رياض سعد
مما يُروى عن الإمام علي، حكيم بلاد الرافدين والمشرق، تلك المقولة: “عداوة الضعفاء للأقوياء، والسفهاء للحكماء، والأشرار للأخيار، شيء لا يُستطاع تغييره”.
وبصرف النظر عن سند هذه المقولة ، فإن دلالاتها تشير إلى أمر كاد العقلاء يُجمعون عليه؛ ألا وهو تنافر الأضداد… ؛ فمن المعقول والمطّرد في نواميس الاجتماع أن الظالم يضمر الكراهية للمظلوم ، وأن الكاذب يبغض الصادق بغضاً دفيناً … , والسارقُ لا يطيقُ أن يشمَّ رائحةَ النزاهةِ ولو من بعيد , والخائنُ – ولا ريب – يمقتُ الأمينَ، وكأن وجود هؤلاء الأخيار يمثل مرآة محدّبة تظهر قبح أولئك الاضداد فيستشيطون غيظاً… ؛ وعليه، فإن بغض الغني للفقير واحتقاره إياه يصبح تحصيل حاصل، وهو الأصل الغالب في هذه الدنيا، مع التسليم بأن لكل قاعدة شواذها .
نعم , ليس غريباً أن يبغض الغنيُّ الفقيرَ، ولا عجيباً أن يحتقر القويُّ الضعيفَ… ؛ فمنذ أيقن العقلاءُ بتنافر الأضداد، صارت عداوةُ الأشرار للأخيار، والجهلة للحكماء، والضعفاء للأقوياء، حقيقةً يُقرُّ بها حتى من لا يؤمن بالمأثور… .
لكن الذي يثير الدهشة ويبعث على الأسى حقاً، هو أن يكره المرء شبيهه، وأن يبغض الإنسان من يماثله في العرق والخلق والطبقة والملّة والعقيدة… ؛ لقد استقر في البديهة أن الفقير يدافع بالغريزة عن الفقراء أمثاله، ويشد من أزرهم، وأن يقفَ إلى جوارِهم لا إلى صفِّ اضدادهم من الاغنياء … ؛ لكنَّ الزمنَ – كما يقال – قد انقلبتْ فيه الأكوان… .
نعم , أن هذا الزمن المعجون بالعجائب قد أطلعنا على شذوذ اجتماعي مقيت، حيث نرى البعض ممن نعرفهم حق المعرفة، وقد نشأوا في بيئات الفقر المدقع، وترعرعوا بين أحضان البؤس، وتفيأوا ظلال الحرمان كأغلب أبناء العراق ؛ وقد انقلبوا على اعقابهم .
فهؤلاء، وما إن انفرجت عنهم كربة العوز بعد سقوط نظام الإفقار والتجويع عام 2003، وتحسنت الأحوال المعيشية لعموم الشعب، حتى تغيروا تغيراً هجيناً، وانقلبت طباعهم انقلاباً شائناً، وكشروا عن أنياب الحقد على من كانوا بالأمس شركاءهم في البلوى… ؛ فصاروا يطعنون أمثالهم في ظهورهم، ويتنمرون على أبناء جلدتهم، ويستهزئون بالفقراء من أبناء دينهم وملتهم ومناطقهم ، بل ويبتعدون عنهم ويفرّون منهم فرارهم من الأسد الكاسر، خشية أن يلوث فقرهم نقاء ثرائهم المزعوم!
والأعجب من ذلك كله، أن بعضهم كان إلى عهد قريب لا يكاد يملك قوت يومه، يستجدي الصدقات من هذا وذاك ، ويمد يده متسولاً طالباً المعونة… ؛ فما إن علق الطحين بأظفاره، وذاق فمه طعم اللحم، واقتنى سيارة حديثة، وصار يتردد على المقاهي والمطاعم الفاخرة، حتى ظن نفسه قارون، بل أسمى رتبة وأعلى مقاماً من قارون.
وصار ينظر إلى الفقراء شزراً بعين الازدراء، ويعيرهم ببؤسهم وفقْرهم، كأنه لم يكن واحداً منهم قبل أعوام قليلة!
والأعجب من ذلك أنّ بعضهم لا يكتفي بالابتعاد عن الفقراء، بل يتحول إلى خصمٍ لهم؛ فيسخر من ملابسهم، ولهجتهم، وطريقة عيشهم، وحتى من أحلامهم البسيطة…!!
والأدهى من هذا كله أن هذا السلوك المشين لا يصدر فقط من الأنذال وصغار النفوس، بل قد يصدر ممن يُحسبون على الثقافة والدين والزعامة السياسية، وهنا تكمن الطامة الكبرى.
نعم , أمسى ينظرُ إلى الفقراءِ شَزْراً، ويعيّرُهم بفقرهم، ويستهزئُ بأبناءِ جلدتِهِ، بل يهربُ منهم كأنهم الطاعونُ، أو كأنَّ رائحةَ فقرهم تذكِّرهُ بما كان بالأمسِ القريبِ: جيوباً خاويةً، وأحذيةً مقطوعةً، وكرامةً كانت تُباعُ بأقلِّ الثمنِ.
وكأنّه يريد أن يعلن للناس كل يوم: “أنا لست واحداً منهم بعد الآن”.
إنّ هذه الظاهرة ليست قوة شخصية كما يتوهم البعض، بل هي غالباً نوع من الهشاشة النفسية المقنّعة.
فالإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى إذلال الآخرين كي يشعر بقيمته، أما المهزوز من الداخل فإنه يبني مكانته عبر تحقير من هم أضعف منه.
ولهذا نرى أن أكثر الناس تنمّراً على الفقراء هم أحياناً أولئك الذين خرجوا تواً من الفقر، لأنّ الفقير يذكّرهم بماضيهم الذي يحاولون دفنه.
إنهم لا يحتقرون الفقراء بقدر ما يحتقرون النسخة القديمة من أنفسهم.
وهنا تتحول الثروة الصغيرة أو المنصب البسيط إلى قناع نفسي، لا إلى قيمة حقيقية.
فبعضُ هؤلاء المتنفذينَ الجددِ، الذين أكلوا الدنيا بغيرِ حقٍّ، ينظرون إلى الفقراءِ بازدراءٍ، كأنهم لم يكونوا بالأمسِ منهم… ؛ وكأنَّ نسيانَ الماضي شرطٌ من شروطِ العيشِ الرغيدِ…!!
ولا أدري ؛ لماذا يفعلون ذلك؟ هل هو سعي محموم لتمييز أنفسهم عن طبقتهم الأصلية خوفاً من أن يسحبهم الماضي إلى الوراء؟
أم لأن رؤية الفقراء تمثل لهم مرآة صادقة تعكس ماضيهم البائس وحياتهم الرتيبة التي يريدون محوها من ذاكرتهم الهجينة الجديدة؟
أم أنهم يخشون حسد الفقراء وعيونهم التي ترقب ما في أيديهم؟
أم هو البخل والشح خوفاً من أن يُطلب منهم المساعدة؟
إنها نفوس معقدة، وأعماق مريضة، عانت من عقدة النقص طويلاً، فلما أتيحت لها فرصة التعالي، مارست أبشع صور الاستعلاء.
أظنُّ – والله أعلم – أنَّ النفوسَ الصغيرةَ إذا ما رُكبتْ على أجسادٍ مُتْرَفَةٍ، أنتجتْ هذه الوحوشَ الكارهةَ لأصلها.
صدق الامام علي بن أبي طالب حين قال: “من أُعطي فوق قدره، تنكرت للناس أخلاقه”… ؛ أجل، فقدر بعض هؤلاء أدنى وأقل قيمة من سعر سيارة حديثة، وأقل شأناً من بيت واسع، وأبخس ثمناً من منصب حكومي زائل… ؛ لذا تراهم يتغيرون بين ليلة وضحاها، وتتبلد جلودهم، وتجف مشاعرهم، لأن قدرهم رخيص بطبعهم، ونفوسهم دنيئة بجوهرهم، والمال لم يصنع منهم رجالاً، بل كشف عن معادنهم الأصلية التي كانت مستترة خلف قناع الفقر.
فالسيارة ليست المشكلة، والبيت الواسع ليس عيباً، وتحسن الأحوال المعيشية أمر طبيعي ومطلوب؛ لكن الكارثة أن يتحول النجاح المحدود إلى شعور مرضي بالتفوّق، وإلى رغبة في امتهان الآخرين وإشعارهم بالنقص.
وبغضّ النظر عن صحة السند ودقّته، فإنّ المعنى الذي تختزنه العبارة يكاد يكون حقيقةً اجتماعيةً ونفسيةً تتكرر في كل زمان ومكان؛ فبعض البشر إذا انتقلوا فجأةً من حالٍ إلى حال، ومن ضيقٍ إلى سعة، ومن الهامش إلى شيء من الواجهة، أصابتهم لوثة الاستعلاء، وكأنّهم يريدون الانتقام من ماضيهم عبر احتقار من يشبههم.
إنهم مشوهون مهزوزون فارغون ، وإن ألبستهم السلطةُ والمادة ثيابَ الرجالِ، فالرجالُ من لا تنسيهم النعمةُ جذورَهُم… ؛ أما هؤلاء، فجلودُهُم رخيصةٌ، ونفوسُهُمْ أدنى من أن تُذكَر.
إنها مأساة “شحاذ الأمس وبخيل الايام الخوالي ” الذي صار جلاداً لفقراء اليوم، في واحدة من أبشع صور الانسلاخ الاجتماعي التي يمكن أن تراها عين.
ختاما : من البديهي أن يتعالى الغني على الفقير في مجتمعاتٍ تقوم على التفاوت الطبقي والمادي؛ لأنّ المصالح والبيئات وأنماط الحياة متباعدة، ولأنّ المال كثيراً ما يصنع غروراً مصطنعاً وإحساساً زائفاً بالتفوّق.
لكنّ الغريب حقاً، والمثير للتأمل، أن يحتقر الفقيرُ الفقيرَ نفسه، وأن يتنمّر المعدَم على شبيهه، وأن يسخر إنسان خرج تواً من أزقة الحرمان من أولئك الذين ما زالوا عالقين فيها.
فهنا لا نتحدث عن صراع طبقات، بل عن أزمة نفسية عميقة، وعن إنسان يحاول أن يهرب من صورته القديمة عبر تحطيم المرايا التي تذكّره بها.
في العراق، كما في كثير من البلدان التي عاشت عقوداً من الحصار والفقر والاضطراب، نشأ الملايين في بيوت متعبة، وبيئات مسحوقة، وحياة قاسية لا تعرف الاستقرار.
وكان الفقر عند كثيرين قدراً جماعياً لا عيباً فردياً؛ فالناس كانوا يشبهون بعضهم في التعب، وفي الأحلام المؤجلة، وفي الملابس البسيطة، وفي الخوف من الغد.
لكن بعد عام 2003، ومع تحسن الأوضاع المعيشية لدى فئات واسعة، وصعود طبقات جديدة بشكل سريع ومفاجئ، ظهرت تحولات غريبة في الشخصية الاجتماعية لبعض الأفراد.
فبعض الذين كانوا بالأمس القريب يشتكون الحاجة، أو ينتظرون الراتب بشغف، أو يستدينون ثمن الطعام، انقلبوا فجأة إلى كائنات متعالية تنظر إلى الفقراء وكأنهم جنس أدنى.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذا السلوك لم يعد مقتصراً على الجهلة أو الطارئين، بل أصاب حتى بعض المحسوبين على الثقافة والدين والسياسة.
فنرى من يتحدث عن العدالة وهو يحتقر البسطاء، ومن يرفع شعارات الإنسانية وهو يهرب من الفقراء وكأنهم وباء، ومن يدّعي الدفاع عن الشعب وهو يخجل من الجلوس مع أبناء الشعب الحقيقيين من الفقراء والمساكين والمعدمين .
إنّ الإنسان الأصيل لا يتنكر لجذوره، ولا يخجل من بيئته، ولا يزدري البسطاء الذين يشبهونه.
فالعظمة الحقيقية ليست في تغيير الملابس والسيارات والعناوين، بل في الحفاظ على إنسانيتك بعد أن تتغير ظروفك.
وما أكثر الذين تغيّرت جيوبهم، لكن أرواحهم بقيت فقيرة، بل ربما ازدادت فقراً وقسوةً وخواءً.
إنّ احتقار الفقير للفقير ليس دليلاً على الرقي، بل علامة على خلل داخلي عميق؛ لأنّ النفوس الكبيرة ترتفع فتتواضع، أما النفوس الصغيرة فإذا ارتفعت قليلاً تكبّرت كثيراً.