جديد

لماذا يُهزم المتفوقون في امتحانات البكالوريا؟ السرّ الصامت لعسر القراءة والكتابة في العراق والعالم العربي

إيهاب مقبل

تُعد صعوبات القراءة والكتابة من أكثر اضطرابات التعلم انتشارًا في العالم، وهي من المشكلات التي قد تؤثر على المسار الدراسي للطالب رغم امتلاكه مستوى ذكاء طبيعيًا أو مرتفعًا. ومن أبرز هذه الصعوبات عُسر القراءة (Dyslexia) وعُسر الكتابة (Dysgraphia)، وهما اضطرابان يؤثران على طريقة معالجة الدماغ للغة المكتوبة، وليس على القدرة العقلية أو الرغبة في التعلم.

تكتسب هذه المشكلة أهمية خاصة في الدول العربية بسبب طبيعة اللغة العربية ونظام الكتابة المختلف عن كثير من اللغات الأخرى، إضافة إلى أن بعض الأنظمة التعليمية تعتمد بدرجة كبيرة على القراءة السريعة والحفظ والامتحانات الكتابية الطويلة. ويظهر هذا التحدي بشكل واضح في العراق، حيث توجد حالات لطلاب يمتلكون قدرات علمية عالية وفهمًا جيدًا للمناهج، لكنهم يحصلون على نتائج أقل من المتوقع في الامتحانات النهائية، وقد يكون أحد الأسباب المحتملة وجود صعوبات تعلم لم يتم اكتشافها مبكرًا.

ما هو عُسر القراءة والكتابة؟
عُسر القراءة هو اضطراب تعلم يؤثر على قدرة الشخص على قراءة الكلمات بسرعة ودقة، وربط الحروف بالأصوات، وتحليل الكلمات وفهم النصوص المكتوبة بكفاءة. الطالب الذي لديه عسر قراءة قد يكون متفوقًا في التفكير والتحليل والحفظ، وقد يستطيع شرح الدرس شفهيًا بطريقة ممتازة، لكنه يواجه صعوبة عندما يحتاج إلى قراءة كمية كبيرة من النصوص خلال وقت محدد.

أما عُسر الكتابة فهو اضطراب يؤثر على القدرة على التعبير الكتابي، وقد يظهر على شكل بطء شديد في الكتابة، أو صعوبة في تنظيم الأفكار على الورق، أو أخطاء متكررة في ترتيب الحروف والكلمات، أو صعوبة في نقل الأفكار التي يعرفها الطالب إلى إجابة مكتوبة.

ومن المهم التأكيد أن عسر القراءة والكتابة لا يعنيان ضعف الذكاء، فكثير من الأشخاص الذين لديهم هذه الصعوبات يمتلكون قدرات عالية في الإبداع وحل المشكلات والتفكير المنطقي.

أسباب عُسر القراءة والكتابة
لا يوجد سبب واحد يؤدي إلى ظهور عسر القراءة والكتابة، بل توجد مجموعة من العوامل المتداخلة. من أهم هذه العوامل وجود استعداد وراثي، إذ تظهر هذه الصعوبات أحيانًا لدى أكثر من فرد في العائلة. كما تشير الدراسات إلى وجود اختلافات في طريقة معالجة الدماغ للأصوات والرموز المكتوبة، خصوصًا في المناطق المرتبطة باللغة.

ومن الأسباب المهمة أيضًا ضعف الوعي الصوتي، أي صعوبة تحليل الكلمات إلى أصوات صغيرة وربط هذه الأصوات بالحروف. وهذه العملية أساسية في تعلم القراءة والتهجئة.

إضافة إلى ذلك، فإن طبيعة اللغة العربية نفسها قد تزيد من التحديات لدى بعض الطلاب. فالخط العربي يتطلب معالجة بصرية دقيقة لأن شكل الحرف يتغير حسب موقعه في الكلمة، كما أن هناك العديد من الحروف المتشابهة التي يميز بينها الطالب من خلال النقاط أو التفاصيل الصغيرة. كذلك فإن معظم النصوص العربية تُكتب من دون حركات، مما يجعل القارئ يعتمد على السياق لفهم النطق والمعنى، وهذا قد يزيد العبء على الطالب الذي لديه صعوبة في فك الرموز اللغوية.

انتشار عُسر القراءة والكتابة في الدول العربية
تشير الدراسات المتوفرة في الدول العربية إلى أن عسر القراءة موجود بنسبة ملحوظة بين الأطفال في المدارس. وتظهر بعض التحليلات الواسعة التي شملت آلاف الطلاب العرب أن متوسط انتشار عسر القراءة بين أطفال المدارس الابتدائية العرب يبلغ حوالي 11%، مع وجود اختلافات واضحة بين الدول والمناطق بسبب اختلاف طرق التشخيص والوعي والخدمات التعليمية.

وتظهر بعض الدراسات أن النسب قد ترتفع في مناطق معينة بسبب زيادة برامج الكشف والفحص، بينما قد تكون أقل في مناطق أخرى نتيجة نقص التشخيص وليس بالضرورة بسبب انخفاض عدد الحالات.

الإحصائيات في المملكة العربية السعودية
تُعد المملكة العربية السعودية من الدول العربية التي أجريت فيها عدة دراسات حول صعوبات التعلم، وتظهر البيانات المتوفرة وجود نسبة ملحوظة من الطلاب الذين يعانون من صعوبات في القراءة والكتابة.

في بعض الدراسات المحلية السعودية، تم تسجيل وجود أعراض مرتبطة بعسر القراءة لدى نسبة من طلاب المدارس، مع ملاحظة اختلاف النسب حسب العمر، وطريقة الفحص، والمنطقة.

كما أشارت بعض الدراسات إلى وجود فروق بين الجنسين، حيث ظهرت صعوبات القراءة والكتابة بنسبة أعلى لدى الذكور مقارنة بالإناث في بعض العينات.

أما بالنسبة لعسر الكتابة، فقد أظهرت دراسات سعودية حديثة حول صعوبات التعلم أن نسبة من الطلاب الذين لديهم مشكلات تعليمية مستمرة ظهرت لديهم أعراض واضحة لعسر الكتابة، ووصلت بعض العينات السريرية أو التعليمية إلى حوالي 35% من الطلاب الذين تم فحصهم ضمن مجموعات لديها صعوبات تعلم.

كما أن بعض الدراسات السريرية على الأطفال الذين لديهم اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أشارت إلى وجود تداخل كبير بين هذه الحالات وعسر الكتابة، حيث قد تظهر صعوبات الكتابة بدرجات مختلفة لدى نسبة مرتفعة من هذه الفئات.

عُسر القراءة والكتابة في العراق
يمثل العراق حالة مهمة عند الحديث عن صعوبات التعلم بسبب التحديات التعليمية والاجتماعية التي مر بها النظام التعليمي خلال العقود الماضية. من أبرز المشكلات وجود نقص في برامج الفحص المبكر والمنهجي لصعوبات التعلم في العديد من المدارس، مما يؤدي إلى بقاء بعض الحالات دون تشخيص.

تشير بعض الفحوصات المحلية في العراق إلى وجود نسبة ملحوظة من عسر الكتابة بين طلاب المدارس. ففي دراسة فحص محلية أجريت في محافظة واسط على أطفال تتراوح أعمارهم بين 7 و12 سنة، تم تسجيل انتشار لعسر الكتابة وصل إلى حوالي 27% ضمن العينة التي تم تقييمها.

وتشير هذه النسبة إلى أن المشكلة قد تكون موجودة لدى عدد كبير من الطلاب، خصوصًا عندما لا يتم إجراء فحص مبكر.

كما أظهرت الدراسة وجود فرق بين الذكور والإناث، حيث كانت أعراض عسر الكتابة أكثر انتشارًا لدى الأولاد مقارنة بالبنات، وهو اتجاه ظهر أيضًا في دراسات عربية أخرى.

كذلك وجدت الدراسة علاقة بين صعوبات الكتابة ومستوى تعليم الوالدين، حيث ظهرت معدلات أعلى من الصعوبات لدى الأطفال الذين كان مستوى التعليم الرسمي لدى الوالدين أقل.

أما بالنسبة لعسر القراءة في العراق، فلا توجد حتى الآن إحصاءات وطنية شاملة بسبب غياب برامج فحص موحدة على نطاق واسع، لكن الدراسات المتعلقة بصعوبات التعلم العامة في المدارس العراقية تشير إلى أن نسبة الطلاب الذين لديهم صعوبات تعلم قد تكون في حدود 12% إلى 15% في بعض التقديرات.

لماذا قد يحصل طالب متفوق على درجة منخفضة في البكالوريا؟
من الظواهر التي يلاحظها بعض المعلمين والأسر وجود طلاب يبدو عليهم التفوق أثناء الدراسة، لكنهم يحصلون على نتائج أقل من المتوقع في امتحانات البكالوريا. وقد يكون عسر القراءة أو الكتابة أحد العوامل المحتملة في بعض الحالات.

في الامتحانات النهائية، لا يتم تقييم معرفة الطالب فقط، بل يتم تقييم قدرته على قراءة الأسئلة بسرعة وفهمها ومعالجة المعلومات والكتابة تحت ضغط الوقت.

الطالب الذي لديه عسر قراءة قد يحتاج إلى وقت أطول لقراءة السؤال، وقد يستهلك جزءًا كبيرًا من طاقته في فك الكلمات بدل التركيز على الحل.

أما الطالب الذي لديه عسر كتابة فقد يعرف الإجابة بشكل كامل، لكنه لا يستطيع كتابتها بالسرعة المطلوبة، أو تكون إجابته غير مرتبة بسبب صعوبة تنظيم الأفكار على الورق. ومع ضيق وقت الامتحان قد يخسر درجات ليس بسبب نقص المعرفة، بل بسبب صعوبة التعبير الكتابي.

طرق التدريس المناسبة للطلاب الذين لديهم عسر القراءة والكتابة
يحتاج الطلاب الذين يعانون من عسر القراءة إلى أساليب تعليمية خاصة تساعدهم على تجاوز صعوبات القراءة والكتابة وتمكينهم من الفهم والتعلم بشكل أفضل. ومن أهم هذه الأساليب أن يُمنح الطالب فرصة الاستماع إلى النصوص بدل الاعتماد على القراءة فقط، لأن ذلك يساعده على تطوير المفردات وفهم المفاهيم بشكل أعمق.

كما يُفضل أن يتعلم الطالب مفهومًا واحدًا مع الصوت المرتبط به في كل مرة، بحيث يتم ربط الكلمة بشكلها ومعناها ونطقها تدريجيًا، مما يسهل عملية الفهم والتذكر.

ومن المهم أيضًا تجنب عرض النصوص الطويلة، ويفضل بدلًا من ذلك أن تكون النصوص قصيرة ومدعومة بالصور، لأن الدمج بين النص والصورة يساعد الطالب على الفهم بشكل أسرع ويقلل العبء البصري.

كما أن التدريب المكثف والمتكرر على نفس المفهوم يساعد الطلاب الذين لديهم صعوبات في القراءة على تحسين مهاراتهم تدريجيًا، لأن التكرار المنظم يعزز التعلم ويقوي الذاكرة اللغوية.

ومن الضروري تقديم تعليمات واضحة سواء كانت شفهية أو مكتوبة، بحيث يستطيع الطالب الرجوع إليها في أي وقت عند الحاجة، مما يساعده على تنظيم العمل وتقليل الأخطاء.

وتُعد المصادر التعليمية الرقمية جزءًا مهمًا من التعليم الحديث للطلاب الذين لديهم عسر قراءة، لأنها تزيد من مشاركتهم واستقلاليتهم وتمنحهم فرصة أفضل لتطوير تعلمهم. وتشمل هذه المصادر مواقع الإنترنت، والكتب التعليمية الرقمية، والصور، والملفات الصوتية، ومقاطع الفيديو، والتطبيقات والبرامج التعليمية. كما تشمل الأدوات الرقمية المختلفة والمواد التفاعلية.

كما يحتاج الطالب إلى دعم مباشر من المعلم أثناء تنفيذ المهام والواجبات، لأن التوجيه المستمر يساعده على فهم المطلوب وتجاوز الصعوبات التي قد تواجهه أثناء التعلم.

وفي سياق الامتحانات، وخاصة امتحانات البكالوريا، يحتاج هؤلاء الطلاب إلى وقت إضافي مقارنة بزملائهم، لأن سرعة القراءة والكتابة لديهم تكون أبطأ رغم امتلاكهم نفس مستوى الفهم والمعرفة. كما يُعد من الإجراءات المهمة توفير إمكانية إجراء الامتحانات باستخدام الحاسوب المحمول (اللابتوب)، بحيث يتم تفعيل أدوات تساعد على قراءة الأسئلة بشكل تلقائي (تحويل النص إلى صوت)، مما يتيح للطالب فهم الأسئلة بشكل أفضل والتركيز على الإجابة بدل الانشغال بعملية فك الرموز اللغوية. وتُعد هذه الممارسات جزءًا من تجربة سويدية في تنظيم وإجراء الامتحانات النهائية لهذه الفئة من الطلاب، بهدف ضمان عدالة التقييم وتكافؤ الفرص.

وأخيرًا، من المهم إعطاء الطالب وقتًا إضافيًا أثناء الاختبارات الورقية أيضًا، بالإضافة إلى قراءة الأسئلة له عند الحاجة، حتى يتمكن من فهم المطلوب والإجابة بشكل يعكس مستواه المعرفي الحقيقي، بدلًا من أن يتم تقييمه بناءً على سرعة القراءة أو الكتابة فقط.

الخلاصة
عسر القراءة والكتابة مشكلة تعليمية حقيقية موجودة في الدول العربية، وتشير الإحصائيات المتوفرة من دول مثل السعودية والعراق إلى أن نسبة من الطلاب قد يواجهون هذه الصعوبات بدرجات مختلفة.

وفي العراق تحديدًا، قد توجد حالات لطلاب متفوقين يحصلون على درجات أقل من قدراتهم بسبب صعوبات تعلم لم يتم اكتشافها. لذلك فإن زيادة الوعي، وتحسين التشخيص، وتطوير طرق التدريس، يمكن أن تساعد آلاف الطلاب على إظهار قدراتهم الحقيقية بدل أن تُقاس قدراتهم فقط بقدرتهم على القراءة والكتابة تحت ضغط الامتحان.

المراجع
الجمعية السويدية لعسر القراءة (Svenska Dyslexiföreningen)، معلومات وإرشادات حول عسر القراءة، تاريخ الاطلاع: 2026.
https://www.dyslexiforeningen.se/

عسر القراءة، اضطراب اللغة أو تطوير اللغة الثانية، جامعة ستوكهولم – المركز الوطني للغة السويدية كلغة ثانية، آخر تحديث: 2025.
https://www.su.se/enheter/nationellt-centrum-for-svenska-som-andrasprak/rad-och-stod/vanliga-fragor/dyslexi-sprakstorning-eller-andraspraksutveckling

الرضا الأكاديمي والكفاءة الذاتية لدى طلاب الطب: دور صعوبات التعلم المحددة في المملكة العربية السعودية، مجلة أبحاث الإعاقة (Journal of Disability Research)، يونيو حزيران 2025.
https://www.scienceopen.com/hosted-document?doi=10.57197/JDR-2025-0015

انتشار عسر القراءة النمائي بين أطفال المدارس الابتدائية في الدول العربية: مراجعة منهجية وتحليل شمولي، قسم التربية الخاصة، كلية التربية، جامعة المجمعة، المملكة العربية السعودية، يوليو تموز 2024.
https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0891422224001446

انتشار صعوبات التعلم بين الطلاب الموهوبين والمتفوقين والعاديين في العراق، المجلة التركية الإلكترونية للبحث النوعي (Turkish Online Journal of Qualitative Inquiry)، 2021، المجلد 12، العدد 6، ص 8359.
https://turcomat.org/index.php/turkbilmat/article/view/6601

انتهى