رياض سعد
من المعلوم في طبائع البشر وتقلبات الدنيا أن تستولي فئة من الظلمة والطغاة على حقوق الناس وأموالهم عن قوة وعنفوان، عالمين علم اليقين أن هذه الأموال المنهوبة إنما هي مال الغير، وأنهم دخلوا فيها دخول الغاصب المتلبس بجريمة لا يخالطها شك.
هذه الصورة، على فداحة إثمها وبشاعة منظرها، تظل مفهومة في سياق الصراع الأزلي بين الخير والشر؛ إذ لا تخلو الأرض من الأشرار والقتلة والفجار الذين يسيرون بدافع الجشع المجرد، فيأخذون ما ليس لهم وهم يدركون تمام الإدراك أنهم لصوص سارقون.
نعم , ليس غريبًا في تاريخ البشر أن يستولي الظالم على ما ليس له، أو أن ينهب القويُّ حقَّ الضعيف، فالدنيا منذ القدم لم تخلُ من الفجرة والقتلة واللصوص وأصحاب النفوس المريضة. وقد اعتاد الناس أن يروا طغاةً يأخذون الأموال بالقوة، أو يغتصبون الحقوق عنوةً، وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن ما أخذوه ليس لهم، وأنهم إنما بنوا سلطانهم على الظلم والجور والعدوان.
غير أن العجيب حقًّا، والمثير للدهشة النفسية والاجتماعية، ليس مجرد السرقة أو الاستيلاء، بل تلك الحالة الإنسانية الشاذة التي يتحول فيها السارق — مع مرور الزمن — إلى شخص يعتقد فعلًا أن ما سرقه حقٌّ خالص له، وأن المالك الحقيقي لا علاقة له بما نُهب منه… ؛ وهنا لا يعود الأمر مجرد جريمة مادية، بل يتحول إلى انحراف أخلاقي وعقلي عميق، تختلط فيه الوقاحة بالوهم، والعدوان بادعاء الشرعية.
إنه التحول الذي يدفع السارق إلى أن يتجاوز مرحلة الاعتراف الضمني بالسرقة، ليصل إلى حالة من ادعاء الملكية الأصيلة والاستحقاق الذاتي…!!
إنهم لا يكتفون بأخذ مالك وحقك المادي والمعنوي عنوة، بل يذهبون إلى أبعد من ذلك، فيسطون على ملكيتك المعنوية والتاريخية، ويعتقدون جازمين -أو هكذا يظهرون- أن هذه الحقوق المنهوبة هي من صميم أمتيازاتهم، وأن لا صلة لك بما في أيديهم، وكأن يدك لم تمتد إليه قط، وكأن جهدك لم يبنه يوماً…!!
نعم , إن بعض الناس لا يكتفون بأخذ حق غيرهم، بل يتصرفون بعد ذلك كما لو أنهم أصحاب الفضل والامتياز، وكأن المسروق كان دائمًا ملكًا لهم، حتى إنهم قد ينظرون إلى المظلوم الحقيقي نظرة المتطفل أو الدخيل… ؛ وهذه من أعجب صور الانحراف الإنساني؛ إذ يبلغ التبلد الأخلاقي بالإنسان حدًّا يجعله ينسى أصل الحقيقة، أو يتعمد دفنها تحت ركام التبريرات والأكاذيب.
فالظالم في هذه الحالة لا يسرق المال وحده ولا الحق وحده ولا الارض فحسب ، بل يسرق الرواية أيضًا؛ يحاول أن يعيد كتابة الحقيقة بحيث يظهر هو مالكًا شرعيًا، بينما يُصوَّر صاحب الحق كأنه المعتدي أو الطامع… ؛ ومن هنا تنشأ أخطر أنواع الوقاحة الاجتماعية، حين يتحول الباطل إلى عرفٍ متداول، ويصبح التعدي مألوفًا حتى يفقد الناس حساسية التمييز بين الحق والاغتصاب.
وهنا تكمن الطامة الكبرى والمأساة الإنسانية العجيبة؛ إنهم لا يسرقون الشيء فحسب، بل يسرقون معه الحقيقة والذاكرة… ؛ إنهم يمارسون عملية “غسيل ملكية” ضميرية، يقلبون فيها المعايير، فيصير صاحب الحق الأصيل في نظرهم دخيلاً أو مغتصباً، ويصيرون هم الورثة الشرعيين لتعب غيرهم.
هذه الفئة الوقحة لا تكتفي بالسطو المادي والمعنوي ، بل تقوم بتزوير سجل التاريخ الشخصي، فتدّعي لنفسها نسباً في أرض ليست أرضها، ومجداً لم تصنعه يداها...!!
لعمري، إن هذه الحالة لهي من أعجب الحالات الإنسانية وأشدها تعقيداً… ؛ إنها ليست مجرد جريمة قانونية، بل هي انحطاط أخلاقي ومرض روحي، حيث يُستبدل منطق القوة والسطو بمنطق الحق والواقع .
ولعل هذه الظاهرة ترتبط بطبيعة النفس البشرية حين تستسلم للشهوة والطمع؛ فالإنسان إذا طال به أمد الاستيلاء على ما ليس له، ووجد من يصفق له أو يخاف منه، قد يبدأ تدريجيًا بتصديق الكذبة التي صنعها بنفسه.
ومع الزمن يتحول الاعتداء عنده إلى “حق مكتسب”، لا لأنه حق فعلًا، بل لأن الضمير مات، ولأن الاعتياد على الظلم يقتل الشعور بالخطيئة.
وفي المجتمعات المضطربة سياسيًا واجتماعيًا، تتكرر هذه الصورة كثيرًا؛ إذ يظهر أناس استولوا على النفوذ أو المال أو المكانة بالقوة أو الخداع، ثم أخذوا يتحدثون عنها باعتبارها إرثًا طبيعيًا أو استحقاقًا شخصيًا.
والأسوأ من ذلك أنهم قد يغضبون إذا طالب أصحاب الحقوق بحقوقهم، وكأن المطالبة بالحق أصبحت اعتداءً على “أملاك” المغتصبين أنفسهم...!!
نعم , إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس السرقة وحدها، بل القدرة العجيبة على قلب المعايير، حتى يصبح المظلوم متهمًا، ويغدو الظالم صاحب صوت مرتفع وثقة زائفة… ؛ وهنا تتجلى المأساة الحقيقية: حين تفقد النفوس قدرتها على الاعتراف بالحقيقة، وحين تتحول الوقاحة إلى بديل عن الضمير.
ولعمري، إن هذه الحال من أعجب الأحوال الإنسانية وأشدها إثارة للتأمل كما اسلفنا ؛ لأنها تكشف كيف يمكن للإنسان، إذا استسلم للهوى والطمع، أن لا يكتفي باغتصاب حقوق الآخرين، بل أن يغتصب الحقيقة ذاتها، ثم يعيش بعدها مقتنعًا بأنه صاحب الحق الأوحد فيما سرق ونهب واستولى عليه.