من أي طينة جبلت يا رحمن الكردي؟

فالح حسون الدراجي

لا أخفي شعوري بالفخر والسعادة حين أستذكر بطولات وقصص شهداء العراق، أو حين أكتب عن أمجاد رفاق ومناضلين شيوعيين، تشاركت معهم منذ أكثر من نصف قرن حتى الآن، معنى وأهداف وقيم شعارنا العظيم : “وطن حر وشعب سعيد” ..

واليوم أستذكر معكم شخصية شيوعية فذة، ضحت بحياتها من أجل سلامة حياة غيرها.. شخصية ملحمية إيثارية أعتبرها بحق واحدة من أعظم وأعلى ملاحم نكران الذات في التاريخ العراقي، والإنساني المعاصر.. وأقصد الشهيد الشيوعي البطل عبد الرحمن علي رحيم، الملقب ( رحمن الكردي).. أحد أفراد قائمة الشهداء الذين أعدمهم نظام البعث الفاشي يومي 17 و 18 أيار من العام 1978 مع الشهيد البطل بشار رشيد و 29 شيوعياً وصديقاً للحزب الشيوعي من العسكريين والمدنيين.

وللحق، فإن الشهيد رحمن الكردي لم يدهشني أو يدهش رفاقه وأهله بما فعل فحسب، إنما أدهش التاريخ ورموزه الذين سبق وأن أنكروا ذاتهم من أجل الآخرين أيضاً، بدءاً من رمز الإيثار سقراط، وليس انتهاء برمزه الآخر ( الجندي المجهول)، الذي أعتبره أشهر وأنبل ناكري الذات في التاريخ ..

وحكاية (رحمن الكردي) قد لا يصدقها إلا اولئك الذين يعرفون معدن الشيوعيين النفيس، ويفهمون الطينة الشيوعية الحرة، الفاخرة. سأحكي لكم بصدق قصة هذا الرجل الشجاع، نقلاً عن لساني اثنين من المناضلين اللذين عاشا معه محنة ساعات الموت، وخاضا معه امتحان الرجولة في زنزانات الأمن العامة، فنقلا لنا ما فعله هذا الشيوعي الإيثاري الفذ، وما تركه لنا من مثال عطر وساطع منير .

إن ما رواه لي المناضل موسى محسن، وما ذكره المناضل منعم جابر سابقاً، يعد وثيقة وطنية وأخلاقية وانسانية تستحق أن تصل إلى جميع العراقيين والى كل شعوب العالم، ليعرفوا عظمة وقيم الشيوعيين العراقيين، مقابل سفالة أجهزة القمع الأمنية البعثية في العراق..

لقد اتصل بي في الأسبوع الماضي، صديقي المناضل والسجين الشيوعي موسى محسن – زميلي السابق في فريق السكك لكرة القدم أيام الشباب.. وبعد تبادل تهاني وتحايا العيد، تجرأت وسالته عن ذكرياته الموجعة في المعتقل، ورفقته للشهيدين بشار رشيد وعبد الرحمن الكردي، مع السجناء الشيوعيين كاظم خلف و منعم جابر وعادل گاطع وجبار خزعل وبقية الرفاق الذين كانوا معه في تلك الأيام السود، وسألته عن معاناته الشخصية في زنزانات الامن العامة، ومحكمة الثورة، والصور المهمة التي ظلت عالقة في ذاكرته، لا سيما عند تلقيه قرار الحكم من لسان رئيس المحكمة المجرم مسلم الجبوري..

لقد رجوته أن يتحدث لي بالتفاصيل خصوصاً وأننا لم نتحدث بهذا الموضوع منذ مغادرته المعتقل قبل حوالي أربعين عاماً ..!

أطلق موسى حسرة شعرت بثقلها وحرارتها رغم آلاف الأميال التي تفصل بيننا، ثم تحدث لي بإسهاب عن كل شيء، من لحظة اعتقاله، مروراً بمحنة التعذيب الفاشي في أقبية الامن العامة، وانتهاءً بلحظة توديع رفيقه بشار رشيد وهو يمضي شامخاً مهاباً في الممر الطويل المؤدي إلى ساحة الإعدام.

تحدث موسى محسن عن أشياء استثنائية أجزم أنها تستحق ان تصدر في كتاب مهم يكون له شأن سياسي خطير دون شك .. ومن بين ما ذكره موسى، موقف المناضل الشهيد ( رحمن الكردي ) في التحقيق والمحكمة، علماً أن ما قاله لي المناضل موسى عن رحمن الكردي قبل اسبوع، كان المناضل منعم جابر قد ذكر بعضه قبل سنوات. ولعل الأمر المهم المؤكد لمصداقية هذه الحكاية، أن موسى ومنعم جابر كانا سويا مع الشهيد ( الكردي) في ذات المعتقل وبذات التهمة السياسية.

تبدأ حكاية عبد الرحمن علي الكردي كما رواها موسى محسن، ودوّنها منعم جابر، من لحظة اعتقال صديقه، وصديق عائلته مفوض المرور شاكر رحيم بتهمة الإنتماء للحزب الشيوعي.. ولأن شاكر رقيق، وضعيف البنية جداً، فهو لم يستطع تحمل قسوة التعذيب الوحشي، مما دفعه تحت ضغط الألم الشديد إلى ذكر اسم رحمن الكردي عندما سئل عن اسم مسؤولِه الحزبي،

خاصة وأن المحققين قد ركزوا على إيذاء شاكر رحيم وتعذيبه بشكل سريع جداً ومتواصل ليل نهار..

وبدون تأخير اعتقل الكردي وجيء به مقيداً إلى غرفة التحقيق ليواجه صديقه شاكر رحيم وجها لوجه، ويجده بحالة مأساوية يرثى لها، بل يقال ان شاكر كان ساعتها على وشك الموت تحت قسوة التعذيب، مما قد يجعله يكشف عن أسماء ومواقع مسؤولين قياديين آخرين لو استمر الرجل على ما هو عليه من انهيار جسدي، وحتى نفسي، في ظل هذا التعذيب القاسي، وهنا قرر “رحمن الكردي” أن ينقذ الموقف، ويوقف نزيف الاعترافات بشكل قاطع، فيعترف للمحققين على أنه “المسؤول الحزبي للرفيق شاكر رحيم “متحملاً بشكل شخصي كامل المسؤولية، ومنهياً مسلسل التعذيب عن شاكر و أفراد التنظيم.

ومضحياً بحياته من أجل سلامة الحزب، وسلامة صديقه شاكر، وإنقاذ بقية رفاقه من الانهيار خلال فترة الاعتقال والتحقيق القاسي، وهو أمر لم يفعله غيره بإرادته وإختياره..

يحدث هذا الاعتراف أمام شاكر ، الذي ظهرت على وجهه علامات الدهشة والاستغراب والقلق ايضاً. لكن رحمن الكردي ارسل ابتسامة شفيفة مطمئنة لصديقه، حاسماً الموقف بثبات ودون أي تردد .. !!

وفي محكمة الثورة، ظل الكردي ثابتاً على موقفه وإفادته ذاتها دون تغيير. فصدر بحقه حكم بالإعدام شنقاً حتى الموت.. وقبل تنفيذ حكم الإعدام بأيام، كشف الشهيد عبّد الرحمن الكردي لرفيقه منعم جابر، ومن ثم لموسى محسن، بحضور رفيقه شاكر رحيم، عن الحقيقة التي ظل مصراً على إخفائها عن الجميع طيلة فترة التحقيق وأيام المحاكمة، والحقيقة هي ان رحمن الكردي لم يكن مسؤولاً حزبياً لشاكر قط ، بل ولم تربطه به أي علاقة حزبية، فشاكر رحيم كان مفوضاً في سلك الشرطة، ورحمن الكردي عاملاً في إحدى الشركات، ويقيناً أن ميدانيهما وتنظيميهما مختلفان تماماً..

بقي أمر مهم يجب الإشارة اليه، بطله رحمن الكردي أيضاً، حصل حين سأله المحقق في التحقيق قائلاً :

كيف يسمح لك حزبك الشيوعي بتنظيم مفوض في الشرطة، وقادته يعرفون أن التنظيم الشيوعي في القوات المسلحة ممنوع ؟

فأجابه رحمن، بأن الحزب بريء من هذه التهمة، وأنه تصرف بشكل شخصي دون علم وموافقة الحزب، مبرئاً حزبه من هذه المسؤولية.

لقد مضى رحمن بتحمل المسؤولية حتى النهاية رغم أنه يعرف نتيجتها.. !

فكان يوم السابع عشر من شهر أيار من عام 1978 موعداً لتنفيذ حكم الإعدام برحمن وثلاثين فارساً لم يترجلوا عن صهوة الكفاح إلا لكي يرتقوا صهوة المجد وقمة منصة الخلود التي لا تساويهما ولا تضاهيهما كل المنصات والقمم المجيدة الأخرى في الدنيا..

فالح حسون الدراجي والسجين السياسي موسى محسن عندما كانا يلعبان بفريق السكك في السبعينيات