طبقك.. خط دفاعك الأول

طبقك.. خط دفاعك الأول
بقلم: فرح علي الشهاري
__

تخيل لو أنك تمتلك “آلة للزمن”، وسافرت بها عقداً كاملاً إلى الأمام. قد تجد نفسك هناك تعيش حياة هادئة ومفعمة بالصحة، تضج بضحكات أحفادك، وقد تجد نفسك -لا سمح الله- تتنقل بوهن بين أروقة المستشفيات، تتمنى لو تعود بك الأيام لتغيير وجبة أو عادة قادتك إلى هذا المصير. المسافة بين الصورتين ليست ضرباً من الحظ الغامض، بل هي قرار تصنعه أنت اليوم.

فجسدك يتحدث إليك بصمت؛ وفي كل مرة تختار فيها طعامك، أنت ترسل دعوة مفتوحة إما للصحة والعافية، أو لضيف ثقيل ومؤلم اسمه
سرطان القولون.
إن كل شريحة لحوم مصنعة تستهلكها باستمرار، وكل وجبة غارقة في الدهون المشبعة والزيوت المهدرجة، ترافقها ساعات من الخمول على الأريكة، هي في الحقيقة توقيع يومي بالموافقة على إنهاك جدار أمعائك. لك أن تتخيل في المقابل كيف يتحول طبقك الملون بالخضروات والفواكه، وحفنة الألياف الذهبية في حبوب القمح الكاملة، مع أكواب الماء النقية ومشي نصف ساعة يومياً، إلى جيش داخلي ودرع واقٍ يكنس السموم أولاً بأول، ويسحق أي خلية متمردة قبل أن تُولد.

وبينما تخوض معركة الوعي هذه على مائدتك لتأسيس وقايتك من الداخل، هناك “خلية نحل” وطنية كبرى تعمل بصمت واقتدار لبناء جدار حماية منيع حولك من الخارج. فإذا تأملنا المشهد الطبي بتجرد، سنجد أن صندوق مكافحة السرطان يقدم نموذجاً مؤسسياً فريداً، يُعد من أنصع ثمار ثورة 21 سبتمبر الإنسانية التي جعلت من رعاية المرضى التزاماً وطنياً وأخلاقياً مقدساً. هذا الصرح حوّل الأمل إلى واقع عبر بنية تحتية جبارة، فأنشأ وحدات متخصصة للأورام تمتد كشرايين حياة في صعدة، تعز، المحويت، ذمار، حجة، وعمران، وتوج ذلك بافتتاح أحدث وحدة للعلاج الإشعاعي في العاصمة صنعاء.

ولم تتوقف عجلة الإنجاز هنا، بل تمضي الجهود حثيثة لاستكمال المرحلة الأولى من المدينة الطبية لعلاج الأورام في الجرداء، ومشاريع مستشفيات الرسول الأعظم في صعدة والحديدة، بالتوازي مع التكفل الدائم بالنفقات التشغيلية، وتوفير الأدوية الموجهة باهظة الثمن، وتأهيل الكوادر الطبية لتكون خط الدفاع المتقدم ضد هذا المرض. ورغم عظمة هذا البناء الطبي الشامخ، تأتي الحملة الوطنية العاشرة “وعيك يحميك” في أسبوعها الثالث لتدق جرس الإنذار الأهم؛ فالهدف الأسمى ليس حشد هذه المستشفيات بالمرضى، بل إبقاؤها فارغة بقوة الوعي.

وما يجعل هذا الوعي ضرورة ملحة، هو ما تكشفه الإحصائيات في يمننا من واقع يستوجب الانتباه، إذ يتجاوز إجمالي حالات الإصابة بسرطان القولون 2500 حالة، تتركز النسبة الأكبر منها في الفئة العمرية التي تجاوزت الخمسين، ويتصدر الرجال المشهد بفارق ضئيل. هذه الأرقام لم تُسق لزرع الخوف، بل كبوصلة ترشدنا لضرورة العودة للطبيعة فوراً. وإذا ما تجاوزنا عتبة الخمسين عاماً، يبرز هنا السلاح الأمضى المتمثل في الكشف المبكر. إن ثقافة الفحص الدوري عبر المنظار أو فحص الدم الخفي ليست استسلاماً للقلق، بل هي قمة الشجاعة، فالاكتشاف المبكر للمرض يجرده من أسلحته ويجعل الشفاء التام حقيقة واقعة.

إن مواجهة هذا المرض هي في جوهرها تلاحم وشراكة مجتمعية شاملة؛ تبدأ من الأم التي تطهو طعاماً صحياً، وتمر بوعي الفرد الذي يبادر للفحص، وتنتهي برعاية المستشفيات. ونحن نرى كيف يُصنع الوعي وتُبنى صروح الشفاء، تفرض الكلمة الصادقة نفسها لتثمين الجهود الإنسانية الجبارة لصندوق مكافحة السرطان؛ فإنجازاته لا تُقاس بعمران المباني فحسب، بل بحجم الأرواح التي يرعاها، والأمل الذي يزرعه ليثبت أن إرادة الحياة، بوعينا وتكاتفنا، ستنتصر دائماً.

#وعيك_يحميك_الحملة_الوطنية_العاشرة_للتوعية_بسرطان_القولون