رياض سعد
ليست المشكلة في العراق أن بعض الوظائف تتطلب رواتب أعلى من غيرها، فهذه حقيقة تفرضها طبيعة الاختصاص والخبرة والمسؤولية في جميع دول العالم… ؛ لكن المأساة تبدأ عندما تتحول الرواتب إلى غنائم سياسية، وتصبح الامتيازات المالية حكراً على طبقة محددة صنعت قوانينها بيدها، وشرّعت لنفسها ما حرمته على سائر أبناء الشعب.
فإذا كانت العدالة الاقتصادية تقوم على مبدأ التوازن بين الجهد والعائد، فإن أي نظام رواتب يفقد هذا التوازن يتحول إلى مصدر للتذمر الاجتماعي والاحتقان النفسي والشعور بالغبن. فالعامل الذي يستيقظ قبل الفجر ليؤدي عملاً شاقاً لا يمكن أن يشعر بالإنصاف عندما يرى أن دخله أقل من دخل أشخاص لا يبذلون الجهد نفسه أو لا يتحملون المسؤوليات ذاتها… ؛ وعندما يدرك أن هذا الفارق لا تحكمه الكفاءة ولا الإنتاجية، بل تحدده المحسوبية والانتماءات وشبكات النفوذ، فإن إحساسه بالظلم يصبح مضاعفاً.
إن المشكلة لا تكمن في منح رواتب مرتفعة لأصحاب الكفاءات والخبرات، فذلك أمر معمول به في جميع دول العالم، وإنما تكمن في غياب المعايير الواضحة والموحدة التي تجعل المواطن يفهم سبب هذا الفارق ويقتنع بعدالته… ؛ فالراتب المرتفع يصبح مشروعاً عندما يقابله اختصاص نادر أو مسؤولية استثنائية أو إنتاجية عالية، لكنه يفقد مشروعيته الأخلاقية والاجتماعية عندما يتحول إلى امتياز طبقي أو سياسي أو فئوي.
لقد نجحت حيتان الفساد، عبر سنوات طويلة، في بناء منظومات امتياز مغلقة، ففصلت نفسها وأتباعها عن بقية المجتمع بقوانين خاصة ومخصصات استثنائية وحوافز لا تخضع لأي معيار موضوعي… ؛ ولم تعد الدولة بالنسبة إلى الجميع كياناً واحداً يخضع فيه المواطنون للقواعد ذاتها، بل غدت أشبه بجزر متباعدة من الامتيازات والحرمان.
وكأن المواطن لا يعيش في دولة واحدة بل عدة دول، لكل منها نظامها الاقتصادي وسلمها الخاص بالرواتب… ؛ فهناك دولة الامتيازات المفتوحة، ودولة الرواتب المحصنة، ودولة المخصصات الاستثنائية، وفي المقابل توجد دولة الموظف البسيط والعامل والمتقاعد الذين يواجهون أعباء الحياة بموارد محدودة لا تكاد تواكب أبسط متطلبات العيش الكريم...!!
لقد عانى العراق لعقود طويلة من غياب رؤية اقتصادية مستقرة في إدارة ملف الأجور والرواتب، فتراكمت الامتيازات الخاصة، وتعددت القوانين، وتباينت أنظمة الرواتب بين مؤسسة وأخرى، حتى أصبح التفاوت الفاحش أمراً معتاداً، لا يثير لدى أصحاب النفوذ سوى مزيد من السعي لتكريس مكتسباتهم، فيما يزداد شعور المواطن العادي بأن الدولة لا تنظر إلى أبنائها بعين واحدة.
وما يزيد المشكلة تعقيداً أن الفجوة الواسعة بين الدخول لا تؤثر في الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي ذاته… ؛ فحين تتسع الهوة بين الطبقات، يضعف الشعور بالمواطنة المشتركة، وتنمو مشاعر الإحباط وفقدان الثقة بالمؤسسات، ويبدأ الناس بالنظر إلى الوظيفة العامة بوصفها باباً للامتيازات لا وسيلة لخدمة المجتمع… ؛ وعندما تصبح الوظيفة طريقاً للثروة السهلة لا ميداناً للمسؤولية العامة، فإن قيم الدولة نفسها تتعرض للتآكل.
إن بناء دولة مستقرة لا يتحقق بكثرة الرواتب ولا بضخامتها وحدها، بل بتحقيق العدالة في توزيعها، وربطها بالكفاءة والخبرة والإنتاجية، ووضع سياسة اقتصادية واضحة تضمن حياة كريمة للعامل والموظف والمتقاعد، وتحفظ في الوقت نفسه المال العام من الهدر والامتيازات غير المبررة.
فالأمم لا تُقاس بحجم ثرواتها فقط، بل بقدرتها على توزيع تلك الثروات بعدالة بين أبنائها… ؛ وعندما يشعر المواطن أن جهده مقدر، وأن حقوقه مصانة، وأن الفرص متكافئة بين الجميع، يصبح أكثر استعداداً للإنتاج والعطاء والدفاع عن دولته… ؛ أما حين تغيب العدالة، ويحل محلها التفاوت غير المنطقي الذي تصنعه شبكات المصالح وحيتان الفساد، فإن الثروة نفسها قد تتحول من عامل استقرار إلى مصدر دائم للتوتر والانقسام.
لذلك فإن إصلاح سياسة الأجور والرواتب في العراق ليس قضية مالية فحسب، بل هو مشروع وطني وأخلاقي واجتماعي يستوجب تفكيك منظومة الامتيازات غير المستحقة، وإخضاع الجميع لمعايير عادلة وشفافة، وترسيخ مبدأ أن المال العام حق لجميع العراقيين، لا ملكية خاصة لفئة استطاعت أن تكتب القوانين على مقاس مصالحها. فالدولة العادلة هي التي يشعر جميع أبنائها بأنهم متساوون في الحقوق والفرص والكرامة، لا أن يعيش بعضهم في عراق الامتيازات، فيما يُترك الآخرون لمواجهة عراق الحرمان وشظف العيش.