جديد

مضيق هرمز يبتلع ترامب

كيف دفع جنون ترامب باقتصاد العالم إلى حافة الانتحار؟

اسعد عبدالله عبدعلي

 يبدو أن الرئيس (غريب الاطوار) دونالد ترامب (خريج جامعة ابستين) قد قرر أن إدارة الاقتصاد العالمي لا تختلف كثيراً عن إدارة محل بقالة صغير, فاذا لم يعجبه العامل مباشرة يقول له: “انت مطرود”. فقد قرر ترامب أن يقول للملاحة الدولية بأكملها: “أنتِ محاصرة”.

وبينما كان العالم يظن أن القمم الدبلوماسية تُعقد لتهدئة النفوس ولإحلال السلام، يبدو أن ترامب اعتبر انهيار محادثات إسلام آباد مجرد “إحماء” لعرضه الأكبر، محولاً مضيق هرمز إلى “بركة سباحة خاصة” يمنع فيها الصيد والشحن بقرار ترامبي مجنون, ينم عن قدر من الرعونة جعل كبار الاقتصاديين يفتشون في دفاترهم عن فصل “كيف نعيش في عصر يحكمه مجنون برتقالي ارعن”؟ حيث أشعل قراره بفرض “حصار بحري شامل” على مضيق هرمز وجميع الموانئ الإيرانية موجة عارمة من الصدمة والذعر, في العواصم العالمية والأسواق المالية على حد سواء.

هذا الإجراء الدراماتيكي، الذي جاء كرد فعل انتقامي سريع عقب انهيار محادثات السلام في إسلام آباد، يمثل في نظر المحللين أحد أكثر القرارات “رعونة” وتطرفاً في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية المعاصرة؛ إذ لم يكتفِ ترامب بهز استقرار منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل دفع بالنظام التجاري العالمي نحو حافة الهاوية، وهو ما أكدته توصيفات كبريات المؤسسات الإعلامية العالمية، حيث رأت انها مقامرة غير محسوبة العواقب, تتجاوز الضغط السياسي لتصل إلى حد الخنق الاقتصادي الشامل, الذي يهدد بحرق أصابع الجميع، حلفاءً وخصوماً، في سعيه لتحقيق انتصار دبلوماسي من تحت أنقاض المفاوضات الفاشلة.

·     الاستراتيجية الأمريكية: سياسة “الخنق الكامل

تتمثل الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في عهد ترامب في تبني سياسة “الخنق الكامل” التي تهدف إلى تحويل مضيق هرمز من ممر مائي دولي إلى منطقة عمليات عسكرية مغلقة، حيث تجاوز الرئيس الأطر الدبلوماسية التقليدية ليعلن عبر منصات التواصل الاجتماعي عن تفويض البحرية الأمريكية بالبدء فوراً في اعتراض وتدمير أي سفينة تحاول عبور المضيق دخولاً أو خروجاً من الموانئ الإيرانية.

هذا التصعيد العسكري المباشر، الذي برره ترامب بوصف السلوك الإيراني بأنه “ابتزاز عالمي” يستوجب رداً رادعاً، يسعى في جوهره إلى تصفير الصادرات النفطية الإيرانية وحرمان طهران من آخر قطرة نفط يمكن أن تدر عليها عائداً مالياً، مما يعني عملياً شل الدولة الإيرانية بالكامل. و

مع ذلك، يرى الخبراء والمحللون أن هذه الاندفاعة “الترامبية” قد ترتد عكسياً على واشنطن؛ فبدلاً من تحقيق نصر سريع، قد تجد الولايات المتحدة نفسها غارقة في مستنقع “حرب استنزاف بحرية” طويلة الأمد, لا تقتصر مخاطرها على المواجهة العسكرية المباشرة فحسب، بل تمتد لتشمل تكاليف تأمين وشحن باهظة وتداعيات أمنية غير مسبوقة, تهدد سلامة الملاحة العالمية برمتها وتضع هيبة القوة الأمريكية على المحك, أمام تكتيكات الحرب غير المتناظرة التي قد تلجأ إليها طهران.

·     الرد الإيراني: “الأمن للجميع أو لا أحد

جاء الرد الإيراني على هذه الخطوة سريعاً وحاداً ليعكس استراتيجية “الأمن للجميع أو لا أحد”، حيث سارعت طهران إلى إدانة الحصار وتصنيفه كـ “قرصنة دولية” مكتملة الأركان وعمل غير قانوني ينتهك صريح المواثيق البحرية، مشيرةً من خلال تصريحات الحرس الثوري إلى أن أي اقتراب للقطع البحرية الأمريكية من المضيق سيُعد خرقاً مباشراً لاتفاقات وقف إطلاق النار القائمة، وهو ما سيُقابَل برد عسكري “قاسٍ وحاسم” لا يمكن التنبؤ بحدوده.

ولم تكتفِ إيران بالتلويح العسكري، بل صاغت “معادلة المضيق” التي تنص بوضوح على أن استقرار وأمن الموانئ في الخليج العربي وحدة لا تتجزأ، فإما أن تنعم كافة دول المنطقة بحرية الملاحة وتصدير النفط، أو أن الأمن سيُفقد للجميع، في تلميح صريح لقدرة طهران على تعطيل حركة المرور في هذا الشريان العالمي الحيوي بالكامل وليس فقط حماية موانئها الخاصة.

وتوازى هذا التهديد الميداني مع تحذير اقتصادي لا يقل خطورة، حيث وجه رئيس البرلمان الإيراني رسالة مباشرة ومبطنة بالسخرية إلى الرئيس ترامب، داعياً إياه للاستمتاع بأسعار الوقود الحالية، مؤكداً أن ارتدادات هذا الحصار ستجعل المواطن الأمريكي يشعر قريباً بـ “الحنين” لأسعار الأربعة أو الخمسة دولارات للجالون الواحد، في إشارة إلى القفزات الجنونية المرتقبة في أسعار الطاقة التي ستضرب الاقتصاد الغربي في مقتل نتيجة هذه الرعونة السياسية.

·     رؤية المحللين: “رعونة” أم “ضغط تكتيكي”؟

يجمع السواد الأعظم من المحللين الغربيين وحتى الشرق اوسطيين على أن تحرك الرئيس ترامب الأخير يتجاوز كونه مناورة سياسية, ليصنف كحالة صارخة من “الرعونة” الاستراتيجية، وذلك لكونه يتجاهل بعمق شديد مدى التعقيد والترابط الوثيق الذي يربط سلاسل التوريد العالمية ببعضها البعض، حيث لا يمكن خنق ممر مائي بهذا الحجم, دون التسبب في انهيار أحجار الدومينو الاقتصادية في شتى القارات, أنه “عمل جنوني” ينم عن ضيق أفق سياسي، الحقيقة  ان واشنطن باتت مهووسة باستهداف إيران لدرجة أعمتها عن رؤية الآلام الحقيقية والاضطرابات العنيفة التي تلحقها ببقية دول العالم، وبشكل خاص في منطقة آسيا والمحيط الهادئ التي تمثل المحرك الفعلي للنمو العالمي.

وتتزايد هذه المخاوف مع بروز احتمالات قوية لردود فعل انتقامية من قوى عظمى أخرى، وعلى رأسها الصين، التي لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تهديد أمنها الطاقي؛ إذ يرى الخبراء أن بكين قد تلجأ لاستخدام “سلاح المعادن الحيوية” والنادرة التي تهيمن على إنتاجها للضغط على الإدارة الأمريكية وإجبار ترامب على التراجع عن حصاره، مما ينذر بتحول الصراع من حصار بحري إقليمي إلى حرب تجارية واقتصادية شاملة تهدد بتمزيق ما تبقى من استقرار في النظام الدولي نتيجة هذه القرارات غير المحسوبة.

·     الخلاصة: العالم في “قبضة الارتجال”..!

في الختام، يبدو أن العالم قد استيقظ على حقيقة مريرة مفادها أن استقرار الكوكب بات رهينة لمزاجية سياسية لا تؤمن بالعواقب؛ فمقامرة الاحمق ترامب في مضيق هرمز لم تكن مجرد محاولة لتركيع خصم إقليمي، بل كانت “رصاصة طيش” أصابت قلب النظام الاقتصادي العالمي.

إن تحويل الشرايين المائية الدولية إلى ساحات لتصفيات الحسابات الشخصية والفشل الدبلوماسي يعكس ذروة الرعونة التي حذر منها المحللون، حيث لم يعد السؤال اليوم هو “متى تسقط طهران؟”، بل “متى ينهار رغيف الخبز وتنطفئ المصانع في عواصم العالم؟”.

وبينما يصر سيد البيت الأبيض “مغتصب الاطفال” على إدارة العالم بعقلية ابستين، يجد الحلفاء والخصوم أنفسهم في خندق واحد لمواجهة تبعات هذا الجنون البرتقالي، مما يضع البشرية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما لجم هذه الاندفاعة غير المحسوبة عبر ضغط دولي تقوده القوى الكبرى، أو الاستعداد لدفن ما تبقى من الرفاهية الاقتصادية تحت أنقاض حصار هرمز، ليبقى التاريخ شاهداً على أن “رجل المبيعات” الذي أراد شراء السلام بالتهديد، لم يبع للعالم سوى الفوضى والفقر والرماد.