جديد

ما بعد الحرب على ايران

محمد شريف أبو ميسم

سواءٌ عادت الحربُ بخرق الهدنة، أو لم تعد، فإن معطياتها أثبتت صعوبة تحقيق أهدافها، وأن ثمة واقعاً جديداً قد بدأ بالتشكل، لتكون مرحلةُ ما بعد الحرب ليست كما ما قبلها، إذ تأكد للجميع أن الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة، غير قادرين على إسقاط النظام السياسي في إيران، ومن الصعوبة بمكان أن تستمر هذه الحرب دون أن يدفع من شارك فيها ثمن العدوان، والأهم من كل ذلك هو أن هذه الحرب قدمت لنا حقيقةً مفادها بأن إيران باتت قوةً إقليميةً لا يمكن إدراجها خارج الحسابات الاستراتيجية في المنطقة والعالم.

فكما كان ثمن المواجهة والصمود باهظاً بالنسبة إلى إيران، فإن ثمن العدوان كان باهظاً أيضا بالنسبة لأمريكا وإسرائيل وأعوانهما في المنطقة، لأن مسارات هذه الحرب فرضت -وعلى ما يبدو- واقعاً جديداً لم يكن في حسابات المعتدين، قوامه مداد الصمود والتلاحم بين الشعب الإيراني وقيادته، وقدرة إيران العسكرية القائمة على التوظيف العلمي للتكنولوجيا ولعمقها الجغرافي وقدراتها البشرية والجيوسياسية، بالتساوق مع التعاطف العربي والإسلامي معها بعد اتضاح ملامح الصورة الحقيقية، وسقوط سردية “دولة الملالي” التي تريد نشر الخرافة والتخلف، وعلو كعب الإسلام الحقيقي القائم على الإيمان بالله والجهاد ضد أعداء الله، اعتماداً على الذات والعلم والمعرفة في صنع أدوات الردع، ليكون طلب العلم والتنظيم والانضباط على طاولة كانت ملأى بملامح مشوهة رسمتها وسائل الإعلام.

الأمر الذي حفز العقل العربي على إعادة طرح الأسئلة، وأخرج الرأي العام من أتون سبات قوامه الاستهلاك وإشباع الحاجات اعتماداً على المال حد شراء السلام والأمن من الأقوياء، الأمر الذي فرض واقعاً جديداً يعيد الحسابات التي دجنتها أدوات العولمة الثقافية بأساليب الكذب والخداع والتدليس. وعلى الأرض خرجت إيران ومعها محور المقاومة وهما أكثر تماسكاً، إذ فرضت إيران الأمر الواقع على المنطقة، فلا حصانة للتواجد الصهيوأمريكي، ولا سلامة لمن يقيم القواعد الأمريكية لتكون منصاتٍ للعدوان على الذين يقاومون المشاريع الصهيونية، وعلى الجميع أن يعي أن السلام لا يتجزأ أو أن أتون النار لا تستثني من يرحب بالتواجد الصهيوأمريكي.

إذن فإن هذه الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين من يريد إقامة مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يتماهى مع مشروع إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، وبين إيران التي تقاتل بالنيابة عن شعوب المنطقة، بل هي أشبه بعملية إعادة “ضبط المصنع” بالنسبة للهاتف النقال، فرضت فيها التكنولوجيا الإيرانية نفسها لصياغة موازين جديدة في المنطقة، حيث خرجت من أتون النار وهي تمسك بمفاتيح “الأمر الواقع” فلا التهديد والوعيد الأمريكي طال البرنامج النووي الإيراني، ولا الشعب الإيراني انقلب على نظامه السياسي ليحل محله نظامٌ حليفٌ لأمريكا، بل على العكس حيث التلاحم الشعبي غير المسبوق، وحيث القبول بالتضحية مقابل الصمود.

وحين أدرك المعتدون فشل تحقيق أهدافهم، بعد التدهور الذي لحق بالاقتصاد العالمي جراء ارتفاع أسعار الطاقة، وما ترتب على هذا الارتفاع بفعل السيطرة الإيرانية المطلقة على مضيق هرمز، تركت إيران لخصومها مرارة القبول بالواقع الجديد في خيار التفاوض على “الورقة التي قدمتها إلى الوسيط الباكستاني” بوصفها المحاور الرئيسي لقبول وقف إطلاق النار والدخول في الهدنة، أو استمرار الحرب التي أدخلت الإدارة الأمريكية في مأزق الرؤية، الأمر الذي كرس علو الكعب الإيراني وساهم في بروز إيران بوصفها قوةً عظمى في المنطقة، وبرغم التحشيد والتهديد والوعيد الذي أفقد الولايات المتحدة هيبتها أمام العالم، وبرغم ارتكاب جرائم الحرب على مرأى ومسمع الرأي العام العالمي، إلا أن الصمود الإيراني أطاح بفزاعة القدرات الأمريكية وبشر بانتهاء عصر الإملاءات الأمريكية في المنطقة..