دسّ السم في العسل حين يُعاد تعريف السيادة، ويُفرَّغ ميزان القوة من مفهومها
عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
لم تعد الضغوط على لبنان تُمارَس فقط عبر الأدوات العسكرية، بل إنتقلت إلى مستوى أكثر تعقيدًا، يقوم على إعادة صياغة المفاهيم: فيصبح التنازل “مرونة” ، والإنصياع “واقعية” ، ونزع عناصر القوة “بناء دولة”.
وهذا المسار برز بوضوح بعد اتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، حيث رُفِع شعار “التفاوض مع الدولة اللبنانية”، بوصفه تكريسًا للسيادة، بينما استُخدم عمليًا كمدخل لعزل عنصر الردع الأساسي الذي فرض توازنًا في مراحل سابقة.
فخلال مهلة الستين يومًا المفترضة للإنسحاب، لم يتحقق الإنسحاب الكامل، بل ترافقت المرحلة مع تصاعد في الإعتداءات وتوسّع في الأضرار، الأمر الذي أظهر فجوة واضحة بين النصوص والوقائع.
وفي المقابل، إلتزمت الأطراف اللبنانية الرسمية بسقف منخفض من الرد، ما خلق إنطباعًا بأن “الضمانات” لم تكن كافية لضبط الميدان، بل ساهمت في تقييد هامش الحركة اللبنانية.
وتزامن ذلك مع تحوّل في الخطاب الرسمي: تقليل أهمية المواقع العسكرية المحتلة، والحديث عن معالجات دبلوماسية طويلة الأمد، بالتوازي مع طرح سياسات داخلية مثل حصر السلاح بيد الدولة، في ظل استمرار الإختلال.
فهذه المفارقة – نزع أدوات القوة قبل تثبيت الاستقرار الكامل – تعني عمليًا الدخول إلى أي تفاوض من موقع أضعف.
والمنعطف الأخطر تمثّل في الانتقال من إدارة وقف إطلاق النار، إلى الحديث عن مسارات سياسية أوسع قد تصل إلى تفاهمات بعيدة المدى، في وقت لا يملك فيه لبنان أوراق ضغط كافية.
فالتفاوض، في علم السياسة، لا يقوم على النوايا بل على توازنات القوة.
وفي هذا السياق، تبرز النقطة المفصلية التي يمكن وصفها بـ”خطيئة الحسابات”:
فصل المسارات بين الساحتين اللبنانية والإقليمية(إي.ران) ، رغم وجود ترابط واضح بينهما.
وهذا الفصل حرم لبنان من الإستفادة من عناصر قوة إقليمية(إي.ران) كان يمكن أن تُستخدم لتحسين شروط التفاوض.
فالدول لا تدخل المفاوضات منفردة حين تتقاطع مصالحها مع ملفات أوسع، بل تحاول تعظيم أوراقها عبر الربط الذكي بين المسارات.
ونتيجة ذلك، دخل لبنان إلى المشهد التفاوضي بأوراق محدودة، فيما استُخدم هذا الضعف لتكريس وقائع ميدانية جديدة. وقد ترافقت هذه المرحلة مع تصعيد عسكري كبير استهدف مناطق مدنية وبنى تحتية، ما زاد من كلفة الفراغ في ميزان الردع. في مثل هذه الظروف، لا يكون الخلل فقط في الحدث نفسه، بل في غياب أدوات التأثير عليه أو الحدّ منه.
وهذا يقود إلى قراءة أعمق لما نقلته “أكسيوس”، حيث يظهر نموذج واضح لـ **”الدبلوماسية المغلَّفة”** :
حديث متزامن عن “أمن إسرائيل” و”سيادة لبنان” .
فظاهريًا تبدو معادلة متوازنة، لكنها عمليًا تقوم على ربط السيادة اللبنانية بشروط أمنية خارجية. أي أن مفهوم السيادة يُعاد تعريفه بحيث يصبح مرهونًا بمدى تحقيق الاستقرار على الحدود من منظور الطرف الآخر.
وأما العبارة بأن: “إسرائيل في حالة حرب مع حزب الله وليس مع لبنان”، فهي تحمل دلالة سياسية عميقة:
إعادة توصيف الصراع بطريقة تفصل بين الدولة وأحد مكوّناتها الأساسية، ما يفتح الباب أمام ضغوط دولية لإعادة ترتيب الداخل اللبناني تحت عنوان “الإستقرار”، بدل معالجة أصل المشكلة المرتبطة بالحدود والإعتداءات.
وفي ضوء ذلك، يصبح الحديث عن “الحوار بين الجانبين” أقرب إلى طرح مُجمَّل يتجاوز الوقائع المعقّدة على الأرض، ويقدّم مسارًا سياسيًا يبدو منطقيًا شكليًا، لكنه يستند إلى ميزان قوى غير متكافئ.
وفي المحصلة، فإن ما يجري ليس مجرد مبادرات سياسية، بل عملية إعادة تشكيل تدريجية للمشهد:
تقليص عناصر القوة، توسيع هامش الضغوط، وتقديم ذلك كله ضمن خطاب دبلوماسي ناعم.
والخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الضغوط، بل في تحوّلها إلى مسلّمات يُعاد من خلالها تعريف السيادة والخيارات الوطنية.
فالحذر كل الحذر من غدر النرجسي المضطرب تراَب ، ومجرم الحرب المُدَان نتنياهو ،فشيمتهم الغدر.
وقال رسول اللهُ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: <<لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِن جُحْرٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ>>.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
14 نيسان/ أبريل 2026