عناوين الأزمات الخدمية(( جدلية الإدارة ودوائر الفساد في العراق))

​الكاتب: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن
التاريخ: الجمعة، 5 حزيران 2026

​يجد المواطن العراقي نفسه اليوم أمام مشهد بات مألوفاً حد التكرار إذ تعود أزمة الوقود لتتصدر واجهة الأحداث، ملقيةً بظلالها الثقيلة على حياة الناس اليومية ومثيرةً تساؤلات جوهرية تتجاوز في جوهرها مجرد نقص في المشتقات النفطية لتصل إلى عمق المنظومة الإدارية التي تدير ثروات هذا البلد.
إننا حين نقترب من هذه الأزمات بالتحليل، لا نجد أنفسنا أمام مجرد عجز في الإنتاج أو خلل تقني عابر، بل أمام ظاهرة معقدة تتداخل فيها المصالح الشخصية مع مؤسسات الدولة، وتغيب فيها معايير الكفاءة لصالح هيمنة جماعات الضغط.
​عندما نضع ملف (أزمات البنزين) تحت مجهر النقد، لا يمكن فصله عن طبيعة الإدارة التي تتحكم في مفاصل وزارة النفط وشركاتها التابعة إن ما نشهده من طوابير أمام المحطات، وتذبذب في التجهيز، يشي بوجود (إدارة أزمات) بدلاً من (إدارة خدمات) فالتاريخ الحديث لهذا الملف، وما يتردد من أسماء مثل عدنان محمد محمود الجميلي في أروقة المحاكم والتحقيقات، يكشف عن حقيقة مرة، وهي أن هذه القطاعات الحساسة لم تكن تُدار وفق خطط استراتيجية وطنية، بل كانت تُدار كإقطاعيات خاصة تابعة لشبكات فساد، استطاعت من خلال نفوذها السياسي أن تفرض واقعاً يخدم مصالحها الضيقة على حساب مصلحة الملايين.
​إن الربط بين الأحداث ليس ترفاً فكرياً؛ فاعتقال شخصيات كانت تمتلك سطوة مطلقة على مفاصل حيوية في قطاع التصفية والتوزيع، وتورطت في تكديس ثروات طائلة لا تتناسب مع مواقعها الوظيفية، يفسر لنا جزءاً كبيراً من أسباب التخبط الذي يعاني منه المواطن. إن هذه الشبكات، عندما تشعر بأن قبضتها بدأت ترتخي، أو أن مراكز قوتها تتعرض للتفكيك، قد تلجأ إلى خلق أزمات مفتعلة، أو تعمد إلى تعطيل سلاسل الإمداد، ليس فقط كنوع من رد الفعل الانتقامي، بل كرسالة مفادها أنها لا تزال تمتلك القدرة على (إدارة الدولة) من خلف الستار، وأن المؤسسات الرسمية بدونها ستظل رهينة للفراغ الإداري والخدمي.
​ومع ذلك، فإن تحميل هذه الأزمات لشخص أو جهة بمفردها هو تبسيط مخل للمشكلة. إن القضية أعمق بكثير؛ فهي تتعلق بغياب الرقابة الحقيقية التي تسمح لـ “حيتان الفساد” بالنمو والتوغل داخل جسد الدولة. إن الخلل الحقيقي يكمن في تغليب المحاصصة على التكنوقراط، وفي غياب الأتمتة والشفافية التي تجعل من تدفق الوقود عملية حسابية واضحة بعيدة عن تلاعب البشر ومزاجية المتنفذين.
​إننا بحاجة اليوم إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن في قطاع الطاقة. فالعراق، الذي يطفو على بحر من النفط، لا ينبغي أن يعيش في دوامة قلق دائم حول توفر الوقود. إن الحل يكمن في استئصال جذور هذه الشبكات التي تعودت على تمويل نفسها من قوت الشعب، ووضع استراتيجية وطنية تستند إلى الكفاءة لا الولاءات. إن الاعتقالات الأخيرة يجب ألا تكون مجرد إجراء قانوني عابر، بل ينبغي أن تكون بداية لعملية (تنظيف إداري) شاملة، تعيد المؤسسة إلى دورها الخدمي وتنتزعها من أيدي من جعلوا من أزماتنا وسيلة للثراء والنفوذ.
​في الختام، إن استقرار الشارع مرتبط بمدى قدرة الدولة على فرض سيادة القانون في كل مفاصلها، من أعلى هرم المسؤولية وصولاً إلى أصغر وحدة توزيع. فالوقود ليس مجرد مادة للطاقة، بل هو شريان حياة يتوقف نبضه كلما سيطرت عليه أيدٍ لا تؤمن إلا بمصلحتها الشخصية، وحين تدرك تلك الأيدي أن “الدولة” ليست ملكية خاصة، وأن القانون فوق الجميع، حينها فقط سنشهد نهاية عهد الأزمات المفتعلة.