ضياء المهندس
في الدول الطبيعية تُفتح أبواب الوظائف عبر المنافسة والكفاءة والشهادات والخبرة، أما في “دولة الحبايب” فالأمور تسير بطريقة أكثر بساطة وراحة: لا حاجة لسنوات من الانتظار، ولا لامتحانات أو مفاضلات، فالمعيار الأهم هو أن تكون في المكان الصحيح، مع الأشخاص الصحيحين، وفي التوقيت الصحيح.
كلما سمع العراقي عن تعيين جديد أو منصب جديد أو امتياز جديد، يتساءل تلقائياً: ما هي المؤهلات؟ وما حجم الخبرة؟ لكن السؤال الذي يفرض نفسه في كثير من الأحيان هو: من الذي رشّح؟ ومن الذي دعم؟ ومن الذي فتح الباب؟
المشكلة لا تكمن في شخصٍ بعينه، فالعراق مليء بالشباب الكفوء والخريجين المتفوقين من مختلف المحافظات. المشكلة تكمن في شعور ملايين الشباب الذين يقفون في طوابير البطالة لسنوات طويلة، بينما يشاهدون بعض المناصب تُمنح بسرعة البرق وكأنها هدايا في مناسبة عائلية.
في “دولة الحبايب” يتحول المنصب العام من مسؤولية وطنية إلى غنيمة سياسية، وتتحول المؤسسة الحكومية إلى دفتر مجاملات، بينما يبقى الخريج المتفوق حاملاً ملفه الأخضر بين دائرة وأخرى، ينتظر فرصة قد لا تأتي.
العراقيون لا يغضبون من نجاح الآخرين، بل يغضبون عندما يشعرون أن الفرص ليست متكافئة. فابن الفقير الذي قضى سنوات بين الدراسة والتعب يريد أن يعرف لماذا يُطلب منه الصبر والانتظار، بينما يجد آخرون أبواب المناصب مفتوحة على مصاريعها.
إن أخطر ما تخلّفه المحسوبية ليس هدر المال العام فقط، بل هدر الثقة. فعندما يفقد المواطن إيمانه بأن الكفاءة هي الطريق إلى النجاح، تبدأ قيم الدولة بالتآكل، ويحل مكانها منطق العلاقات والولاءات والوساطات.
العراق لا يحتاج إلى دولة الحبايب، بل إلى دولة المؤسسات. دولة يكون فيها المنصب لمن يستحقه، والفرصة للجميع، والمال العام أمانة لا وسيلة للمكافآت السياسية. فالأوطان تُبنى بالكفاءات، لا بالمجاملات، وتنهض بالعدالة، لا بالمحسوبية.
ويبقى السؤال الذي يردده آلاف الخريجين كل يوم: هل الوظيفة حق للمواطن الكفوء، أم امتياز محفوظ للحبايب؟
البروفسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي