طفح الكيل

الكاتب: حسين شكران العقيلي
١٦ آذار ٢٠٢٦

​لم يعد الصمت خياراً ولم يعد الصبر فضيلة في زمنٍ تُسرق فيه أحلام الناس في وضح النهار لقد تجاوز الفساد حدود الظاهرة ليصبح منهجاً تدار به مفاصل الدولة حيث تحولت المحاصصة من تسوية سياسية إلى سكين يذبح الكفاءات ويوزع المناصب كغنائم حرب على مائدة المنتفعين والمشكلة الحقيقية تبدأ حين لا يُسأل المسؤول (ماذا ستقدم) بل (لمن تنتمي)؟
فهذه المحاصصة المقيتة هي التي أتت بغير الأكفاء إلى سدة القرار فكانت النتيجة الطبيعية هي هذا الفشل الذريع الذي نعيشه في تفاصيل يومنا.
​المناصب في بلادنا لم تعد تكليفاً لخدمة المواطن بل تحولت إلى تشريف لتمثيل الجهة أو الحزب ما أدى إلى ضياع المسؤولية بين الجميع، وضياع الوطن معها في دهاليز المحسوبية.
وبينما يصارع المواطن البسيط لتأمين لقمة عيشه وتفتقر المستشفيات لأبسط المستلزمات الطبية وتغرق المدن في ظلام غياب الكهرباء وانعدام توفير الخدمات تتبخر المليارات في ثقب الاختلاس الأسود
أموال الخدمات التي كان من المفترض أن تبني مدارس وجسوراً تحولت بقدرة قادر إلى عقارات وأرصدة في الخارج في مفارقة مخجلة تعكس انعدام الضمير الوطني والاستخفاف بمقدرات الشعب.
​إن كل شارع محطم، وكل انقطاع للتيار الكهربائي، وكل تدهور في المنظومة التعليمية هو شهادة وفاة لوعود الحكومات المتعاقبة.
هذا الفشل ليس مجرد عجز إداري أو نقص في الموارد، بل هو نتيجة حتمية لمنظومة تفضل الولاء على الأداء وتغلب مصلحة الجيب على مصلحة الوطن
لقد بات واضحاً أن طفح الكيل ليست مجرد عبارة غاضبة عابرة بل هي جرس إنذار أخير وصيحة حق في وجه الاستبداد الإداري والمالي.
​إن الشعوب قد تصبر على الشدائد لكنها لا تصبر أبداً على الظلم الممنهج والاستخفاف بكرامتها لقد انتهت صلاحية الأعذار وسقطت أقنعة الوعود الزائفة،
وحان الوقت ليدرك الجميع أن الدولة التي تُبنى على منطق المغانم وتوزيع الحصص لا يمكن أن تستمر في حماية المواطن أو تأمين مستقبله. فالحساب آتٍ، لأن صرخة الموجوعين لا تموت بالتقادم.