جديد

سقوط الأحلام: كيف سحقت إرادة الشعوب هذيان واشنطن ومماطلة الغدر؟

أمةالملك الخاشب

يكتسي المشهد السياسي الراهن في المنطقة ملامح انعطافة تاريخية كبرى، حيث تتهاوى أساطير الهيمنة الأمريكية عند عتبات الصمود الأسطوري لمحور الجهاد والمقاومة، في مشهد يزاوج بين الانكسار العسكري لواشنطن والهزيمة النفسية لرموزها. فبينما يغرق دونالد ترامب في حالة من الهذيان السياسي والخرف الاستراتيجي، تخرج تهديداته الجوفاء فاقدة للقيمة الردعية، لتصبح مجرد ضجيج في فضاء دولي بات يدرك أن موازين القوى قد تغيرت جذرياً، وهو ما أكده السيد عبد الملك الحوثي في خطاباته حين وصف تخبط الإدارة الأمريكية بأنه “تعبير عن العجز والفشل في كسر إرادة الشعوب الحرة”، مشيراً إلى أن العقلية الاستعلائية لترامب ومن خلفه اللوبي الصهيوني لا تدرك أن زمن الإملاءات قد ولىّ إلى غير رجعة.

هذا الانكسار لم يكن حبيس التحليلات الإقليمية، بل ضجت به كبريات الصحف العالمية؛ حيث أشارت تقارير في “نيويورك تايمز” و”الغارديان” إلى أن سياسة “الضغوط القصوى” قد ارتدت سلباً على واشنطن، بل إن مراكز أبحاث دولية أكدت أن “عصر التفرد الأمريكي في مياه المنطقة قد انتهى”، مشيدة بحجم الصمود الإيراني الذي استطاع تحويل “الوجع” إلى قوة دفع ذاتية. هذا الصمود، الذي تجلى في شجاعة وعزة أظهرها الشعب والجيش الإيراني، يعكس تجذر الثقافة الكربلائية ومبدأ “هيهات منا الذلة” في وجدان هؤلاء القوم، حيث أصبح الاستعداد للتضحية هو السد المنيع الذي تتحطم عليه أوهام “تغيير النظام” أو إخضاع الدولة.

وفي خضم هذه المواجهة، تبرز المماطلة الأمريكية كأداة يائسة لتعويض الفشل الميداني، وهو ما تجلى في تعثر مفاوضات إسلام آباد؛ حيث نكثت واشنطن بالنقاط العشر المتفق عليها، ورفضت تنفيذ وقف إطلاق النار في لبنان، محاولةً بكل خسة فصل جبهة لبنان عن عمقها المقاوم. وهنا يستحضر التاريخ جملة الشهيد عمر المختار: “ما أردتم السلام يوماً.. إن أردتم إلا الوقت”، لتعبر بدقة عن النهج الأمريكي الذي يسعى لشراء الوقت للكيان الصهيوني الغارق في وحل الاستنزاف، ولتكسب أمريكا بنفسها المزيد من الوقت بعد أن دمرت ايران القواعد الأمريكية في الخليج وأخرتها عن الخدمة , ومع كل محاولات الخداع والمكر الأمريكية تطل علينا حكومة نواف سلام في لبنان بمواقف تتسم بالعمالة والانحطاط، وهي تتفرج على استباحة الأراضي اللبنانية وقتل الشعب اللبناني، بل وتجرؤ على تحميل المقاومة المسؤولية، داعية لحوارمباشر عقيم مع الكيان يهدف لشرعنة الانبطاح وهي من سمعت نتنياهو ومسؤوليه ومندوب إسرائيل في أمريكا عدة مرات يتكلمون عن ما يسموه حقوق كيانهم في بناء ما يسمى إسرائيل الكبرى .

وعلى الضفة الأخرى من النضال، يبرز ثبات الموقف اليمني كعامل حاسم في هذه المعادلة، وهو ما لخصه الشهيد إسماعيل قاني، قائد قوة القدس في الحرس الثوري، حين أكد أن اليمن الذي أجبر الأساطيل الأمريكية على الفرار من البحر الأحمر قد رسم خارطة طريق لطرد الوجود الأجنبي من المنطقة كلياً، مذكراً أمريكا والكيان بكيفية فرارهم خاليي الوفاض من باب المندب.
هذا الترابط في الساحات تُرجم أيضا في مفاوضات باكستان، حين حمل الوفد الإيراني صور ضحايا مدرسة “منياب” وصور القادة الشهداء كحافز أخلاقي يرفض المقايضة على دماء الأبرياء، ليعلن للعالم أن السياسة بالنسبة لهؤلاء القوم هي امتداد للعقيدة، كما جاء في رسالة السيد علي لاريجاني للأمة، والتي ذيّلها بتوقيع “عبد من عباد الله”، لتكون صرخة إيمانية تشكو المظلومية وتؤكد في آن واحد على قوة اليقين التي تهزم الترسانات وتقيم الحجة على هذه الأمة المتخاذلة التي تتأمر على كل مقاوم حر يأبى الخضوع والذل والتبعية لأمريكا والصهيونية .

إن ما يحدث اليوم هو انقشاع لغيم التضليل الإعلامي الصهيوني، حيث انفتحت حقيقة الحضارة الإيرانية على العالم، وكُشف حجم الحقد الأمريكي الذي استهدف مئات الجامعات والمكاتب والجسور ومحطات الطاقة، في محاولة بائسة لضرب العلم والحياة، ومع ذلك عاد اللاعبون المشاهير والفنانون وعارضات الأزياء ليصطفوا مع وطنهم ضد العدوان، مدركين أن أمريكا التي تزعم الوقوف مع الشعب هي ذاتها التي تسعى لتدمير مستقبله ومنجزاته. إنها ملحمة الصمود التي تؤكد أن الشعوب التي تعشق الحسين لا تعرف الانكسار، وأن تهديدات ترامب ليست سوى رقصة الموت الأخيرة لإمبراطورية أدركت أن شمسها في الشرق قد آذنت بالمغيب.