فتات الغزاة ووكلاء الخراب

رياض سعد

حين نهب الغرباء العراق، لم يحملوا معهم كل الغنائم… ؛  تركوا وراءهم شيئاً من الفتات؛ لا عن كرمٍ أو رحمة، بل عن معرفة عميقة بطبيعة الاحتلال وآلياته.

كانوا يعلمون أن البلدان لا تُنهب بالسلاح وحده، وأن الجيوش، مهما بلغت قوتها، تحتاج إلى أيدٍ محلية تحرس ما سرقته، وتُجمّل ما اقترفته، وتُقنع الضحايا بأن ما جرى لهم كان قدراً لا فكاك منه.

ذلك الفتات كان كافياً ليشتري ذمم رجال ظنوا أن الوطن سلعة قابلة للمساومة، وأن الكرامة الوطنية مجرد شعار يصلح للخطب والمناسبات، لا قيمة أخلاقية تستحق التضحية… ؛  باعوا مواقفهم مقابل منافع عابرة، واستبدلوا شرف الانتماء بوظائف مؤقتة، ومجدوا أسياد اللحظة على حساب تاريخ بلد يمتد آلاف السنين.

لم يكونوا مجرد متفرجين على الخراب، بل تحول بعضهم إلى حرّاس له… ؛  صاروا أكثر حماسة في الدفاع عن مصالح الغرباء من الغرباء أنفسهم، وأكثر قسوة على أبناء جلدتهم من المحتلين الذين جاؤوا من وراء البحار… ؛  مارسوا دور الجلاد وهم يرتدون أقنعة الوطنيين، وتحدثوا باسم الشعب بينما كانوا يتاجرون بآلامه، ويقتاتون على خوفه وانقسامه وفقره.

لقد اكتشف الغزاة، منذ زمن بعيد، أن أخطر أنواع الاحتلال ليس ذلك الذي يفرض نفسه بالقوة، بل ذاك الذي يجد من يتبناه من الداخل، ويمنحه الشرعية، ويعيد إنتاجه بلغات محلية وشعارات وطنية براقة… ؛  فحين يفقد بعض أبناء الوطن مناعتهم الأخلاقية، يصبح العدو أقل حاجة إلى السلاح، وأكثر اعتماداً على الطامحين إلى السلطة، والساعين إلى الثروة، والمستعدين لبيع كل شيء مقابل نصيب من الغنيمة.

وما أشد قسوة الخيانة حين ترتدي ثوب الوطنية… ؛  فالوطن لا يسقط فقط عندما تُكسر حدوده، بل حين تُكسر البوصلة الأخلاقية لأبنائه، وحين يتحول الدفاع عن المصالح الشخصية إلى عقيدة، ويصبح الصمت على الفساد حكمة، وتبرير الارتهان دهاءً سياسياً، وبيع المواقف نوعاً من الواقعية.

غير أن العراق، الذي عبرت فوق ترابه إمبراطوريات وغزوات وحروب لا تُحصى، لم يكن يوماً مجرد أرض قابلة للبيع في سوق المصالح… ؛  إنه ذاكرة شعب، وكرامة أجيال، وتاريخ مكتوب بعرق الفلاحين، ودماء الجنود، وأحلام البسطاء الذين لم يملكوا سوى إيمانهم بأن الأوطان أكبر من الحكومات، وأبقى من المحتلين، وأن الخراب، مهما طال، ليس قدراً أبدياً.

لقد سرق  الاجانب والغرباء ما استطاعوا حمله، لكن الأخطر من السرقة كان أولئك الذين قبلوا أن يكونوا شهود زور على الجريمة، ثم تحولوا إلى حرّاس لأبوابها… ؛  ومع ذلك، فإن الأمم لا تُقاس بعدد من خانوها، بل بعدد الذين ظلوا، وسط العتمة، يرفضون بيع ضمائرهم، ويتمسكون بحقيقة بسيطة وعظيمة في آن واحد: أن الأوطان لا تُورث من الغزاة، ولا تُشترى بفتاتهم، وأن الكرامة التي تُباع مرة، يصعب على أصحابها استردادها مهما تضخمت الغنائم.

فليس كل من بقي في الوطن كان من أبنائه حقاً، وليس كل من جاع خان… ؛  أما الذين ارتضوا لأنفسهم أن يقتاتوا من فتات الغزاة، فقد ربحوا امتيازات عابرة، لكنهم خسروا ما لا يُشترى ولا يُعوّض: احترام التاريخ، ورضا الضمير، وشرف الانتماء إلى وطن اسمه العراق.