التقاعد إعدامٌ مع وقف التنفيذ

بقلم الكاتب:حسين شكران العقيلي
الجمعة، 8 أيار 2026

​بين ليلة وضحاها، يجد الموظف نفسه خارج أسوار المؤسسةالتي قضى فيها زهرة شبابه ليس كفارس يترجل عن صهوة جواده مكرماً بل كمن يُدفع نحو حافة النسيان.
إن اللحظة التي يُفترض أن تكون (استراحة محارب) تتحول في واقعنا المرير إلى بداية لرحلة من الشقاء المعيشي حيث يصطدم هؤلاء البناة الذين أرست سواعدهم دعائم المؤسسات بواقع مادي مرير يتمثل في راتب تقاعدي هزيل لا يسمن ولا يغني من جوع وكأنما الدولة تعاقبهم على سنوات إخلاصهم بجعل خريف أعمارهم موسماً للفاقة والانكسار.
​إن فلسفة التقاعد في النظم الحديثة تقوم على مبدأ صون كرامة الإنسان وتثمين جهده التراكمي إلا أن المشهد الحالي يعكس مفارقة صارخة فالمؤسسات التي تعلو جدرانها بفضل عرق هؤلاء المتقاعدين تقف اليوم شاهدة على جحود لا يليق بمكانتها فكيف يمكن لراتب لا يغطي فاتورة دواء أو يسد رمق عائلة أن يكون مكافأة لنهاية خدمة امتدت لعقود؟ إن هذا القصور المالي ليس مجرد خلل في الأرقام، بل هو إعدام معنوي ووطني للمكانة الاجتماعية التي كان يتمتع بها الموظف وتحويله من عنصر فاعل ومنتج إلى شخص يبحث عن سبل البقاء في أدنى مستوياتها.
​إن كرامة المتقاعد ليست منحة تُعطى بل هي دين في عنق الدولة والمجتمع، فالوفاء لهؤلاء يتطلب إعادة نظر شاملة في القوانين التقاعدية لتتواكب مع التضخم والغلاء المعيشي، بحيث يضمن الراتب حياة تليق بشيبتهم وتضحياتهم.
إن إهمال هذه الشريحة يبعث برسالة سلبية للأجيال الشابة مفادها أن التفاني في العمل الحكومي والمؤسساتي سينتهي بصاحبه إلى التهميش لذا، فإن إصلاح المنظومة التقاعدية هو ضرورة أخلاقية قبل أن يكون مطلباً اقتصادياً، لضمان ألا يتحول التقاعد إلى حكم بالإعدام الصامت على من أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن.