رياض سعد
دخلت الحمامة من الباب الرئيسي دون استئذان.
كانت صغيرة، يغلب على ريشها السواد الممزوج بلون الرصاص، كأنها قطعة من غيمةٍ أضلت طريقها بين السماء والأرض.
عبرت الصالة، ثم جابت الغرف الأربع واحدة تلو الأخرى، وكأنها تبحث عن شيء تعرفه وتنساه في اللحظة نفسها.
كان محمد يتابعها بعينيه بصمت.
لم يرَ فيها طائرًا فحسب، بل رأى حيرةً مألوفة؛ تلك الحيرة التي ترافق الكائنات حين تدخل أمكنةً تظنها ملاذًا.
استدارت الحمامة فجأة نحو غرفة الاستقبال، ثم ارتفعت إلى الأعلى.
وفي لحظة خاطفة…
ارتطمت بالمروحة.
دوّى الصوت في المكان كصفعة مباغتة.
تناثر الريش في الهواء، وتمزق جلدها الرقيق، وسالت قطرات من الدم قبل أن تسقط على الأرض كنجمة انطفأت وهي تظن أنها اقتربت من الضوء.
أسرع محمد إليها.
حملها بين كفيه، ووضع أمامها قليلًا من الماء… , كانت ترتجف، بينما كانت عيناه تحدقان فيها كأنهما تنظران إلى شيء أبعد من طائر جريح.
هناك، في أعماق ذاكرته، استيقظت صورة قديمة.
قبل سنوات، دخلت حمامة بيضاء بيتهم القديم فجأة.
بنت عشًا في زاوية هادئة، ومكثت أسبوعًا كاملًا.
في ذلك الوقت كانت ابنته أزهار مريضة.
وحين رحلت أزهار عن الدنيا، غادرت الحمامة البيضاء البيت في اليوم نفسه، دون أن تلتفت خلفها.
لم ينسَ المشهد قط.
لكنه لم يفكر فيه منذ زمن طويل.
أما الآن فقد عاد إليه دفعة واحدة.
وفي الغرفة المجاورة كانت حفيدته مها، ابنة أزهار، ترقد مريضة.
شعر محمد بشيء يضيق في صدره.
لم يعرف هل كان حزنًا على الحمامة الصغيرة، أم خوفًا على حفيدته، أم أن الذاكرة قد فتحت بابًا قديمًا وأطلقت منه أشباحها دفعة واحدة.
ثم أدرك فجأة أن ما أخافه ليس الطائر.
ولا الدم.
ولا الذكرى.
بل ذلك العجز القديم الذي يرافق البشر منذ فجر وجودهم؛ عجزهم عن معرفة ما إذا كانت الأحداث رسائل، أم مجرد أحداث.
فالإنسان لا يخشى الموت بقدر ما يخشى جهله بما سيأتي.
أما الحمامة، فلم تكن تعرف شيئًا عن النذر أو الشؤم أو المصائر البشرية .
كل ما أرادته أنها رأت بابًا مفتوحًا فدخلت.
ورأت فضاءً واسعًا فحلّقت.
لكنها لم ترَ المروحة.
ظل ينظر إلى الطائر الجريح.
ثم تذكر فكرةً طالما راودته ولم يجد لها جوابًا:
هل تأتي الكائنات إلينا مصادفة؟
أم أننا نحن الذين نُلبس المصادفات وجوه أحبائنا الغائبين؟
كان عقله يقول إن الحمامة مجرد طائر أضاع طريقه.
لكن قلبه كان يفتش بين الريش المتناثر عن معنى آخر.
عن رسالة.
عن إشارة.
عن كلمة واحدة يهمس بها الغيب للقلق البشري.
غير أن الصمت كان أبلغ من كل الإجابات.
عندها بدت له الحمامة كرمزٍ للوجود نفسه.
دخلت تبحث عن مأوى، فوجدت جرحًا.
حلقت نحو فضاء ظنته آمنًا، فاصطدمت بما لم تكن تراه.
وفجأة فهم محمد سر حزنه.
لم يكن يخشى الحمامة.
ولا المروحة.
ولا حتى المرض.
بل كان يخشى الحقيقة التي يهرب منها الإنسان طوال عمره:
أن كثيرًا من آلامه لا تأتي من العواصف التي يتوقعها، بل من الأشياء المألوفة التي يطمئن إليها.
فالحمامة لم تسقط لأنها ضعيفة.
بل لأنها لم ترَ الخطر الكامن في المكان الذي حسبته ملاذًا.
وكذلك البشر.
كم مرة دخلوا بيوتًا وظنوها أوطانًا فجرحتهم؟
وكم مرة وثقوا بوجوهٍ حسبوها أمانًا فكانت مراوح تدور فوق رؤوسهم بصمت؟
ربّت محمد على الطائر الجريح، ثم رفع عينيه نحو السقف.
كانت المروحة تدور بلا اكتراث.
أما الحمامة فكانت تقاوم الحياة بما بقي فيها من نبض.
وفي تلك اللحظة شعر أن المشهد كله ليس سوى مرآة كبرى للوجود:
نحن أيضًا ندخل الحياة كما دخلت تلك الحمامة؛ نبحث عن دفءٍ أو معنى أو نجاة، ثم نصطدم بما لم نكن نراه…, وبعد كل جرح، لا يبقى أمامنا إلا أن ننهض من الأرض، أو أن نتعلم متأخرين أن بعض العقبات لا تكمن في الطريق، بل في ما ظننّاه ملاذًا.
ثم ربّت على رأس الطائر الجريح.
وقال في نفسه:
“لعلنا جميعًا حماماتٌ أخطأت طرق السماء والارض ، فدخلت بيوت الحياة… ؛ نحسب أن الجراح علامات على غضب القدر، بينما هي في كثير من الأحيان مجرد اصطداماتٍ بما لم نكن نراه.”
ثم رفع بصره نحو السقف.
كانت المروحة ما تزال تدور، غير آبهةٍ بشيء.
كما يدور الزمن دائمًا…
بينما نحن منشغلون بالبحث عن معنى الريشة التي سقطت منه.
نعم , أحيانًا لا تأتي الجراح من العواصف، بل من الأشياء التي تبدو مألوفة وآمنة… ؛ فالطائر الذي نجا من فضاء السماء قد تعثر بدوران مروحة صغيرة؛ وكأن الحياة تذكّرنا بأن بعض العقبات لا تكمن في الطريق، بل في ما نظنه ملاذًا.