خديعة “القدوة الرقمية”.. وكيف تسرق الهواتف عقول أبنائنا وبناتنا؟
بقلم: فاتن الحذيفي
نعيش اليوم في حِقبةٍ زمنيةٍ تداخلت فيها المفاهيم، واختلّت فيها موازين القيم، حتى غدا الوهمُ حقيقةً تُمجَّد، والزيفُ أصلاً يُعتمد. ولعلّ كبرى الخُدع المصيرية التي تستبدّ بمجتمعاتنا المعاصرة هي خديعة الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي؛ تلك التي أُسِّست في مهدها البِكري لِتكون جسوراً لامتصاص المعرفة، ونوافذَ للارتقاء الفكري والإنساني، قبل أن تستسلم الحشود لِجانبها المظلم المُنحطّ، فتتحول تلك الشاشات البراقة من أدواتٍ لبناء الوعي وتشييد الصروح الفكرية، إلى مصانع ضخمة وممنهجة لإنتاج السطحية، وضخّ التفاهة، وتسطيح العقول.
إنّ المأزق الحقيقي الذي يواجهنا اليوم لا يكمن في “الهاتف” كجهاز تقني جامد؛ فهو في نهاية المطاف ليس إلا سيفاً ذا حدّين، وأداةً طيّعةً يرتدّ أثرها إلى طبيعة اليد التي تحركها والعقل الذي يوجّهها. بل إنّ الأزمة العميقة تتجلى في “حالة الانبهار الاستلابي الأعمى” الذي بات يجتاح وجدان وعقول بناتنا وأبنائنا؛ إذ يركضون بروحٍ غيبية مهزومة خلف عابري الإنترنت والافتراض، الذين يفتقرون لأبسط ركائز العلم والأخلاق، ويقذفون في وعي الأمة محتوياتٍ هابطة تخدش حياء الروح وتغتال وقار الفِطرة، ومع ذلك يتربعون على عرش المشهد، ويُرفَعون على منصات التتويج كأوثانٍ معاصرة وقُدواتٍ يُحتذى بها.
ولم يعد هذا الوباء الثقافي محصوراً في فئة معينة أو الفئات الهشّة كما ساد الاعتقاد حيناً؛ بل تحوّل إلى جائحة فكرية شاملة تلتهم هويّة جيلٍ كامل من أبنائنا وبناتنا بذكورهم وإناثهم، وتتغلغل في مختلف الفئات العمرية والطبقات الاجتماعية لِتتركهم أسرى للاستلاب الروحي.
لقد صرنا نشهد في واقعنا التعليمي والتربوي مشاهدَ تُدمي الفؤاد؛ حيث يهجر الطلاب والطالبات حواضنَ مذكراتهم، ويُهملون واجباتهم البنائية، ويقضون الساعات الطوال هائمين خلف شاشاتٍ باردة، يقتاتون على مقاطع عابثة لا تُسمن الروح ولا تُغني من جوهر المعرفة. هذا الانغماس المحموم لم يقتصر أثره على تراجع التحصيل الدراسي والتعليمي فحسب، بل أدى إلى تشتيت الهوية الذهنية، وتمزيق مَلَكة التركيز، وعزل عقولهم عن التفكير في بناء مستقبلهم الحقيقي الواعد.
وفي المقابل، يبرز وجهٌ آخر للأزمة يتمثل في الانكفاء المريب والغياب الحاد لرقابة الآباء والأمهات داخل البيوت. لقد تحول الهاتف في أيدي الأبناء إلى “مُسكِّنٍ رقمي” تمنحه الأسر لأطفالها، لا لشيء إلا لِشراء راحةٍ مؤقتة، والتخلص من عناء المتابعة وتكاليف التربية الحقيقية؛ دون إدراكٍ واعٍ بأن هذه المنصات لم تُصمَّم عبثاً، بل صُنِعت بخوارزمياتٍ بالغة الذكاء والخبث، تهدف إلى إعادة هندسة الوعي، وسلخ النَّشء من عاداتهم الأصيلة، وتجريدهم من قيمهم الدينية والأخلاقية، ليتحولوا في نهاية المطاف إلى مجرد قطعانٍ رقمية وأرقامِ متابعاتٍ جافة، تزيد من أرصدة سدنة الوهم وصنّاع العبث.
وعندما ينهض المصلح، أو المعلم، أو المربي, أو صاحب الفكر الحرّ لِيقرع أجراس الخطر، ويوضح حجم هذا التدمير المنظم، محاولاً نصح هؤلاء الشباب وإيقاظهم من سباتهم الرقمي؛ يُجابه بجدارٍ صلب من الرفض التام، وينظرون إليه بانتشائهم المزيف وكأنه كائنٌ “متخلف” أو “رجعي” نبتَ في غير عصره! وهذا لعمري هو النتيجة الطبيعية لانعكاس المفاهيم في واقعنا المعاصر؛ فالإنسان الذي اعتاد العيش في مستنقعات الفوضى والسطحية، يستسهل دائماً رمي المصلحين بالتراجع والتخلف، هرباً من استحقاق الوعي، وعجزاً عن الارتقاء بنفسه وأخلاقه إلى مراتب الوقار والسمو.
إن الحل الجذري لهذه المعضلة الكبرى لا يمكن أن يتحقق عبر سياسات “المنع المطلق”؛ فالحرمان بات ضَرباً من المستحيل في زمن الفضاءات المفتوحة والسموات الرقمية الفسيحة التي ألغت الحدود والمسافات. بل إن الترياق الحقيقي يكمن في “التحصين الداخلي”، وزرع سلطة الرقابة الذاتية الضميرية في نفوس الأبناء.
إنها مسؤولية وجودية وتضامنية مشتركة؛ تبدأ من الأسرة التي يجب أن تستعيد دِفء الحوار وتُحيي الاهتمام الحقيقي بأبنائها وبناتها، وتمرُّ عبر المدارس والمعلمين الذين بات لزاماً عليهم تجاوز أساليب الوعظ التقليدية الرتيبة، والبدء في تفكيك الهياكل الكرتونية لهؤلاء المشاهير، وكشف عروشهم الواهية أمام الطلاب، لِيتبينوا كيف يُستغفلون، وكيف تُسرَق أعمارهم ومستقبلهم قرباناً لشهرة وأموال عابري السبيل.
يجب علينا جميعاً، أفراداً ومؤسسات، أن نُعيد الاعتبار للقدوة الحقيقية في مجتمعنا؛ قدواتٍ ترفع راية العلم الباذخ، وتُعلي من شأن الأدب الرفيع، وتصون قيم الوقار والأخلاق. لن نتراجع، ولن نُخلي الساحة لِصنّاع التفاهة والعبث لِيختطفوا عقول بناتنا وأبنائنا. إن صاحب الرسالة الحقيقية سيبقى دائماً مشعلاً يضيء الظلمات ويهدي الحائرين؛ مهما تلبّدت غيوم العتمة، ومهما أبَت العقول المخدوعة نصيحة الحق واليقين.