حسد أصحاب الأقلام الحرة… حين يصبح الكتابة تهمة

رياض سعد

ليس غريبًا أن يتعرض الكاتب أو الباحث أو الإعلامي المبدئي إلى النقد والاختلاف، فذلك جزء طبيعي من الحياة الفكرية.

غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى حسد وحقد ، ويتحول النقد الموضوعي إلى محاولة للتسقيط والتشويه الشخصي ، لا لشيء إلا لأن صاحب القلم استطاع أن يحقق حضورًا وتأثيرًا يتجاوز ما حققه الآخرون … ؛  أو لأنه ينتمي إلى أفقٍ فكريٍّ مستقل، يناقض ما استقروا عليه، ويصطدم بقوالبهم الجاهزة ومعاييرهم المتكلِّسة التي فقدت قدرتها على استيعاب المختلف.

ففي المجتمعات التي تعاني من الأزمات السياسية والاقتصادية والثقافية، لا يُستقبل النجاح والاستقلال والاختلاف  دائمًا بالترحيب والتقدير، بل قد يُستقبل أحيانًا بالريبة والغيرة ومحاولات الانتقاص والتشكيك.

ولهذا كثيرًا ما يجد الكاتب المجتهد نفسه في مواجهة خصوم لم يقرؤوا ما كتب، لكنهم انشغلوا بملاحقة اسمه أكثر من انشغالهم بأفكاره.

لقد أدركت البشرية هذه الحقيقة منذ القدم، حتى إن النصوص الدينية والتجارب التاريخية والأمثال الشعبية جميعها تحدثت عن حسد الناجحين والتربص بالمختلفين .

ويكفي أن نتأمل قصة ابني آدم، حيث قاد الحسد أحد الأخوين إلى قتل الآخر، أو قصة النبي يوسف الذي كان تميزه سببًا في غيرة إخوته منه… ؛  وفي التراث العربي قيل: “كل ذي نعمة محسود” .

**لماذا يُحسد الكاتب المبدئي؟

لأن الكاتب المبدئي يملك ما يفتقده كثيرون: الحضور والتأثير والاستقلالية… ؛  فهو لا يستمد قيمته من منصب عابر أو سلطة مؤقتة، بل من إنتاجه الفكري ومن قدرته على الوصول إلى عقول الناس وقلوبهم… ؛  وهذه المكانة المعنوية كثيرًا ما تثير قلق بعض أصحاب المصالح أو أولئك الذين اعتادوا احتكار المشهد الثقافي والإعلامي.

ومن أبرز صور الحسد التي يواجهها الكاتب والباحث والإعلامي:

اتهامه بحب الظهور كلما كثرت كتاباته أو اتسع جمهوره.

التشكيك في نواياه ودوافعه، وربط نجاحه بالمصالح الشخصية لا بالجهد والكفاءة.

التقليل من قيمة منجزه العلمي أو الثقافي دون مناقشة حقيقية لمضمونه.

نشر الشائعات حوله أو محاولة عزله اجتماعيًا ومهنيًا.

محاربة الأفكار الجديدة خوفًا من أن تسحب البساط من تحت أقدام أصحاب النفوذ التقليدي.

والمفارقة أن كثيرًا من هؤلاء لا ينزعجون من الفشل، بل من النجاح نفسه؛ لأن النجاح يضعهم أمام مرآة تقارن بين ما أنجزه الآخرون وما عجزوا هم عن إنجازه.

**الجذور النفسية والاجتماعية للحسد

الحسد في جوهره ليس مشكلة عند الناجح، بل أزمة داخل نفس الحاسد… ؛  فهو شعور ينشأ عندما يرى الإنسان نعمة أو تفوقًا عند غيره فيتمنى زواله أو يتألم من وجوده.

ولذلك فإن البيئات التي تندر فيها الفرص ويضعف فيها التقدير العادل للكفاءات تصبح أكثر قابلية لانتشار هذه الظاهرة.

وفي بعض الأوساط الثقافية والإعلامية يتحول التنافس المهني من سعي مشروع إلى التميز إلى صراع شخصي هدفه إقصاء الآخرين… ؛  وعندما تضيق مساحات الاعتراف بالنجاح، يصبح تحطيم الناجح أسهل من منافسته.

كما أن الاستقطاب السياسي والفكري والطائفي والحزبي والقومي يزيد من حدة المشكلة؛ فكل صاحب رأي مستقل يُدفع أحيانًا إلى خانة معينة، ثم يُهاجم بناءً على هذا التصنيف لا على أساس ما يكتبه أو يقدمه من أفكار.

**بين الحسد والتسقيط

إن أخطر ما يواجه الكاتب المبدئي ليس النقد الموضوعي، فالنقد ضرورة لتطور الفكر والثقافة، وإنما حملات التسقيط التي تستهدف الشخص بدل الفكرة، والاسم بدل النص، والسمعة بدل الحجة.

فالناقد الحقيقي يناقش الأفكار ويقدم الأدلة، أما الحاسد فينشغل بالكاتب نفسه، ويبحث عن أي وسيلة للنيل من مكانته، لأنه يدرك في قرارة نفسه أن مواجهة الفكرة بالفكرة مهمة أصعب من تشويه صاحبها.

**كيف ينتصر أصحاب الأقلام الحرة؟

التاريخ يقدم جوابًا واضحًا: بالصبر والاستمرار… ؛  فالأسماء التي بقيت في ذاكرة الشعوب لم تبقَ لأنها كانت محبوبة من الجميع، بل لأنها واصلت العمل رغم العداوات والافتراءات.

ولهذا فإن أفضل رد على الحسد ليس الدخول في معارك جانبية، بل مواصلة الإنتاج المعرفي، وتوسيع دائرة القراءة والبحث، والانفتاح على المنصات الثقافية الأوسع، وبناء شبكة من العلاقات المهنية القائمة على الاحترام المتبادل.

فالكاتب الحقيقي لا يقاس بعدد خصومه، بل بما يتركه من أثر… ؛  أما الحاسدون، فإنهم غالبًا ما يختفون مع الزمن، بينما تبقى الكلمة الصادقة شاهدة على صاحبها.

**خاتمة

كلما ارتفع صوت الحقيقة، ارتفعت معه أصوات الاعتراض والحسد والحقد… ؛  وهذه ليست علامة فشل، بل كثيرًا ما تكون دليل تأثير… ؛  فالكاتب والباحث والإعلامي المبدئي يسير في طريق شاق؛ لأنه لا يكتفي بمجاراة الواقع، بل يحاول تغييره.. ,  ومن يحاول إشعال شمعة في العتمة لا بد أن يثير انزعاج أولئك الذين اعتادوا الظلام.

لهذا لا ينبغي لصاحب القلم الحر أن ينشغل كثيرًا بمن يحسدونه، بل بمن يقرأونه، لأن التاريخ لم يكتب أسماء الحاسدين إلا نادرًا، لكنه حفظ أسماء الذين تركوا أثرًا في حياة الناس وأفكارهم.