رياض سعد
لم تكن مأساة العراق الحديثة وليدة فردٍ واحد، ولا نتاج قريةٍ أو مدينةٍ بعينها، بقدر ما كانت ثمرة تراكمات طويلة من الاستبداد، والعنف السياسي، وتفكك الهوية الوطنية، وهيمنة الولاءات الضيقة على حساب الدولة والمواطنة.
وحين ينهار ميزان العدالة، تتحول بعض البيئات المغلقة إلى حواضن للخوف والقسوة والطاعة العمياء، لا لأن أبناءها يولدون أشرارًا، بل لأن الأنظمة الشمولية تعيد تشكيل الإنسان وفق حاجتها إلى البقاء.
لقد شهد العراق، خصوصًا خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، صعود نموذج سياسي قام على تمجيد القوة، وتقديس الزعيم، وربط الدولة بأجهزة القمع والقرابة والانتماء الطائفي والمناطقي الضيق.
ومع مرور الزمن، لم تعد السلطة تُدار بعقل الدولة، بل بعقل الجماعة التي ترى في الوطن غنيمة، وفي المختلف خصمًا ينبغي إخضاعه أو إلغاؤه.
وهنا بدأت الكارثة الحقيقية: حين تحوّل الانتماء الوطني إلى هوية ثانوية، وحلّت محلّه روابط الخوف والمصلحة والعصبية.
إن أخطر ما يصنعه الاستبداد ليس السجون وحدها، بل تشويه الوعي الجمعي… ؛ فالإنسان الذي يعيش طويلًا داخل منظومة القهر، قد يفقد تدريجيًا حساسيته الأخلاقية، ويعتاد رؤية العنف بوصفه أمرًا طبيعيًا، بل وربما ضرورة للحفاظ على النفوذ والامتيازات… ؛ ومن هنا تتولد شخصيات قاسية، ترى الرحمة ضعفًا، وترى البطش دليلًا على القوة والسيادة.
لقد دفع العراقيون أثمانًا باهظة نتيجة هذا النموذج السياسي؛ ملايين الضحايا بين قتيلٍ ومهجّرٍ ومعتقلٍ ومفقود، ومدن كاملة أنهكتها الحروب والمقابر والخوف… ؛ ومع ذلك، فإن اختزال المأساة في منطقة أو عشيرة أو قرية بعينها لا يقدّم فهمًا حقيقيًا للتاريخ، بل يكرر المنطق نفسه الذي غذّى الكراهية والانقسام لعقود طويلة… ؛ فالاستبداد حين يتمكن من دولةٍ ما، لا يفسد الجغرافيا فقط، بل يفسد الإنسان أينما كان.
إن المجتمعات التي تُحرم من التعليم الحر، والعدالة، والتنمية، والحياة السياسية الطبيعية، تصبح أكثر قابلية لإنتاج العنف والتعصب… ؛ ولذلك فإن العلاج لا يكون بإنتاج كراهية مضادة، ولا بتحويل الناس إلى متهمين جماعيين، بل ببناء دولة قانون وهوية وطنية تتجاوز الثأر والانقسامات.
لقد تعلّم العراق، بعد كل هذا الخراب، أن الأوطان لا تُبنى بالعصبيات، ولا تُحمى بالخوف، وأن أي جماعة تتوهم أنها أكبر من الوطن ستتحول، عاجلًا أم آجلًا، إلى عبء على نفسها وعلى التاريخ.
أما الهوية الوطنية الحقيقية، فهي تلك التي ترى الإنسان مواطنًا قبل أن يكون ابن عشيرة أو منطقة أو طائفة، وتؤمن بأن العدالة وحدها قادرة على حماية الدولة من العودة إلى دوامة الدم والانتقام.