أحداث أمة العراق نيسان 2003 وظلم البعث (ح 4)

د. فاضل حسن شريف

تكملة للحلقة السابقة جاء في الموسوعة الحرة عن غزو العراق: إمكانية زعزعة استقرار المنطقة: بالإضافة إلى القول بأن العراق لم يكن أولوية إستراتيجية قصوى في الحرب على الإرهاب أو في الشرق الأوسط، أشار منتقدو الحرب أيضًا إلى أنها يمكن أن تزعزع استقرار المنطقة المحيطة. كان من بين هؤلاء النقاد البارزين برنت سكوكروفت، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي لجورج إتش دبليو بوش. في 15 آب / أغسطس 2002، في افتتاحية صحيفة وول ستريت جورنال بعنوان (لا تهاجموا صدام)، كتب سكوكروفت أنه (من المحتمل أن تكون العواقب الوخيمة هي التأثير في المنطقة… سيكون هناك انفجار في الغضب ضدنا… يمكن أن تؤدي النتائج إلى زعزعة استقرار الأنظمة العربية)، و(قد تؤدي إلى تضخم صفوف الإرهابيين). في تشرين الأول/أكتوبر 2015في مقابلة مع شبكة CNN مع فريد زكريا، اعتذر رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير عن “ أخطائه ” بشأن حرب العراق واعترف بوجود “ عناصر من الحقيقة ” في الرأي القائل بأن الغزو ساعد في تعزيز صعود داعش. في رأي حيدر الخوئي، كان العراق بالفعل (محكومًا بالفوضى) قبل 2003. الرأي العام: في استطلاع أجرته مؤسسة غالوب في آذار مارس 2003، في اليوم التالي للغزو، أيد 76٪ من الأمريكيين العمل العسكري ضد العراق. في استطلاع أجرته شركة YouGov في آذار مارس 2003، وافق 54٪ من البريطانيين على القيام بعمل عسكري ضد العراق. بعد عقد من الزمان، في عام 2013، وجد استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب أن 53٪ من الأمريكيين الذين شملهم الاستطلاع يعتقدون أن حرب العراق كانت خطأ.

عن المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف للدكتور رائد عبيس جرائم حزب البعث في العراق في تقارير منظمة العفو الدولية “السجناء السياسيون”: وسجلت انتهاكات حقوقية على مستوى طبيعة الحقوق السياسية، والمدنية للأفراد والجماعات، وكانت منظمة العفو الدولية أول هذه المنظمات التي أحاطت بها علماً وتوثيقا. لذلك كانت دعوات منظمة العفو الدولية لحكومة البعث مستمرة منذ توليها السلطة وحتى سقوطه في عام 2003، إلى وضع حدٍّ للتعذيب الممنهج وسوء معاملة السجناء السياسيين، وإلى اتخاذ خطوات تشريعية وعملية لتحسين وضع حقوق الإنسان في البلاد بشكل عام والسجناء السياسيين على نحو خاص، وذلك لطبيعة الأحكام التي وردت بشأنهم تبعاً للاتفاقيات الدولية والعهود الحقوقية الدولية التي كان العراق طرفاً فيها لضمان سلامة المعتقلين سياسياً. ولكن ما كُشف أن العراق بلغ مراحل متقدمة من الانتهاكات الخطيرة على هذا المستوى وصلت إلى مرحلة تصريح النظام عبر الإعلام بذلك وليس هذا فحسب بل شرعت قوانين عقابية تقضي بتصفية من يعارض النظام وتوجهاته السياسية، بقول رأس النظام صدام حسين المعدوم شنقاً من يخالف النظام والحزب (أطره طر) أي يقطع الشخص المعارض إلى نصفين أو أكثر، وهي عبارة شهيرة ترددت كثيرا على لسانه صدام حسين في لقاءاته ومقابلاته. وذكرت المنظمة في تقاريرها وأبرزها تقرير يحمل عنوان “التعذيب الممنهج للسجناء السياسيين”، تؤكد فيه طبيعة التعذيب الروتيني، والممنهج الذي يتعرض له السجناء السياسيون والمعتقلون من معاناة جسدية ونفسية مروعة.
وسجلت المنظمة مقابلات مع مئات من الضحايا السياسيين المعذبين في العراق على مر السنين، ولاسيما منذ تولي حزب البعث السلطة فيه، وكشفت عن مجموعة واسعة من أشكال التعذيب، بما في ذلك فقء العيون، والضرب المبرح، والصعق بالكهرباء” وتوفي بعض الضحايا نتيجة لذلك، وأُصيب كثيرون بأضرار جسدية ونفسية دائمة. وتشمل أساليب التعذيب الأخرى التي تعرض لها السياسيون إطفاء السجائر على أجزاء مختلفة من الجسم، وخلع أظافر اليدين والقدمين، وثقب اليدين بمثقاب كهربائي، وتعرض بعضهم للاعتداء الجنسي، بينما أُدخلت أشياء، من بينها زجاجات مكسورة، في أدبار آخرين. بالإضافة إلى التعذيب الجسدي، تعرض المعتقلون للتهديد بالاغتصاب، وخضعوا لعمليات إعدام وهمية. وذكرت منظمة العفو الدولية أن الغالبية العظمى ممن تعرضوا لهذا التعذيب من المعارضين السياسيين وعلى مر السنين حكم البعث كانوا من المسلمين الشيعة، من بغداد أو من جنوب العراق. ويُعد مصير الشيخ نزار، كاظم البهادلي، طالب العلوم الدينية البالغ من العمر 29 عامًا من مدينة صدام، أحد أحياء بغداد، مثالًا نموذجيًا. فقد اعتُقل عام 1999، وتعرض للتعذيب لمدة طويلة في مبنى مديرية أمن مدينة صدام. أُفيد بأن زوجته ووالديه أُحضروا إلى المبنى في أغسطس/آب 1999، وتعرضوا للتعذيب أمامه لإجباره على الاعتراف بأنه أحد المسؤولين عن انتفاضة أبريل/نيسان 1999 التي تعرف بانتفاضة ساعة الصفر في مدينة صدام وقتها، مدينة الصدر حالياً، وقيل إنه اعترف من أجل تجنيب أقاربه المزيد من التعذيب. أُطلق سراحهم بعد اعترافه، لكنه حُكم عليه بالإعدام لاحقًا ونُفذ فيه الحكم في بداية عام 2001. استخدم التعذيب ضد المعارضين السياسيين الآخرين وضباط الجيش والأمن المشتبه في معارضتهم أو تورطهم في محاولات انقلاب. كما يوثق تقرير منظمة العفو الدولية حالات تعذيب وسوء معاملة وإعدام خارج نطاق القضاء للنساء. قُطع رأس امرأة تبلغ من العمر 25 عامًا تُعرف باسم “أم حيدر” في الشارع من دون توجيه أي تهمة، أو محاكمة في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2000، بعد أن فرّ زوجها الذي اشتبهت السلطات في تورطه في أنشطة مسلحة إسلامية، من البلاد، أُخذت أم حيدر من منزلها في حي الكرادة، أمام أطفالها وحماتها، على يد رجال ينتمون إلى فصائل فدائية صدام. أمسك رجلان بذراعيها، بينما سحب ثالث رأسها من الخلف وقطع رأسها أمام السكان، وشهد عملية قطع الرأس أيضاً أعضاء من حزب البعث الحاكم في المنطقة، أخذ رجال الأمن الجثة والرأس في كيس بلاستيكي، واقتادوا الأطفال وحماتهم، ولا يزال مصيرهم مجهولاً الى اليوم. يؤكد التقرير أن التعذيب في العراق يُمارس أيضاً من خلال عقوبات قضائية متنوعة… وكانت هذه “العقوبات القضائية” بما في ذلك بتر اليد والقدم، وكيّ الجبين، وقطع الأذنين، ونشرت على نطاق واسع في وسائل الإعلام العراقية، وكانت توصي المنظمة النظام البعثي على أنه “يجب وضع حد للتعذيب الممنهج ومناخ الخوف الذي ساد في العراق لسنوات عديدة “. ولكن سياسة البعث اتجهت نحو التجاهل ودفعت بتنظيماتها الأمنية نحو التعسف.

عن المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف للدكتور حسين الزيادي أهمية الذاكرة البصرية في توثيق جرائم البعث – مسلسل (اسمي حسن) أنموذجاً: لم يكن الفن مجرد ترفٍ بصري عابر، بل تكمن أسمى أهدافه في قدرته على صهر التاريخ وتحويله إلى شهادات بصرية عصية على النسيان؛ فحين تلبس المظلومية ثوب الصورة والمشهد، أو تجسدها خشبة المسرح، أو تبوح بها القصيدة الشعرية، يصبح هذا التحول ليس مجرد فعلٍ جمالي، بل هو ضرورة وجودية واستحقاق أخلاقي يضمن بقاء الحقيقة نابضة في وجدان الأمة، لتنتقل بأمانة إلى الأجيال بشكل لا يقبل التزييف، لكيلا تعاد المأساة بشكل آخر وبثوب جديد، ولنكون قد أدينا واجبنا تجاه الدماء الطاهرة التي روت أرض البلاد. أهمية التوثيق البصري: خلافاً للتوثيق الورقي فإن التوثيق البصري يمتاز بتأثيره العاطفي وقدرته على ترسيخ المعلومة في الذاكرة، فضلاً عن قدرته على الانتشار وعمق التأثير؛ حماية للذاكرة الجمعية من التآكل والاضمحلال، ويجعل من صرخة الضحية صوتاً مدوياً عابراً للزمان والمكان، والتجسيد الفني البصري يساعد المجتمعات على: ترسيخ الذاكرة الجمعية لأن الإنسان بطبيعته يتذكر المعلومات المرتبطة بصورة أو مشهد بنسبة (80%) مقارنة بالتوثيق الورقي. توحيد فهم الناس للمرحلة السابقة، بالشكل الذي لا يدع مجالاً لتزوير الأحداث وتدليس الحقائق، فهذا النوع من التوثيق يضمن عدم ضياع الحقيقة بمرور الزمن. إضفاء الروح على المعلومة التاريخية والحدث المأساوي من خلال مشاعر الخوف والحزن ولغة الجسد وشكل البيئة والعمارة وغير ذلك. إن رؤية الألم خارج الذات تساعد في فهمه واستيعابه في حين أن قراءة الأحداث لا تولد قدرة على تصور كافٍ للمأساة؛ لأن هذا النوع من التوثيق يعيد الماضي إلى الحاضر. الاعتراف بالمعاناة: الصورة تفرض واقع المأساة على من لم يعشها؛ مما يخلق تضامناً إنسانياً يتجاوز الحدود الجغرافية.

ويستطرد الدكتور حسين الزيادي قائلا: استوحى كاتب الدراما فكرة مسلسل (اسمي حسن) الذي يعرض عبر شاشة قناة العراقية من مضمون حلقة من برنامج تلك الأيام للدكتور والإعلامي والوثائقي حميد عبد الله، عرض خلال الحلقة وثيقة صادرة من مديرية الأمن العامة تتضمن اعتقال (90) شخصا يحملون اسم (حسن) على خلفية البحث عن متهم واحد اسمه حسن، الوثيقة تحمل العدد (29188) صادرة بتاريخ 5-6-1982 ومحتوى الوثيقة يتضمن أمر إلقاء قبض بحق مجموعة من الأسماء يحملون اسم حسن؛ لأن هناك شخصاً واحداً متهماً يحمل هذا الاسم، وهذه الوثيقة ليست مجرد إجراء أمني خاطئ، بل هي وثيقة إدانة تاريخية لنظام قانوني مشوه، شرعن الظلم الجماعي تحت مسميات مختلفة واحتقر الكرامة الإنسانية. المحاكمة القانونية لهذه الوثيقة المرفقة نسخة منها مع ثلاث قوائم بأسماء ثلاثية كلها تبدأ باسم (حسن) تبين أنها دليل مادي على سياسة العقاب الجماعي، إذ غلب الهاجس الأمني على الحقوق الطبيعية، مما يجعلها جريمة ضد الحرية الشخصية لا تسقط بالتقادم، فضلاً عن كونها انتهاكاً صارخاً لجملة من المبادئ والقواعد القانونية: أهمها مبدأ تفريد المسؤولية العقابية، وقاعدة شخصية العقوبة؛ فمن الناحية القانونية، لا يجوز حرمان أي فرد من حريته إلا بناءً على أدلة مادية تربطه بشخصه بجريمة محددة، وبالتالي فإن اعتقال (90) شخصاً لمجرد تشابه الاسم الأول هو إجراء يفتقر إلى السببية القانونية، بل تفتقر إلى أي سند قانوني ويحول الهوية إلى تهمة، مما يصنف الإجراء اعتقالاً تعسفياً مكتمل الأركان، وانتهاكاً لمبدأ قانوني أساسي هو: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني الذي يعد حجر الزاوية في القانون الجنائي. وفقاً للمعايير الدولية: بالنسبة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان: تنتهك الوثيقة المادة (9) التي تحظر الاعتقال التعسفي، والمادة (11) التي تؤكد أن: كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته، حيث أهدر النظام هنا قرينة البراءة وحول الأبرياء إلى رهائن أمنيين، أما العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، فالوثيقة تخالف المادة التاسعة التي تضمن الحق في الأمان الشخصي، إذ لا يجوز تقييد حرية أحد إلا لأسباب ينص عليها القانون، والمادة (15) التي تنص على شرعية العقوبة، والمادة (14) التي تنص على الحق في المحاكمة العادلة، والمادة (26) التي تنص على المساواة وعدم التمييز.