيه يرشح).

عن موقع براثا: الأمن الوطني يكشف تفاصيل عملية اعتقال قتلة الشهيد الصدر وشقيقته: كشف جهاز الأمن الوطني، اليوم الجمعة (31 كانون الثاني 2025)، تفاصيل عملية اعتقال قتلة الشهيد الصدر وشقيقته. وقال المتحدث باسم الجهاز أرشد الحاكم في كلمة له حول تفاصيل عملية القبض على زمرة إجرامية من ازلام النظام البائد “ألقينا القبض على 5 من أعتى المجرمين من أتباع النظام البائد وقتلة الشهيد الصدر وشقيقته وآلاف العراقيين”، لافتا إلى أن “عملية إلقاء القبض تمت وفقا لأحكام قانون حظر حزب البعث المنحل وبتنسيق عالي المستوى مع جميع الجهات ذات العلاقة والمؤسسة القضائية”. وأضاف أن “المتهم الأول سعدون صبري جميل القيسي رتبته لواء واعترف صراحة بتنفيذ الإعدام بسلاحه الشخصي بحق السيد الشهيد محمد باقر الصدر وشقيقته وتنفيذ الإعدامات الجماعية للمعارضين بتهمة الانتماء إلى حزب الدعوة الإسلامية وأيضاً إعدام 8 مواطنين ودفنهم في مقابر جماعية في الفلوجة وجسر ديالى وإعدام 2 من شباب السادة آل الحكيم وقتل معارضاً من أهوار الناصرية”. واشار إلى أن “المتهم هيثم عبد العزيز فائق رتبته عميد ومن جرائمه الإشراف على عملية إعدام السيد الشهيد محمد باقر الصدر وشقيقته وتنفيذ الإعدام بحق مجموعة من أعضاء حزب الدعوة الإسلامية”. وتابع أن “المتهم خير الله حمادي رتبته لواء ومن أبرز جرائمه قيادة حملات اعتقال وتعذيب بحق أبناء قضاء بلد بذريعه الانتماء السياسي والمشاركة في عمليات إعدامهم ودفنهم والإشراف على قمع المواطنين الأكراد الفيليين في بغداد وإصدار وتنفيذ قرارات بالتهجير القسري لعوائل المعارضين في بلد إلى “نقرة السلمان” التورط في جرائم قطع الأيدي في كركوك وتنفيذ العديد من الاعتقالات والإعدامات بحق المعارضين في بغداد”. واكمل، أن “المتهم شاكر طه يحيى رتبته لواء ومن أبرز جرائمه المشاركة في إعدامات معتقلين أكراد عام 1984 في بغداد ومنع إقامة مجالس العزاء على خلفية اغتيال السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر والمشاركة في قتل المواطن المعارض سليمان برينجي”. ولفت الى أن “المتهم نعمة محمد سهيل صالح رتبته لواء ومن أبرز الجرائم قيادة حملات اعتقال وتعذيب استهدفت أكثر من 40 طالباً جامعياً من جامعة سليمانية وجامعات أخرى والملاحقة المستمرة لأعضاء الأحزاب الإسلامية”.

عن صحيفة العرب: رئيس الوزراء العراقي يشيد باعتقال خمسة مسؤولين على رأسهم لواء سابق اعترف بتنفيذ إعدام محمد باقر الصدر وشقيقته بعد 44 عامًا الواقعة. السبت 2025/02/01: ونقلت لوكالة أسوشيتد برس عن مسؤول أمني مطلع، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول له بالحديث علنا، قوله إن المشتبه به الرئيسي في إعدام الصدر، سعدون صبري جميل جمعة القيسي، كان من بين خمسة أشخاص تم اعتقالهم قبل خمسة أشهر. وشغل القيسي مناصب رفيعة المستوى في عهد صدام، بما في ذلك مدير أمن الدولة ومدير الأمن في مدينة البصرة الساحلية وكذلك مدينة النجف بوسط البلاد. وهو متهم بالإشراف على اعتقال الصدر وإعدامه. وقال المصدر الأمني إن القيسي فر إلى سوريا بعد سقوط حكومة صدام عام 2003، متخذاً اسم “الحاج صالح” للتهرب من الملاحقة القضائية. وعاد إلى العراق في 26 فبراير 2023، وألقي القبض عليه في أربيل – بعد 44 عامًا من الإعدام. وبحسب جهاز الأمن الوطني العراقي فإن القيسي يواجه عقوبة الإعدام، ومن المتوقع صدور الحكم النهائي الأسبوع المقبل. وأشاد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بالقبض في منشور على منصة إكس، وقال “يثبت رجال الأمن الوطني، ومعهم الجهد الأمني للدولة، أن تفانيهم يجري بالاتجاه الصحيح، نحو ترسيخ القانون وتأكيد عدم الإفلات من العقاب”. وأضاف أنه “مع تحقيق العدالة بالقبض على رموز الآلة القمعية المُجرمة للنظام الصدّامي البعثي، قتلة الشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه وشقيقته وكوكبة الشهداء من آل الحكيم ومعهم آلاف العراقيين الذين كُتمت أنفاسهم الشريفة في غياهب السجون، نؤكد منهج ملاحقة المجرمين وإن طال بهم الزمن في هروبهم”. واختتم قوله “ستبقى الجهود المُخلصة تعملُ بذات الزخم، في ملاحقة كل من أجرم بحق الدم العراقي، في كل زمان ومكان، هذا عهدنا لأبناء شعبنا، ولكل مظلوم أو شهيد”. كان محمد باقر الصدر رجل دين شيعي عراقي بارز وناقد سياسي عارض حكومة البعث العلمانية للرئيس العراقي السابق. واشتدت معارضته في أعقاب الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، الأمر الذي زاد من مخاوف صدام من اندلاع انتفاضة يقودها الشيعة في العراق. وفي عام 1980، وبينما كانت الحكومة تتحرك ضد النشطاء الشيعة، تم اعتقال الصدر وشقيقته بنت الهدى ـ وهي عالمة دينية وناشطة تحدثت ضد القمع الحكومي. وتشير التقارير إلى أنهما تعرضا للتعذيب قبل إعدامهما شنقاً في الثامن من أبريل 1980. ورفضت الحكومة إعادة جثتيهما، خوفاً من أن تصبح قبورهما نقاط تجمع للمقاومة. وقد أدى إعدام محمد باقر الصدر إلى تعميق المعارضة الشيعية لصدام، الأمر الذي أدى إلى تأجيج الحركات التي ساهمت في سقوط حكومة البعث في نهاية المطاف.

وعن مدخلية اختصاص علي بالمعرفة القرآنية في الاعداد لخلافته يقول الشهيد السيد الصدر قدس سره: في ضوء ما تقدم، لا حظنا أن هناك علاقة وارتباطا من نوع خاص بين علي عليه السلام والقرآن الكريم، نشأت هذه العلاقة، ونمت، وتطورت حتى انتهت على حد تعبير الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله إلى أن: (القرآن مع علي وعلي مع القرآن، ولن يقترقا حتى يردا على الحوض). وكذلك انتهت أيضا إلى أن عليا سيقات على تأويل القرآن كما كان قد قاتل على تنزيله، فما هي مدخلية ذلك في عملية الإعداد الفكري والتربوي لخلافة علي؟ نستطيع أن نؤكد أن الرسول القائد صلوات الله وسلامه عليه نفسه قد قام بتنمية وترسيخ مثل هذه العلاقد، وبأمر من الله تعالى كما كان يحدث دائما. ويظهر أن هدفا كبيرا يلزم الوصول إليه عبر تلك الإجراءات والخطوات العلمية والعملية. ونستطيع أن نبين ذلك الهدف في ضوء الملاحظات الآتية: أولا: إن منطق الشريعة الخالدة الكاملة يقتضي تأمين الوصول إلى فهم القرآن ومعرفة تفسيره وفقه أحكامه، بصفته المصدر الاساس لهذه الشريعة الخالدة وإن تحكيم القرآن في البلاد والعباد هو ما أمرنا الله تعالى به، إذ جاء فيه: “أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون” (المائدة 50). ومقتضاه أن نحتكم الى القرآن في كل صغيرة وكبيرة. وأن نكفر بحكم الجاهلية الذي هو حكم الأهواء. كما نهانا الله تعالى أيضا أن نتحاكم إلى الطاغوت، فقال: “ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد امروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن تضلهم ضلالا بعيدا” (النساء 60). وقد جعل القرآن الكريم هنا اختيار التحاكم إلى غير ما أنزل الله وإلى غير رسول الله صلى الله عليه وآله تحاكما إلى الشيطان الذي يسير بهم إلى الضلال حتما، ثم اكد القرآن الكريم أن الاحتكام إلى غير ما أنزل الله هو فسق وظلم وكفر، قال تعالى “ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الفاسقون) (المائدة 47) وقال تعالى: “ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الظالمون” (المائدة 45) وقال تعالى “ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون) (المائدة 44) وقد بعث نبينا محمد صلى الله عليه وآله لامحاء صفحة الظلم والفسق والكفر. إذن فبحسب منطق القرآن، يكون عدم الرجوع إلى أحكام القرآن التي أنزلها الله تعالى، يعني الاحتكام إلى الطاغوت، وعليه فإذا كان ذلك يتطلب بالضرورة الوصول إلى حكم الله تعالى الذي أنزله في القرآن الكريم، فلا بد من افتراض من هو مؤهل ومعد إعدادا أمينا لتحقيق ذلك الامر الالهي، وتلك الارادة الربانية، وليس ذلك بالضرورة إلا رسول الله صلى الله عليه وآله أو من هو منه يودي عه، ويبلغ عهه، ومؤهل مثله، ومعد لذلك الغرض. ثانيا: إن العلماء قد وقع بينهم الاختلاف الكثير، وقد حصل ذلك منذ وقت مبكر، بالاخص في الاقضية التي تهم الناس، وتتصل بحياتهم وليس إلا بسبب عدم فقهم بالقرآن.

ويستطرد آية الله السيد محمد باقر الصدر مبينا مدخلية اختصاص علي بالمعرفة القرآنية في الاعداد لخلافته: وقد تحدث الإمام علي عن هذه المسالة في معرض ذمه لمثل هذا الاختلاف مع وجود القرآن بين أظهرهم، فقال عليه السلام: (ترد على أحدهم القضية، في حكم من الاحكام، فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره، فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استفضاهم فيصوب آراءهم جميعا، والههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد أفامرهم الله سبحانه بالاختلاف فأطاعوه؟ أم نهاهم عنه فعصوه؟ أم أنزل الله دينا ناقصا ماستعان بهم على اتمامه؟ أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟ أم أنزل الله دينا تاما فقصر الرسول صلى الله عليه وآله عن تبليغه وأدائه، والله سبحانه وتعالى يقول: “ما فرطنا في الكتاب من شئ” (الأنعام 38) “ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدي ورحمة” (النحل 89)، وذك ان الكتاب يصدق بعضه بعضا وانه أي القرآن لا اختلاف فيه فقال سبحانه “ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا” (النساء 82). وإن القرآن ظاهره أنيق) إذن بموجب هذا وبمقتضاه لا بد من افتراض إعداد أحد مؤهل لفقه القرآن. ثالثا: إن اختصاص علي بالعلوم القرآنية، وبمعرفة القرآن ظاهره وباطنه محكمة ومتشابهه، خاصه وعامه، وإن قدرته الفذة على فهم آياته وفقه احكامه، امر متسالم عليه عند علماء الصحابة كما نوهنا. وقد ساعدت النصوص النبوية، على تأكيده وبيانه كما ذكرنا ويؤيده أيضا، ما أورده أصحاب التفسير والأثر عن علي عليه السلام ومن طرق اخرى: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (يا علي إن الله عز وجل أمرني أن أدنيك واعلمك لتعي وأنزلت هذه الاية “وتعيها أذن واعية” (الحاقة 12) فأنت أذن واعية لعلمي) . وقد جاء عن علي عليه السلام أيضا قوله (ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق، ولكن أخبركم عنه إلا وإن فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء دائكم، ونظم والاختلاف يكفر بعضهم بعضا، والله تعالى يقول: “ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات” (آل عمران 105) فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة وتأويل الحكم إلا أبناء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى الذين احتج الله بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدى من غير حجة، هل تعرفونهم أو تجدونهم إلا من فروع الشجرة المباركة وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وبرأهم من الافات وافترض مودتهم في الكتاب).