“العمامة والأفندي”: سوسيولوجيا الخطاب وحركات الاحتجاج الديني
دعوة لقراءة كتاب.
“العمامة والأفندي”: سوسيولوجيا الخطاب وحركات الاحتجاج الديني.
للدكتور فالح عبد الجبار.
يُعد هذا الكتاب أحد أبرز الدراسات السوسيولوجية والتحليلية التي فككت بنية المجتمع العراقي وتحولاته السياسية والدينية خلال القرن العشرين و يهدف الكتاب إلى فهم آليات صعود الحركات الإسلامية الشيعية في العراق متجاوزا التحليلات السطحية ومستندا إلى أدوات علم الاجتماع الحديث لفهم العلاقة بين المؤسسة الدينية التقليدية والقوى الاجتماعية الحديثة.
و لا أعتقد أن ثقافة أي متنور تكتمل بدون المرور به. بل و أزعم أن الوعي الاجتماعي لأي مثقف يبقى ناقصا بدون التدبر فيه وفهمه.
أطروحات الكتاب:
………………..
أولا: دلالة العنوان: ثنائية “العمامة” و”الأفندي”:
يمثل العنوان المفتاح البنيوي للكتاب حيث يرمز إلى صراع وتفاعل بين نخبتين في الفضاء العراقي:
1. “العمامة”. و ترمز إلى النخبة الدينية التقليدية (المؤسسة الحوزوية في النجف) والتي تمثل الشرعية التاريخية والدينية للتشيع الأثنى عشري.
2. “الأفندي”. و يرمز إلى النخبة المدنية الحديثة المتعلمة تعليما غربيا أو حديثا (المثقفون، الضباط، الموظفون، التكنوقراط). والتي صعدت مع نشوء الدولة العراقية الحديثة عام 1921 وتبنت الأيديولوجيات العلمانية (القومية واليسارية).
ثانيا: تاريخية التحديث واختلال التوازن الاجتماعية:
يرى فالح عبد الجبار أن الدولة العراقية الحديثة منذ تأسيسها قادت عملية “تحديث فوقي” متسارع. هذا التحديث أدى إلى:
أ. تفكيك البنى العشائرية والريفية التقليدية ودفع الملايين للهجرة نحو المدن (مثل نشوء مدينة الثورة/الصدر في بغداد).
ب. خلق شريحة واسعة من “البروليتاريا الرثة” أو الفئات الهامشية في المدن التي تعاني من الاغتراب الاقتصادي والثقافي.
ج. فشل النخبة الحاكمة (الأفندية) في استيعاب هذه الكتل البشرية سياسيا واقتصاديا مما خلق فجوة شرعية عميقة.
ثالثا: تحول “العمامة” من التقليد إلى الأدلجة:
يرصد الكتاب بدقة كيف تحولت الحوزة العلمية في النجف من مؤسسة تقليدية “صامتة” أو “انكفائية” تقتصر على الفقه والعبادات إلى مؤسسة منتجة للأيديولوجيا السياسية الحركية.
ويقسم هذا التحول إلى مراحل:
المرحلة الأولى: مرحلة الدفاع اللاهوتي:
صعود الفكر الشيوعي واليساري في الخمسينيات والستينيات شكل تهديدا وجوديا للمؤسسة الدينية.
حيث أقتحم الحزب الشيوعي مدينة النجف وكربلاء – وهو خطأ استراتيجي وقع فيه الشيوعيون – مما دفع رموزا مثل “السيد محمد باقر الصدر” إلى صياغة ردود فكرية وفلسفية واقتصادية مثل كتاب “فلسفتنا” و “اقتصادنا” لإعادة الاعتبار للمنظومة الإسلامية ثم أكملها السيد محسن الحكيم بفتواه الشهيرة (الشيوعية كفر وألحاد).
المرحلة الثانية: تسييس المذهب: الانتقال من الدفاع الفكري إلى العمل التنظيمي الحركي (تأسيس حزب الدعوة الإسلامية وجماعة العلماء) وهنا استعارت “العمامة” أدوات “الأفندي” التنظيمية (الحزب، الخلايا، المنشورات) لمواجهة الدولة والأيديولوجيات العلمانية.
المرحلة الثالثة: سوسيولوجيا الخطاب والجمهور المستهدف:
يحلل عبد الجبار الخطاب الديني الشيعي مستخدما أدوات تحليل الخطاب ويوضح كيف استثمرت الحركات السياسية الدينية الرموز التاريخية (كربلاء، الإمام الحسين، المظلومية) وأعادت إنتاجها كأدوات للتعبئة السياسية والاحتجاج الاجتماعي.
الجمهور الذي استجاب لهذا الخطاب لم يكن مدفوعا بـ “تدين فجائي” بل كان يبحث عن “هوية” و “خلاص” وسط أزمات اقتصادية وسياسية متلاحقة (الحروب، الحصار الاقتصادي، القمع السلطوي).
كانت الغالبية العظمى من القواعد الشعبية لهذه الحركات من الهامشيين والمحرومين الذين وجدوا في الرمزية الدينية ملاذا ولغة للاحتجاج.
المرحلة الرابعة: العلاقة المركبة بين الحوزة والحركة السياسية:
من الأفكار الجوهرية في الكتاب تفكيك اللبس بين “الحوزة” كمنظومة تقليدية عريقة لها حساباتها الحذرة والمستقلة وبين “الأحزاب الإسلامية” التي نبتت في ظلها لكنها امتلكت ديناميكياتها الخاصة. يوضح الكتاب كيف كان هناك نوع من التوجس المتبادل أحيانا والتحالف الاضطراري أحيانا أخرى بين المرجعيات التقليدية والقيادات الحركية الشابة.
خلاصة الأطروحة:
كتاب “العمامة والأفندي” يخلص إلى أن صعود الإسلام السياسي في العراق لم يكن مجرد “ارتداد إلى الماضي” أو ظاهرة دينية بحتة بل هو ناتج حديث لأزمة التحديث والدولة الوطنية.
حين عجز “الأفندي” (الدولة العلمانية بأشكالها الملكية، القومية، أو البعثية) عن تحقيق التنمية والعدالة والاندماج الوطني تقدمت “العمامة” لملء الفراغ مستخدمةً لغة مألوفة ثقافيا (الدين) للتعبير عن مظالم اجتماعية واقتصادية حديثة.