لماذا سلسلة الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل ؟

رياض سعد

مقدمة: سؤال الأمة المؤجَّل

ليس العراق كلمةً تُقال، ولا خريطةً تُعلَّق على جدارٍ بارد، ولا تاريخًا يُستدعى كلما ضاق الحاضر واتّسع العجز… ؛  إنّه، في جوهره العميق، سؤالٌ مفتوحٌ منذ قرون: هل نحن أمام أمّةٍ تكتمل ملامحها ببطءٍ وألم، أم أمام كيانٍ سياسيٍّ يتعثّر في البحث عن معنى يبرّر وجوده؟

منذ أن بدأ العقل الحديث يتحدّث عن “الأمّة” بوصفها رابطةً عليا تتجاوز القبيلة والطائفة، بدا العراق وكأنّه يقف على حافة هذا المفهوم، يقترب منه حينًا ويبتعد عنه أحيانًا أخرى.

فالأمّة ليست مجرّد اجتماع بشري داخل حدودٍ مرسومة، بل هي شعورٌ داخلي بالانتماء، ووعيٌ مشترك بالمصير، وسرديّةٌ يتقاسمها الناس كما يتقاسمون الخبز والقلق.

وهنا تحديدًا تكمن المفارقة العراقية: أرضٌ واحدة، وتاريخٌ متراكم، لكن السرديّة التي تجمع الجميع ظلّت، إلى اليوم، متردّدةً، متشظّية، أو ربما غير مكتملة.

لم يكن العراق، في أيّ مرحلة من تاريخه الطويل، كيانًا بسيطًا يمكن اختزاله في تعريفٍ واحد… ؛  لقد كان دائمًا طبقاتٍ فوق طبقات: حضاراتٌ تنبثق ثم تغيب، إمبراطورياتٌ تعبر تاركةً آثارها في اللغة والذاكرة، جماعاتٌ تستقرّ وأخرى ترتحل، وهوياتٌ تتشكّل لا بوصفها وحدةً صافية، بل كفسيفساء لا تستقرّ على شكلٍ نهائي… ؛  ولهذا فإنّ السؤال عن “الأمّة العراقية” ليس سؤالًا بريئًا، بل هو في جوهره مساءلةٌ عميقةٌ لهذا التراكم كلّه: كيف يمكن لكلّ هذا التنوع أن يتحوّل إلى وحدة؟

وهل الوحدة أصلًا شرطٌ للوجود، أم أنّ التعدّد هو الحقيقة التي لم نتعلّم بعد كيف نعيشها؟

لقد جاء العراق الحديث، بوصفه دولةً، في لحظةٍ تاريخيةٍ لم تكن فيها فكرة الأمّة قد نضجت داخليًا بقدر ما فُرضت خارجيًا… ؛  رُسمت الحدود، أُعلنت الدولة، وتشكّلت السلطة، لكن السؤال ظلّ معلقًا في وعي الناس: هل هذه الدولة تعبّر عنّا، أم نحن الذين نحاول أن نلحق بها؟

ومنذ تلك اللحظة، بدأ تاريخٌ آخر للعراق، ليس تاريخ الوقائع السياسية فحسب، بل تاريخ العلاقة المتوترة بين الدولة والمجتمع، بين السلطة والانتماء، بين ما يُراد أن نكونه وما نشعر أنّنا عليه.

ولأنّ الهوية لا تُبنى بقرارٍ سياسي، ولا تُفرض بخطابٍ رسمي، فقد ظلّ العراقيّ يعيش في مساحةٍ رمادية بين انتماءاتٍ متعدّدة: دينية، مذهبية، قومية، محلية، بل وحتى فردية… ؛ و لم يكن هذا التعدّد دائمًا مصدرَ غنى، بل تحوّل في كثيرٍ من الأحيان إلى ساحة صراع، حيث تتنازع الهوياتُ على تعريف الإنسان قبل أن تتنازع على الأرض… ؛  وهكذا، بدل أن تتشكّل الأمّة بوصفها أفقًا جامعًا، بدا وكأنّها تتراجع أمام هوياتٍ أكثر حضورًا وتأثيرًا.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال التجربة العراقية في الفشل أو التفكك… ؛  فثمّة، في عمق هذا المشهد المعقّد، خيطٌ خفيّ من الشعور المشترك، يظهر في لحظات الأزمات الكبرى، حين تتراجع الانقسامات مؤقتًا لصالح إحساسٍ غامضٍ بالوحدة الوطنية… ؛  غير أنّ هذا الإحساس، على أهميته، ظلّ عابرًا، غير قادرٍ على التحوّل إلى مشروعٍ دائم، أو إلى سرديّةٍ متماسكة تُعيد تعريف “نحن” العراقية.

من هنا، لا تأتي هذا السلسلة لتقدّم إجاباتٍ جاهزة، ولا لتؤكّد وجود أمّةٍ مكتملةٍ أو ينفيها بشكلٍ قاطع… ؛  إنّها، قبل كلّ شيء، محاولةٌ للفهم: كيف تشكّل العراق كما نعرفه اليوم؟ ولماذا ظلّت وطنيته موضعَ سؤالٍ دائم؟

وهل يمكن، في ظلّ هذا التاريخ المعقّد، أن نتحدّث عن “أمّة عراقية” بالمعنى الحديث، أم أنّنا بحاجةٍ إلى إعادة تعريف هذا المفهوم بما يتلاءم مع خصوصية التجربة العراقية؟

إنّ هذا العمل ينطلق من قناعةٍ أساسية: أنّ الأوطان لا تُبنى على الأوهام، ولا تستمرّ بالإنكار، بل بالتفكير الصريح، والنقد الجريء، والقدرة على مواجهة الأسئلة المؤجّلة.

والعراق، بما يحمله من ثقل التاريخ وحدّة الحاضر، ليس استثناءً من هذه القاعدة، بل ربما هو أحد أكثر أمثلتها تعقيدًا ووضوحًا في آنٍ معًا.

لذلك، فإنّ هذه الصفحات والمقالات ليست دفاعًا عن فكرةٍ مسبقة، ولا هجومًا على سرديّةٍ بعينها، بل هي محاولةٌ لفتح الباب أمام تفكيرٍ مختلف: تفكيرٍ يرى في العراق مشروعًا لا حقيقةً منجزة، وفي الوطنية سؤالًا لا شعارًا، وفي الأمّة احتمالًا يتشكّل بقدر ما نمتلك الشجاعة لإعادة النظر في أنفسنا، قبل أن نعيد تعريف حدودنا.