حوار وجودي بين الآنسة صحة والسيد مال !
بقلم / مهند سري
في ركن هادئ من قاعة الوجود، جلست الآنسة “صحة” بثوب أخضر يشبه ربيعاً دائماً، يسبق حضورها شعور خفيف بالطمأنينة. وعلى مقربة منها، جلس السيد “مال” في مقعد فخم، يلمع بريق ساعته أكثر مما يلمع وجهه.
قالت “صحة” وهي تنظر إلى البعيد: “كل إنسان يركض خلفك، لكنه لا يشعر بقيمتي إلا حين أفارقه”.
ابتسم “مال” ابتسامة باردة: “وربما لأنكِ وحدكِ لا تكفين.
الجائع لا يفكر بالعافية بقدر ما يفكر برغيف خبز”.
سكتت قليلاً، ثم قالت: “لكن أغنى الناس، حين يدهمه الألم، يتمنى لو يشتري ليلة واحدة بلا وجع”.
حرّك خاتمه الذهبي بين أصابعه وأجاب: “وأفقر الناس، حين يعجز عن ثمن دوائه، يتمنى لو يبيع عمره كله مقابل حفنة نقود”.
مرت لحظة صمت ثقيلة بينهما.
ثم أخرج “مال” ورقة مطوية وقال: “أتدرين؟ قرأت عن بعثة إغاثة وصلت إلى قرية أنهكتها المجاعة، وزعوا الأدوية بين الناس، ثم اكتشفوا أن التعليمات على العلب تقول: (يؤخذ الدواء بعد الطعام)”.
خفضت “صحة” عينيها، ولم تجب.
اقترب منها “مال” وأردف بهدوء: “أنا لا أهب الحياة، لكنني كثيراً ما أمنع انهيارها”.
رفعت رأسها أخيراً وقالت: “وأنا لا أشتري السعادة، لكن كل شيء يفقد معناه حين ينهار الجسد”.
عاد الصمت من جديد، إلا أن القاعة هذه المرة بدت أضيق من أن تتسع لحقيقتهما معاً.
نهض الاثنان من دون وداع، وبقيت كلماتهما معلقة في الهواء،
فالناس يعرفون أن الصحة نعمة، لكنهم لا يكتشفون مقدار حاجتهم إلى المال إلا عندما يمرضون، ويعرفون أن المال قوة، لكنه يعجز أحياناً أمام ألم صغير يسكن الجسد.
خلف الكواليس
التفتت “صحة” إليه، وقالت بصوت خافت:
“لا قيمة لدواء يُسكن الألم مؤقتاً ولا يبرئ الداء”.
أغلق “مال” أزرار معطفه ببطء، ثم أجاب:
“ولا قيمة لإنسان … لا يملك ثمن دوائه”.