ألفُ مفخخةٍ ولا صدامٌ واحد: سردية الألم العراقي بين النظام البائد وايتامه واثاره

رياض سعد

ليس من السهل على من عاش التجربة العراقية أن يفصل بين الذاكرة والتاريخ، ولا بين الجرح والتحليل… ؛ فالعراق، منذ أزمنة بعيدة، لم يكن مجرد جغرافيا، بل ساحةً مفتوحةً لصراع الإرادات، ومسرحًا لتعاقب السلطات الجائرة ، حيث يتكرر السؤال ذاته: لماذا يُبتلى هذا الشعب بكل هذا الثقل من الألم؟!
إذا عدنا إلى التاريخ الإسلامي لبلاد الرافدين، نجد أن صور القسوة لم تكن غائبة… ؛ فقد مرّ على العراق حكّام ارتبطت أسماؤهم بالشدة والبطش والجور والتنكيل ، مثل زياد بن أبيه، والحجاج بن يوسف الثقفي، ومصعب بن الزبير، والمتوكل وغيرهم … ؛ وقد مثّلت هذه الشخصيات، في الوعي الجمعي، نماذج للحكم الصارم الظالم الغاشم الذي لم يتردد في استخدام العنف لترسيخ سلطته وفرض سطوته .
لكنّ المفارقة التي يرددها كثير من العراقيين، بمرارة، أن ما شهده العراق في العصر الحديث، وتحديدًا في ظل حكم المجرم صدام ، تجاوز تلك الصور التاريخية، لا في القسوة فحسب، بل في شمولها وامتدادها إلى تفاصيل الحياة اليومية .
لقد كان العراق، منذ القدم، محاطًا بالتحديات، لكن التحول الأبرز جاء في بدايات القرن العشرين، مع دخول القوات البريطانية وفرض السيطرة على البلاد… ؛ غير أن العراقيين من ابناء الاغلبية والامة العراقية لم يستسلموا، فاندلعت ثورة العشرين، تلك اللحظة الفارقة التي كسرت هيبة الإمبراطورية البريطانية، وأثبتت أن هذا الشعب قادر على المقاومة رغم قلة الإمكانات… ؛ إلا أن تلك الثورة، على عظمتها، لم تنهِ التدخل الخارجي، بل أعادت تشكيله بطرق أكثر تعقيدًا، عبر أنظمة حكم هجينة وغريبة و مرتبطة بمصالح الخارج ؛ واغلبها من جذور غير عراقية .
ومنذ ذلك الحين، دخل العراق في سلسلة متواصلة من الاضطرابات: انقلابات، وصراعات، وحروب، وتحولات سياسية لم تستقر على حال… ؛ ولم يكن المواطن العراقي، في خضمّ ذلك، سوى الحلقة الأضعف، يتحمّل أعباء الصراع دون أن ينال نصيبه من الاستقرار أو التنمية .
ومع صعود حزب البعث إلى السلطة، ثم تسلّم المجرم العميل صدام الحكم ؛ بدأت مرحلة جديدة من الحكم المركزي الصارم، حيث تركزت السلطة في يد واحدة، وتحولت الدولة إلى منظومة أمنية واسعة، تُحكم السيطرة على المجتمع عبر الخوف والمراقبة… ؛ و لم يعد السجن استثناءً، ولا التعذيب خبرًا نادرًا، بل صار جزءًا من اللغة اليومية للسلطة وجلاوزتها واتباعها وانصارها .
شهد العراق في تلك المرحلة حروبًا طاحنة، أبرزها الحرب العراقية الإيرانية، التي استمرت ثماني سنوات، وأودت بحياة مئات الآلاف، ثم حرب الكويت وما تبعه من حرب مدمّرة , وانتفاضة شعبية كبيرة تم قمعها بالابادة الجماعية والتطهير العرقي والطائفي , وحصار اقتصادي خانق… ؛ وفي ظل هذه الظروف، تآكلت بنية المجتمع، وانهارت الطبقة الوسطى، وانتشرت مظاهر الفقر والعوز والجهل والتخلف والمرض .
كان العراقي يُساق إلى الجبهات، أو يُستدعى إلى أجهزة الأمن، أو يعيش تحت وطأة الخوف الدائم، بينما كانت الدولة تُدار بمنطق الولاء، حيث تُمنح الامتيازات لمن يقترب من السلطة، وتُحجب عن عامة الناس… ؛ وهكذا نشأت فجوة عميقة بين الدولة والمجتمع، بين من يملك القرار والثروة، ومن يدفع الثمن .
ولم يكن أثر تلك السياسات ماديًا فحسب، بل كان إنسانيًا عميقًا… ؛ فقد امتلأت البيوت بالحكايات المؤلمة: أمّ تنتظر ابنًا لن يعود، وزوجة تترمل، وطفل يكبر على غياب أبيه… ؛ حتى صار الحزن جزءًا من الهوية اليومية، وصارت الخسارة تجربة مشتركة بين العراقيين .
ثم جاء عام 2003، فسقط النظام، وسقط معه ذلك البناء الصلب من الخوف… ؛ لكن ما تلا السقوط لم يكن خلاصًا سريعًا، بل بداية مرحلة أخرى، لا تقلّ قسوة في بعض وجوهها… ؛ فقد تفككت مؤسسات الدولة، وظهر فراغ أمني كبير، وتدفقت موجات من العنف، تمثلت في التفجيرات والهجمات التي استهدفت المدنيين في الأسواق والشوارع .
وفي خضمّ هذه الفوضى، وُلدت عبارات تختصر الألم أكثر مما تشرحه… ؛ ومن بينها تلك العبارة التي قالها أبٌ لابنه، بعد أن شهد انفجارًا مروّعًا في أحد أسواق بغداد، حيث اختلطت الدماء وتناثرت الأجساد : لا حول ولا قوة إلا بالله…, إنا لله وإنا إليه راجعون…؛ ألف مفخخة ولا صدام واحد …!!
هذه العبارة ليست حكمًا تاريخيًا بقدر ما هي صرخة إنسانية، تعبّر عن لحظة صدمة، وعن عجز الإنسان أمام مشهد لا يُحتمل… ؛ إنها تختزل التمزق الداخلي لمجتمع خرج من قبضة الاستبداد، ليجد نفسه في مواجهة فوضى دامية وارهاب حاقد جاء به ايتام النظام البائد وانصاره .
غير أن القراءة المتأنية للتجربة العراقية تفرض علينا أن نبتعد عن ثنائية التمجيد أو التبرير… ؛ فالنظام البائد ؛ رغم ما يقال عن الاستقرار، كان قائمًا على القمع والخوف وإلغاء الحريات … ؛ بينما المرحلة التي أعقبته، رغم ما حملته من أمل بالتغيير، واجهت تحديات هائلة في بناء الدولة وإعادة الاستقرار .
إن العراق، في جوهر تجربته، لم يكن ضحية مرحلة واحدة، بل ضحية تراكمات تاريخية: من الاستعمار، إلى الحكم الطائفي الهجين و السلطوي الحاقد ، إلى الحروب، إلى الفوضى… ؛ وما لم تُفهم هذه التراكمات، فإن أي قراءة ستظل ناقصة … .
وفي النهاية، يبقى الأمل معقودًا على قدرة العراقيين أنفسهم على تجاوز هذا الإرث الثقيل، وبناء دولة لا تُدار بالخوف، ولا تُختزل في شخص، بل تقوم على العدالة، والمواطنة، وسيادة القانون… ؛ فالعراق، الذي أنجب الحضارات، لا بد أن يجد طريقه يومًا إلى الاستقرار، مهما طال الزمن وتعاقبت المحن .