أسرار الميثاق الغليظ(( كيف أسس القرآن لعمق العلاقة الزوجية))

​بقلم: حسين شكران العقيلي
التاريخ: الخميس، 28 مايو 2026
​إن المتأمل في النسق القرآني الفريد يجد أن الله سبحانه وتعالى لم يضع للزواج قواعد قانونية جامدة فحسب بل صاغه في إطار من القدسية والعمق الروحي الذي يتجاوز مفهوم العقد المادي المعتاد.
حين يتوقف العقل أمام قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا}، ندرك أننا أمام فلسفة وجودية للعلاقة الزوجية، حيث يتحول الزواج من مجرد ارتباط إنساني إلى ((ميثاق غليظ)) وهي التسمية التي لم يطلقها القرآن إلا في مواضع بالغة الأهمية كالميثاق بين الله والأنبياء مما يشير بوضوح إلى أن العلاقة بين الزوجين تقع في قلب التقدير الإلهي.
​إن كلمة (الفضاء) التي وردت في الآية تحمل أبعاداً تتجاوز ظاهرها، فهي تعني الوصول إلى أقصى درجات المكاشفة والاتصال النفسي والجسدي، حيث لا حواجز ولا أسرار. هذا الإفضاء هو الذي يؤسس للسكينة التي أرادها الله للزوجين، فالإسلام في فقه أهل البيت عليهم السلام لا يرى الزواج مجرد وسيلة للإنجاب أو الإحصان، بل هو مساحة للتكامل الروحي. لقد علمنا أهل البيت أن الزوجين هما ((سكن)) لبعضهما، والسكن هنا يعني استقرار النفس وانتهائها عن الاضطراب؛ فالعلاقة تبدأ بكلمة الله وتستمر بالمودة والرحمة، وهما الركيزتان اللتان تمنحان ((الميثاق الغليظ)) ديمومته.
​وفي هذا السياق، نجد أن فقه أهل البيت عليهم السلام يعزز هذه القدسية بتفاصيل دقيقة تظهر عظمة هذا الرباط. فقد روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قوله في وصف العلاقة بين الزوجين: (ما من رجل أحبَّ النساء أكثر، كان أشدَّ إيمانًا) ، وفي ذلك إشارة إلى أن حب الزوجة واحترامها هو جزء لا يتجزأ من كمال الإيمان، وليس ترفاً عاطفياً. إن التزام الزوج بالرحمة واللين، والتزام الزوجة بالود والاحتواء، ليس سوى استجابة عملية لكون هذا العقد “ميثاقاً غليظاً”. وعندما يغيب هذا الوعي عن الحياة الزوجية، تتحول البيوت إلى جدران باردة، لكن عندما يتذكر الزوجان أن إفضاءهما لبعضهما هو أمانة الله في أعناقهما، يتغير طعم الحياة وتصبح كل تفصيلة فيها عبادة.
​إن العمق الذي أراده القرآن يتجلى في الحث على إكرام المرأة والمودة في التعامل، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “خياركم خياركم لنسائهم”، وهذا التوجيه النبوي هو التفسير العملي للميثاق الغليظ؛ فالعظمة في هذا الميثاق ليست في قوة الكلمات، بل في رقة المعاملة وصبر الزوجين على بعضهما. فقه أهل البيت عليهم السلام يربي الزوجين على أن كل إساءة أو تقصير هو نقض لهذا الميثاق الذي لا يستهان به. إن الزواج في هذا المنظور هو “علاقة ممتدة” تتجاوز حدود الدنيا لتصل إلى الأجر الأخروي، حيث يقول الإمام الصادق (عليه السلام): (من اتخذ زوجة فليكرمها، فإنما زوجة أحدكم لعبة فلا يضيعنها) ، وهذه الكلمة (لعبة) هو وصف للزوجة و هنا تعني (المودة والأنثى التي يسكن إليها) ، وهي مسؤولية عظمى توضع في عهدة الرجل.
​ختاماً، إن الميثاق الغليظ ليس قيداً بل هو تحرير للروح من الأنانية؛ فهو يحرر الزوج من طيشه ويحرر الزوجة من وحدتها. القرآن الكريم حين اختار هذا التعبير، كان يريد أن يزرع في قلب المؤمن أن يد الزوج في يد زوجته هي عهد موثق عند الله. إن فهمنا لهذه المعاني يغير واقع بيوتنا، فإذا أدرك كل طرف أن شريكه هو) أمانة الله) التي أفضى إليه بها، ستتحول البيوت إلى واحات من الطمأنينة، وسيكون الميثاق الغليظ هو الحصن الذي يحمي الأسرة من رياح التفكك، محققاً الغاية القرآنية الأسمى: {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}.