ضياء أبو معارج الدراجي
منذ سنوات، اعتدنا على سماع العبارة الشهيرة: «ليش ما توزعونها على الفقراء؟» كلما أُقيم موكب حسيني، أو نُصبت مائدة طعام في مناسبة دينية، أو قُدمت وجبات مجانية للزائرين. وكأن أصحاب هذه العبارة وجدوا حلاً سحرياً لكل نشاط ديني شيعي ؛ فلا يكاد يُطبخ قدر طعام «ثواباً»، أو يُنصب موكب لخدمة الزائرين، حتى يخرج مَن يسأل: لماذا لا يذهب هذا كله إلى الفقراء؟
لكن المثير للاستغراب أن هذه العبارة اختفت فجأة مع ظهور حملات إطلاق البط والإوز الداجن في نهري دجلة والفرات تحت عناوين براقة، مثل “حماية البيئة” أو “نشر الحياة في الأنهار”. وهنا يحق لنا أن نستعير السؤال نفسه: ليش ما توزعونها على الفقراء؟
إذا كانت هذه الطيور نعمة من نعم الله، فلماذا تُلقى في الأنهار لتواجه مصيراً مجهولاً؟ ولماذا لا تُمنح لعائلة فقيرة تستفيد من لحمها غذاءً لأطفالها؟ أو لأسرة متعففة تتخذ منها مشروعاً صغيراً للتربية والتكاثر وإنتاج البيض ولحم الطير، فتُحقق منها مورداً اقتصادياً يساعدها في مواجهة أعباء الحياة؟
المشكلة أن البعض يتعامل مع البط الداجن وكأنه بط بري ولد في الأهوار أو المستنقعات، ويعرف كيف يعيش ويقتات ويحمي نفسه؛ بينما الحقيقة أن البط الداجن تربى لأجيال طويلة تحت رعاية الإنسان، يعتمد عليه في الغذاء والحماية، ولا يمتلك المهارات التي تؤهله للعيش مستقلاً في البرية.
فهو لا يعرف كيف يواجه المفترسات، ولا يمتلك خبرة البحث عن الغذاء الطبيعي، ولا يتمتع بالسلوكيات التي اكتسبتها الطيور البرية عبر آلاف السنين للبقاء والتكاثر. ولهذا؛ فإن كثيراً من هذه الطيور لا تحصل على “الحرية” التي يتخيلها مطلقوها، بل تحصل على حكم بالإعدام المؤجل، حيث تنتظرها الكواسر والأمراض والجوع وسوء التأقلم مع البيئة الجديدة.
ولو كان الهدف إنسانياً أو خيرياً أو حتى بيئياً، فإن الجمع بين منفعة الإنسان والحيوان أولى من رمي هذه الطيور إلى مصير مجهول. فالعائلة الفقيرة ستحصل على مصدر غذاء أو مورد رزق، والطائر سيحصل على الرعاية والحماية بدلاً من أن يتحول إلى فريسة أو جيفة بعد أيام أو أسابيع.
لهذا؛ فإن السؤال الذي يتكرر كل عام عند المواكب ومناسبات إطعام الزائرين يبدو مشروعاً هنا أيضاً: ليش ما توزعون البط على الفقراء بدل رميه إلى الموت المحتم؟