منظمة عراقيون ضد الفساد
في العراق، حيث يُدار الملف العام كغنيمة حزبية ومزرعة شخصية، يصل سوء استخدام السلطة إلى درجة الفجيعة المُرعبة التي تُفضحها وسائل الإعلام العراقية والعربية والعالمية بين الحين والآخر. اليوم، وبعد تنصيب نزار آميدي رئيساً للجمهورية قبل أيام قليلة فقط من قبل مجلس النواب، نشهد تكراراً مُخزياً لهذه المأساة المتكررة، كأن التاريخ لا يتعلم ولا يُريد أن يتعلم. لم تمضِ ساعات قليلة على التنصيب حتى انفجرت تسريبات التقاتل الشرس على مناصب “المستشارين” في رئاسة الجمهورية. مناصب وهمية، بلا مردود حقيقي، بلا خبرة، بلا دور استشاري يُفيد الدولة أو الشعب. إنها مجرد جوائز ترضية تُوزع على أحزاب المحاصصة، و”غنائم” تُمنح للأتباع والمقربين ليحصلوا على رواتب خيالية وامتيازات مجانية دون أدنى جهد أو إسهام. الشائع أن هؤلاء “المستشارين” لا يقرأون ولا يكتبون، وإن كانت لديهم شهادة جامعية فغالباً ما تكون مزورة، والشواهد على ذلك أكثر من أن تُحصى. أما الحقيقة المُرة التي يعرفها كل عراقي، فهي أن هذه المناصب ليست إلا أداة لاستنزاف الميزانية العامة، وتوزيع الأموال العامة كأنها ملكية خاصة للأحزاب والعائلات والأصدقاء، خارج كل ضوابط وقوانين. ولم يكتفِ الأمر بهذا القدر من الإهانة لكرامة الشعب، بل برزت أيضاً تحضيرات السيدة الأولى لتغيير ديكور قصر السلام، بعد أن صرفت زوجة الرئيس السابق أكثر من تسعة مليارات دينار (بل وثائق تتحدث عن ستة مليارات وربع في بعض الحالات) على ترميم القصر وتبديل الأثاث! تخيلوا المشهد: خزينة الدولة تعاني عجزاً مالياً حاداً، وتكافح لصرف رواتب المتقاعدين، وشبكة الرعاية الاجتماعية، وحتى رواتب الموظفين البسطاء، بينما تُنفق المليارات على تغيير ستائر وكنبات وثريات قصر فخم يسكنه من يفترض أنه خادم الشعب! وما بالكم بعدد الحماية الشخصية الضخم الذي سيُخصص للرئيس الجديد؟ وكم ستكون المبالغ الطائلة المخصصة لـ”النثرية” والمنافع الاجتماعية والامتيازات المالية التي تُصرف في الخفاء، بعيداً عن أي شفافية؟ الراتب الاسمي نفسه مهول، أما “النثرية” والمخصصات الإضافية فتُشكل فضيحة بحد ذاتها، ولا يُعلن عنها إلا نادراً. والأدهى من ذلك كله، أن هناك اتصالات مكثفة جارية حالياً — حسب التسريبات التي وصلت — لتعيينات عائلية وأقارب وأصدقاء خارج كل التشريعات والقوانين المعمول بها. جيش من “المستشارين” سيحصلون على رواتب تتراوح بين ثلاثة ملايين ونصف وتتجاوز الخمسة ملايين دينار شهرياً! رواتب خيالية في بلد يغرق في الفقر والعجز تقارير موثقة سابقة — وستكون هناك حتماً تقارير لاحقة بعد أسابيع أو أشهر — تُثبت أن رواتب الرئاسات والمسؤولين والمتقاعدين من الدرجات العليا تستهلك جزءاً ضخماً من الميزانية، بينما يُطالب الجميع بإنهاء هذه الفوارق الشاسعة بين المسؤولين وباقي الموظفين الذين يعيشون على الحد الأدنى. في الوقت الذي يتقاضى فيه هؤلاء ملايين الدنانير شهرياً تحت ستار “المنصب” و”النثرية” و”الحماية” و”الديكور”، لا تزال آلاف العوائل العراقية المتعففة تبحث عن لقمة الخبز في مكبات النفايات ومخلفات القمامة. صورهم تنتشر يومياً على وسائل التواصل: أمهات وأطفال وشيوخ ينبشون في القمامة بحثاً عن بقايا طعام أو علب بلاستيكية يمكن بيعها ببضع مئات من الدنانير. هذا هو الواقع المُر: بينما يتنافس السياسيون على تغيير ديكور القصور وتوزيع المناصب الوهمية وملء جيوب الأقارب، يموت الشعب جوعاً أو يتسول في الشوارع. هذه ليست مجرد إدارة سيئة… هذه نهب منظم لثروات الشعب تحت غطاء “الدولة” و”المنصب الدستوري”. وإذا لم يتوقف هذا الإسراف المجنون والمحسوبية الفاضحة، فإن الفاجعة لن تتوقف عند قصر السلام، بل ستبتلع ما تبقى من كرامة العراق ومستقبل أجياله. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: متى يدرك هؤلاء أن الشعب لم يعد يتحمل، وأن صبره قد نفد؟ أم أنهم يعيشون في عالم موازٍ تماماً، بعيد عن معاناة ملايين العراقيين الذين يدفعون الثمن كل يوم؟.
وإليكم بعض من تفاصيل فضائح الإسراف السابقة في رئاسة الجمهورية العراقية وغيرها من الرئاسات، تكشف حجم النهب المنظم واللامبالاة المقيتة تجاه معاناة الشعب:
1. فضيحة ترميم قصر السلام و”ديكور السيدة الأولى” في عهد الرئيس السابق برهم صالح، صرفت زوجته مبالغ فلكية على ترميم وتجديد قصر السلام (القصر الرئاسي الرئيسي في بغداد). التقارير المتداولة تتحدث عن صرف يتجاوز التسعة مليارات دينار (بعضها يشير إلى ستة مليارات وربع) لتبديل الأثاث، تغيير الديكور، والترميمات الفاخرة. هذا في الوقت الذي كانت فيه خزينة الدولة تعاني عجزاً حاداً، وتتأخر رواتب المتقاعدين والرعاية الاجتماعية، ويئن الموظفون تحت وطأة الأزمات المالية. السيدة الأولى كانت تتصرف كأن القصر ملكية شخصية خاصة بها، لا قصر دولة يفترض أنه يخدم الشعب. اليوم، وبعد تنصيب نزار آميدي ، تتكرر نفس الرغبة في “تغيير الديكور” مرة أخرى، كأن القصور الرئاسية مصممة لتكون ورشة تجديد مستمرة على حساب جيوب الفقراء.
2. إسرافات رئاسة عبد اللطيف رشيد (الرئيس السابق مباشرة)
- صرف 640 مليون دينار من خزينة الدولة لترميم “منزل الشاوي الأثري” في بغداد، والذي خُصص لمركز ثقافي يشارك في إدارته الرئيس وزوجته! هذا المنزل “الأثري” تحول إلى مشروع شخصي على حساب المال العام، في وقت يرزح فيه العراق تحت أعباء اقتصادية خانقة.
- طباعة كتاب بعنوان “وثائق القصر الرئاسي” يروج لأنشطة الرئيس، بكلفة بلغت حوالي 4 مليارات دينار (كل طبعة حوالي 900 مليون). أربع طبعات متكررة لكتاب دعائي، بينما المستشفيات تفتقر للأدوية والمدارس للكتب!
هذه ليست إدارة… هذه نهب مباشر للمال العام تحت غطاء “الثقافة” و”التراث”.3. رواتب ومخصصات الرئاسات الثلاث: السرقة المؤسسية ورواتب الرئاسات (جمهورية، وزراء، برلمان) تمثل استنزافاً مرعباً:
- رئيس الجمهورية: راتب اسمي يصل إلى 50 مليون دينار شهرياً + 40 مليون نثرية وضيافة، أي حوالي 90 مليون دينار شهرياً (أكثر من 60 ألف دولار). سنوياً يتجاوز المليار دينار.
- الوزراء: يصل راتبهم إلى 35 مليون دينار شهرياً مع المخصصات.
- إجمالي رواتب الرئاسات الثلاث + الدرجات الخاصة: يستهلك جزءاً هائلاً من الميزانية (بعض التقارير تقول إن رواتب الرئاسات وحدها تشكل نسبة كبيرة من إجمالي رواتب الدولة التي تصل إلى عشرات التريليونات).
أما “النثرية” والمنافع الاجتماعية والحمايات الشخصية فهي الفضيحة الحقيقية، لأنها تُصرف في الخفاء دون شفافية، وتشمل:
- مخصصات ضيافة وملابس وقيافة.
- حمايات شخصية هائلة العدد تكلف ملايين الدولارات سنوياً.
- رواتب مستشارين وهميين تصل إلى 5 ملايين دينار شهرياً أو أكثر، غالباً لأقارب أو حزبيين لا يقرأون ولا يكتبون، وبعض شهاداتهم مزورة.
تقارير موثقة تكشف أن رواتب الرئاسات والمتقاعدين من الدرجات العليا تلتهم ميزانية ضخمة، بينما يعاني ملايين الموظفين من رواتب هزيلة، ويُطالب الجميع بإنهاء “الفوارق الشاسعة” التي تشبه الفجوة بين الملوك والعبيد.
4. الفساد الأكبر: مئات المليارات المنهوبة الرئيس السابق برهم صالح نفسه اعترف بأن 150 مليار دولار من أموال النفط سُرقت وهربت خارج العراق منذ 2003. لجنة النزاهة البرلمانية تحدثت عن 350 مليار دولار تهربت خلال 17 عاماً. هذه الأرقام الهائلة كانت كفيلة ببناء عراق جديد، لكنها ذهبت إلى جيوب الفاسدين والأحزاب والعائلات. الإسراف في القصور والديكور والنثريات ليس سوى “القطرة” المرئية من بحر الفساد. أما الجزء الأكبر فيتمثل في العقود الوهمية، التعيينات الحزبية، والرواتب المزدوجة التي يتقاضاها عشرات الآلاف.
5. الجانب المأساوي: الشعب ينبش في القمامة بينما تُنفق المليارات على تغيير ستائر قصر السلام أو طباعة كتب دعائية، تنتشر صور آلاف العوائل العراقية المتعففة وهي تبحث عن لقمة العيش في مكبات النفايات في بغداد، الديوانية، كربلاء، والفلوجة. أمهات وأطفال وشيوخ ينبشون في القمامة بحثاً عن بقايا طعام أو علب بلاستيكية تباع ببضع مئات من الدنانير. هذا المشهد يتكرر كل عام، خاصة في شهر رمضان، كدليل حي على فشل الدولة ووحشية المحاصصة. هذه ليست “إدارة سيئة” فقط… هذه جريمة منظمة ضد الشعب العراقي. نظام يوزع المناصب كغنائم حرب، يبني قصوراً فاخرة على حساب رواتب الفقراء، ويترك الملايين يتسولون في الشوارع وينبشون في المزابل. والسؤال الذي يحرق: متى سيفهم هؤلاء “القادة” أن صبر الشعب قد نفد، وأن الإسراف المجنون والمحسوبية الفاضحة لن تستمر إلى الأبد؟ أم أنهم يعيشون في قصورهم المجددة، بعيداً تماماً عن رائحة القمامة التي يتنفسها الشعب كل يوم؟ هذا الإرث المخزي يتكرر اليوم مع الرئيس الجديد نزار آميدي ، والتقاتل على مناصب المستشارين الوهمية بدأ منذ الساعات الأولى. التاريخ يعيد نفسه، والشعب يدفع الثمن مرة أخرى.
المعروف عن الرئيس العراقي الجديد يتناول أرقى أنواع الويسكي المعتق عالمياً حيث تبلغ سعر القنينة الواحدة من نوع Balvenie 40 Year Old ويعد من أغلى الأنواع وأكثرها طلباً، وتتجاوز أسعاره غالباً 4,000 إلى 5,000 جنيه إسترليني ؟ فهل ستكون فاتورة الشراء على حسابه الشخصي ومن راتبه الذي يستلمه أم سوف تضاف الى فاتورة خزينة الدول العراقية ؟
والإجابة المباشرة والصارخة: في نظام المحاصصة العراقي، الفاتورة ستُضاف إلى خزينة الدولة، وليس على حساب الرئيس نزار آميدي الشخصي من راتبه. هذا ليس تخميناً، بل هو الواقع المُجرب والمُكرر منذ 2003.لماذا خزينة الدولة وليس جيبه الخاص؟
- الراتب الاسمي لرئيس الجمهورية يتراوح بين 35 إلى 65 مليون دينار شهرياً (حسب التقديرات المختلفة)، وقد يصل الإجمالي مع المخصصات إلى 90 مليون دينار أو أكثر.
- هناك مخصصات نثرية وضيافة منفصلة تصل إلى 40 مليون دينار شهرياً (أو أكثر في بعض الحالات)، وهي مخصصة رسمياً لـ”الضيافة”، الاستقبالات، والنفقات التمثيلية. هذه الفئة هي الثغرة الذهبية التي تبتلع فيها كل شيء: من الوجبات الفاخرة إلى المشروبات الغالية، وحتى “الديكور” والأثاث.
- بالإضافة إلى ذلك، هناك ميزانية ضخمة لـ”الخدمات”، “الضيافة”، “الحماية”، و”المنافع الاجتماعية” داخل رئاسة الجمهورية، وهي تُصرف بمرونة عالية وبشفافية منخفضة جداً.
قنينة Balvenie 40 Year Old الواحدة (وهي من أرقى وأغلى الويسكي المعتق عالمياً) تبلغ سعرها حالياً ما بين 8,000 إلى 9,000 دولار أمريكي (أي حوالي 10 إلى 12 مليون دينار عراقي أو أكثر حسب السوق والضرائب والشحن). لو اشترى الرئيس قنينة واحدة فقط كل أسبوعين، فإن تكلفتها السنوية ستتجاوز بسهولة راتبه الاسمي كاملاً. لكن في الواقع، الضيافة الرسمية تشمل عشرات أو مئات الزجاجات سنوياً للاستقبالات الدبلوماسية، الوفود، والمناسبات. هل يدفع الرئيس من جيبه؟ بالتأكيد لا.
هذه النفقات تُسجل تحت بند “الضيافة الرسمية” أو “المصروفات التمثيلية”، وتُدفع من خزينة الدولة، أي من أموال الشعب العراقي: نفط، ضرائب، رسوم… إلخ. والسياق الأوسع والأكثر مرارة وفي بلد يعاني فيه آلاف العوائل من الجوع ويبحثون عن لقمة العيش في مكبات القمامة، يُعتبر شراء ويسكي بعمر 40 عاماً بآلاف الدولارات “ضيافة رسمية” مشروعة. نفس النظام الذي يصرف مليارات على ترميم قصور وتغيير ديكور وتعيين مستشارين وهميين، لن يتردد في إضافة زجاجات Balvenie إلى فاتورة “النثرية”.الأمر لا يقتصر على الرئيس الجديد نزار آميدي (الذي لم تظهر حتى الآن أي تقارير موثقة علنية تربطه شخصياً بهذا النوع من الويسكي، والمعلومة التي ذكرتها تبدو شائعة أو إشاعة متداولة). السابقون فعلوا الشيء نفسه: ديكورات بمليارات، كتب دعائية بمليارات، منازل أثرية بمئات الملايين، وحمايات ومستشارين يستنزفون الخزينة. والنتيجة؟ ان الفاتورة دائماً على الشعب. الراتب الشخصي مجرد غطاء شكلي. أما الإسراف الحقيقي فيأتي من المخصصات والنثريات والضيافة التي لا تخضع لمحاسبة صارمة أو شفافية حقيقية. وهذا هو جوهر فجيعة سوء استخدام السلطة في العراق: يعيش المسؤول كملك، ويدفع الشعب فاتورة ترفُّهِ، حتى لو كانت زجاجة ويسكي بعمر أطول من عمر الكثير من المتقاعدين الذين ينتظرون رواتبهم. وإذا استمر هذا النمط، فإن “السيدة الأولى” ستغير الديكور مرة أخرى، والمستشارون سيتقاضون ملايين، والضيافة ستشمل أرقى المشروبات… وفي النهاية، سيبقى المواطن العادي يدفع الثمن من جيبه الخاوي. هذا ليس “منصب دستوري”، بل مزرعة خاصة ممولة من المال العام.