كامل الدلفي
لا بد أن نجمع في موضوعنا بين السرد التاريخي والاحتجاج العقدي والخطاب الإصلاحي المعاصر، في محاولة تهدف إلى أن تربط بين حدث تأسيسي (الغدير) وبين قضية معاصرة هي العدالة السياسية والاجتماعية في العراق والشرق الأوسط .
إنّ الله اختار للعرب نبيًا هاديًا يعلّمهم الكتاب والحكمة، فانتقلوا بفضله من الفرقة والجاهلية إلى الإسلام. ثم لم يتركهم بعده هملاً، بل أعلن في غدير خم ما رآه المؤمنون نصًا واضحًا في ولاية علي بن أبي طالب ع، حين قال: ” من كنت مولاه فهذا علي مولاه”. وهي واقعة ثبتت في الذاكرة الإسلامية ثبوتًا لا يكاد يُنكر.
غير أنّ الأهواء والمصالح سرعان ما دخلت على الاجتماع الإسلامي، فوقع الخلاف وسأل سائل.. : أهو أمر أراده الرسول من عند نفسه أم هو أمر بلّغه عن ربه؟ وقد روي : أنّ النبي ص أكد، بل وأقسم أنّه إنما يبلّغ ما أُمر به. لكن السياسة كثيرًا ما تغلب الحكمة، والعصبية كثيرًا ما تغلب الحقيقة. وكان علي ع قد حمل راية الإسلام في أشد معاركه، فصرع وجوه الشرك وقادة قريش في ساحات القتال، فبقيت آثار تلك المواجهات حاضرة في نفوس أقوام لم ينسوا ثاراتهم القديمة، وإن غيّرت الأيام أسماءها وشعاراتها.
أما علي ع فثبت على إيمانه، متمسكًا بما يراه حقًا، لا يساوم عليه ولا يبدله. بينما مضى آخرون في الطريق الذي رسمته العصبيات والمصالح، حتى آلت مقاليد السلطة إلى من لم يكن يمثل، في نظر أتباع علي ع، الامتداد الطبيعي للرسالة وقيمها.
ثم توالت المآسي: قُتل الإمام علي في محرابه، وقُتل الحسن والحسين، وسقط من ذريتهم وأتباعهم كثيرون في صراعات السلطة والتاريخ. وفي المقابل استقرت الدولة في أيدي خصومهم وأعقابهم أزمنة طويلة، ووجد الحكام دائمًا من يبرر لهم أفعالهم، من الوعاظ حينًا ومن المثقفين حينًا آخر.
ولم يتغير المشهد كثيرًا في الأزمنة الحديثة؛ فكل سلطة تميل إلى صناعة خطابها الثقافي الخاص، وتفضيل المثقف الذي يبرر الواقع على المثقف الذي يمارس النقد. أما الداعون إلى العدل والمساواة والحق العام في الثروة والسلطة والوطن، فقد كانوا في كثير من العصور عرضة للتهميش أو الملاحقة أو الإقصاء.
ومن هنا يمكن أن يُفهم الغدير بوصفه أكثر من مناسبة تاريخية أو خلاف عقدي؛ إنه دعوة دائمة إلى اقتران السلطة بالحكمة، والقوة بالعدالة، والحكم بالأخلاق. فلو استطاع المسلمون أن يستعيدوا المعنى الأخلاقي العميق للحظة الغدير، لا مجرد جدلها التاريخي، لأدركوا أن جوهر الرسالة كان بناء مجتمع يقوم على الحق والعدل وصيانة كرامة الإنسان.
تلك هي الحكمة التي أراد النبي ص أن تبقى حيّة في الأمة؛ فالحكمة ليست ذكرى تُستعاد، بل منهجًا يُعمل به. ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا. لذلك اختار عليا ع كما أمره الله ليكون حامل لواء الحكمة وباني حياض العدالة الاجتماعية .
فالغدير ليس مجرد أمر وجداني، بل رمز للعدالة الاجتماعية والعقل النقدي ومقاومة احتكار السلطة. لابد من تطوير هذا الاتجاه ليكون من مهام جميع المعنيين بالتغيير الحضاري في الأمة المدنية العراقية و الأمتين العربية والإسلامية و يكون في مقدمة في مشروع أخلاقي وإنساني وعراقي جامع.