رياض سعد
في هذا العالم، لا تأتي الكوارث دفعة واحدة، بل تتسلل كالماء المتسرب من سقف قديم؛ قطرةً قطرة … ؛ حتى يغدو البيت كله صدأً داخلياً.. ؛ مصباح ينطفئ بلا سبب، جهاز يتعطل في لحظة لا معنى لها، خبر سيئ يتسلل في منتصف يوم عادي كطعنٍ صغير لا يُرى… , ثم يتراكم كل شيء حتى يصبح العيش نفسه سؤالاً بلا جواب.
في ذلك الوقت، كانت زوجتي قد بدأت تميل إلى فكرة غريبة، أو هكذا بدت لي.
قالت وهي تراقبني كمن يبحث عن خلاص غير معلن:
— نحتاج بلبلًا.
ضحكتُ، لا سخريةً منها فقط، بل من العالم كله:
— بلبل؟ في هذا الخراب؟ وهل صار الطائر علاجاً للمشاكل والحظ النحس؟!
لكنها لم تضحك.. , كانت جادة بشكل يثير القلق.
قالت بهدوء يشبه يقيناً طارئاً:
— البلبل يطرد العين.. , يخفف الطاقات السلبية.. , يوازن البيت.
قلتُ، وقد بدأتُ أضيق بالفكرة:
— ومن أين يأتي البلبل بكل هذه المهام ؟! هل صار الطائر وسيطاً بيننا وبين الغيب؟!
أجابت، كأنها تردد ما سمعته لا ما اخترعته:
— هناك طاقات سلبية …, لا تُرى.. , تُرسل من الحاسدين.. ؛ مثل موجات خفية.. ؛ تهاجم الإنسان دون أن يشعر.
صمتُّ قليلاً.. ؛ لم أقتنع، لكنني كنت أستسلم تدريجياً، لا للفكرة، بل للإرهاق من الجدل ذاته.. ؛ في المجتمعات المتعبة، لا تُهزم بالحجج، بل بالتعب.
وفي النهاية، ذهبت.
سوق الطيور كان عالماً موازياً: أصوات متداخلة، أقفاص متراصة، أجنحة تصطدم بالحديد كأنها تحاول تذكير السماء بأنها ما زالت موجودة.. , وبين هذا الصخب، رأيته.
بلبل صغير، مضطرب الحركة، لكنه جميل على نحو يثير حنيناً غير مفهوم.. ,كان يغني كأنه لا يعرف لماذا وُضع في قفص، أو كأنه قرر أن يتصالح مع القفص بالغناء.
اشتريته، وأنا أشعر أنني لا أشتري طائراً، بل أوقع عقداً صغيراً مع شيء لا أفهمه.
في البيت، بدأت التحولات.
لم يعد البلبل مجرد طائر.. , كان شيئاً يتجاوز التعريف.. , كائنًا يراقبني كما أراقبه.. , صوتاً يدخل في الفراغات الصامتة داخل اليوم.. , كأنه خيط رفيع يربطني بما تبقى من الخفة في العالم.
كانت زوجتي تقول:
— ألم أقل لك؟
لكنني كنت أصمت.. , لأنني بدأت ألاحظ شيئاً آخر: أن البيت تغيّر فعلاً، لا بسبب الطاقات، بل بسبب حضور حياة صغيرة ترفض أن تكون هامشاً.
كنت أطعم البلبل بيدي.. , يقترب دون خوف.. , ثم بدأ ينتظرني.. , ثم بدأ يتعرف عليّ.. , ثم صار يغرد حين أعود.
لم أعد أراه طائراً فقط، بل كائناً يعيد ترتيب داخلي.. ؛ كأن صوته يوقظ شيئاً فيّ كنت أظنه مات منذ زمن.
حتى بدأتُ أتركه يطير داخل الغرفة.
وكان يعود.
في كل مرة.
وكأن بيننا اتفاقاً غير مكتوب: الحرية المؤقتة مقابل الثقة.
لكن الأشياء الجميلة في هذا العالم لا تُمنح لتدوم.
في أحد الأيام، جاء ضيوف.. , ضجيج، أطفال، فوضى بريئة.. , باب القفص فُتح بلا قصد.. , لحظة واحدة كانت كافية.
طار.
لم يصرخ أحد.. , إلا داخلي أنا.
خرجتُ من البيت دون وعي.. , ركضتُ في الشارع كمن فقد جزءاً من جسده.. , كنت أسأل الجيران، الأطفال، الهواء نفسه:
— بلبل… هل رأيتم بلبل؟
حتى جاءني طفل:
— رأيته على شجرة سدر… ,في بيت قريب.
ذهبت.
كان البيت غريباً عني، لكنني لم أكن أرى البيوت.. , كنت أرى شيئاً واحداً فقط: احتمال أن أجده.
فتحت فتاة الباب.
لم تكن مجرد فتاة.. , كانت لحظة مربكة بين الجمال والصدفة، بين الواقع والاختبار.. , لم أفكر كثيراً في التفاصيل، لكنني شعرت بشيء يشبه الانزلاق الداخلي: كأن العالم أعاد توزيع معاييره فجأة.
قلت لها مرتبكاً:
— بلبل… سقط هنا؟
أجابت بهدوء:
— نعم , أخذه أخي.
ثم أضافت:
— سأعيده لك.
لكن نظرتها القصيرة كانت كافية لتربك ما تبقى من اتزاني.. , لم تكن نظرة طويلة، لكنها كانت كمن يفتح نافذة صغيرة في جدار مغلق منذ سنوات.
عدتُ مع البلبل.
لكنني لم أعد كما خرجت.
في الأيام التالية، بدأت الحرب الداخلية.
بلبل في الخارج، وصوت آخر في الداخل.. ؛ لم أعد أميز بين فقد الطائر بالأمس وفقد شيء آخر لا اسم له.. ؛ كنت أستيقظ وأنا أفكر بها، وأنام وأنا أفكر بالبلبل، وأضيع بين الاثنين كأنهما وجهان لفقد واحد.
الحب، حين يأتي في لحظة خاطئة، لا يبدو حباً، بل ارتباكاً فلسفياً.
ثم جاءت النهاية.
في صباح عادي، دخلت لأتفقد القفص الخشبي .
كان مكسوراً.
البلبل اختفى , مرة اخرى ..
بحثنا جميعاً.. , ثم وجدناه.
ميتاً.
بجسد صغير بلا حركة، وعينين كأنهما توقفتا عن السؤال.
قالوا: قطة سوداء.
قطة اعتادت قتل الطيور.
لكن السؤال لم يكن “من قتل؟”، بل: لماذا القتل نفسه يبدو أحياناً بلا ضرورة؟ بلا جوع؟ بلا غريزة واضحة؟ كأنه فعل وجودي خالص، لا يحتاج سبباً.
نظرتُ إلى الجثة الصغيرة، وشعرت أن شيئاً في داخلي يُسحب بصمت.
الغضب جاء أولاً.. , ثم الرغبة بالثأر.. , ثم شيء آخر أكثر خطورة: برود غريب، يشبه الفهم.
حملتُ فكرة الانتقام.
لكن في اليوم التالي، علمت أن القطة نفسها ماتت دهسا ..
ملقاة في الشارع.
تمزقها الكلاب.
لم أشعر بالراحة.. , شعرت بالعبثية والسوداوية فقط.
كأن العدالة، إن وُجدت، لا تأتي لتُرضي أحداً، بل لتقول: لا أحد يفهم اللعبة بالكامل.
ذهبتُ لأخبرها.
لكن الشارع كان مختلفاً.
موسيقى، زينة، ضحكات، سيارات.
قالوا:
— عرس ميسون.
الفتاة التي أحببتها عن بعد ..
وقفتُ لحظة.
ثم فهمت شيئاً بسيطاً وقاسياً:
أن كل شيء يمكن أن يحدث في العالم في الوقت نفسه… , موت، حب، عرس، فقد، قطة، بلبل…؛ دون أن ينتظر أحداً أحداً.
عدتُ أدراجي.
لم أكن حزيناً فقط.
كنت خفيفاً بشكل مؤلم… ؛ كأن شيئاً كان يثبتني للعالم، ثم انقطع.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد البيت كما كان.
لا بلبل.
لا قفص.
لا يقين.
فقط روتين يعود بهدوء، كأنه لم يحدث شيء.
لكنني، في داخلي، كنت أعرف:
أن بعض الكائنات الصغيرة لا تموت فقط…
بل تأخذ معها نسخة منّا، وتتركنا نكمل الحياة بنسخة قلقة .