رياض سعد
في البدء، جبل الأكبر الكائنات من طين الحيرة، ومنحهم جدراناً يستندون إليها… ؛ شيدوا مدناً من الأكف المتشابكة، وهتفوا بصوت واحد: “نحن الحقيقة لأننا كُثُر.
ويُروى أنه حين احتشد الضعفاء الاقوياء عند تخوم الهزيمة، صاح الأكبر في الملأ الأعلى: انصروهم… فأنا معهم.
فاهتزت السماوات، ونزلت الملائكة بأجنحتها النورانية، وأحاطت بالمساكين الجبارين من كل جانب… ؛ فظنوا أن النصر صار يقيناً، وأن الكثرة إذا أُسندت بالسماء لا تُغلب...
لكن قبل أن تبدأ المعركة، ارتفع لوسيفر وحده إلى أبواب العلو، وكان فريداً بلا شبيه ,وصرخ نحو العرش: “يا كليّ العدل، لقد وهبتهم دفء الجماعة، وتركتني وحيداً أقضم صقيع نفسي… ؛ أليست قمة الظلم أن تحاربني كثرتهم بفضيلتك؟!
ساد صمتٌ عظيم…
أومأ الأكبر بيده صامتاً، ومحا المسافة بين الفرد والمجموع؛ ثم سكب في روع الظل قوة بحرٍ هائج، وحوّل جموع البشر إلى مجرد مرايا تعكس وجهه الواحد.
ثم قال : سأمدّك كما أمدّهم .
وعندئذٍ ابتسم لوسيفر…
ودارت المعركة.
وتساقطت الأجنحة، وانطفأت السيوف النورانية، وانهزم الجمع، وولّوا الأدبار…
أما لوسيفرفبقي واقفاً في وسط الميدان، يحيط به صمتٌ كثيف كالأبدية...
وفي تلك اللحظة أدركت الملائكة حقيقةً مُرّة:
ليس الانتصار دائماً حليف الكثرة، ولا الهزيمة دائماً نصيب الوحدة؛ فربما يكون أخطر ما في الوجود أن يُمدَّ النور والظلام بالقوة نفسها، ثم يُترك الجميع أحراراً ليكشفوا ما في أعماقهم.
ومنذ ذلك اليوم، صار بعض الحكماء يهمسون :
إن معركة الكون ليست بين الخير والشر، بل بين الكائن الذي يعرف لماذا يقاتل، والكائن الذي يقاتل لأنه قيل له أن يقاتل.