المقابر مقامات!

المقابر مقامات!

بقلم✍️: سعد احمد الكبيسي
عندما اشتد قصف الحجاج بن يوسف على مكة، وقد تحصن عبد الله بن الزبير قرب الكعبة، دخل على أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وقال: يا أماه، إني مقتول اليوم، ولكني أخاف أن يمثلوا بي ويصلبوني. فقالت قولتها الخالدة: “يا بني، لا يضر الشاة سلخها بعد ذبحها”.
ونحن نؤمن أن الأجساد ليست إلا أوعية للأرواح، فإذا فارقتها الروح انتقلت إلى ما أعده الله لها من نعيم أو عذاب، أما الجسد فليس إلا غلافاً نكرمه بالدفن ونواريه التراب صوناً لكرامة الإنسان. لكن المؤلم ليس الموت وحده، بل الطريقة التي يُتعامل بها مع الضحايا بعد موتهم.
لقد أعادت المقابر الجماعية المكتشفة في الصقلاوية إلى الذاكرة واحدة من أكثر صفحات الألم قسوة في تاريخ الأنبار. خلف كل رفات أم ثكلى، وأب مفجوع، وأرملة شابة، وأطفال كبروا على اليتم، وبيوت تهدمت وأحلام انطفأت. إنها ليست عظاماً تحت التراب، بل قصص بشر كانت لهم عائلات وطموحات وحياة.
وفي الوقت الذي تتحول فيه مقابر أخرى إلى قضية رأي عام تتصدر الشاشات وتُفتح لها الملفات والتحقيقات، مرّت مأساة الصقلاوية بصمت إعلامي مؤلم لا ينسجم مع حجم الفاجعة ولا مع حق الضحايا في الإنصاف والإنسانية وكأن المقابر مقامات.
إن الواجب الأخلاقي والوطني يقتضي متابعة هذا الملف وكشف الحقيقة كاملة وإنصاف أهالي الضحايا. فالشهداء لا يموتون بموتهم، وإنما يموتون حين يُنسَون. وإن نسيانهم يعني قتلهم مرتين: مرة بيد قاتلهم، ومرة بصمت الأحياء عن حقهم. الصقلاوية اليوم لا تطلب الشفقة، بل تطلب الحقيقة والعدالة والوفاء.
وسلامتكم