حين يُنظِّر الغرباء للأمة: مفارقات القومية العربية وإشكاليات الهوية الوطنية

رياض سعد

من أغرب المفارقات الفكرية في التاريخ السياسي الحديث أن بعض أكثر المنظّرين حماسةً للقومية العربية لم يكونوا أبناء البيئة العربية التقليدية بالمعنى الثقافي أو الاجتماعي الذي ادّعوا تمثيله، بل جاؤوا من خلفيات متباينة، وحملوا معهم تصورات نظرية حاولت إعادة تشكيل واقع المنطقة وفق قوالب أيديولوجية مجردة، متجاوزةً تعقيداتها التاريخية والاجتماعية والحضارية.

ولعل أبرز الأمثلة على ذلك الاجنبي الهجين ساطع الحصري، الذي ارتبط اسمه بمشروع القومية العربية في القرن العشرين، حتى غدا أحد أهم منظّريه ومهندسيه الفكريين.

غير أن أهمية الرجل لا تكمن في شخصه بقدر ما تكمن في الأفكار التي بشّر بها، وفي النتائج التي ترتبت على تحويل تلك الأفكار إلى عقيدة سياسية سعت إلى صهر شعوب متباينة في قالب قومي واحد.

لقد انطلق الحصري من فرضية مركزية مفادها أن اللغة هي الركيزة الأساسية للأمة، وأن الناطقين بالعربية يشكلون أمة واحدة بحكم اشتراكهم في اللسان… ؛  ووفق هذا التصور، فإن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل والتفاهم، بل قوة خفية تصنع وحدة الشعور والتفكير، وتنتج وعياً قومياً مشتركاً يتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.

غير أن هذه الفرضية تثير إشكاليات فلسفية وتاريخية عميقة.

فاللغة، مهما بلغت أهميتها، تبقى أداة من أدوات التعبير الإنساني، وليست كياناً سحرياً قادراً على إلغاء الفوارق التاريخية والثقافية والاجتماعية بين الشعوب… ؛ إذ لا يمكن للسان مشترك أن يمحو آلاف السنين من التجارب المختلفة، ولا أن يلغي الخصوصيات الحضارية والجينات الوراثية والسمات الجسمانية التي تشكلت عبر القرون.

ولو كان الاشتراك اللغوي كافياً لتكوين الأمم، لكان الناطقون بالإسبانية في أوروبا وأمريكا اللاتينية أمة واحدة، ولكان الناطقون بالإنكليزية في بريطانيا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا شعباً واحداً، ولكان العالم الفرنكوفوني الممتد من أوروبا إلى إفريقيا وأمريكا الشمالية أمة موحدة ذات مصير سياسي واحد.

لكن الواقع يكذب هذه الفرضية.

فالإسباني ليس أرجنتينياً، والفرنسي ليس كندياً، والبريطاني ليس أسترالياً، رغم وحدة اللغة… ؛  ذلك أن الأمم لا تتشكل من اللغة وحدها، بل من تراكمات التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والذاكرة الجمعية والتجربة السياسية المشتركة.

ومن هنا وقع الفكر القومي العربي في إحدى أكبر مفارقاته؛ إذ جعل الصفة بديلاً عن الموصوف، وجعل اللغة بديلاً عن التاريخ، وحوّل الانتماء اللغوي إلى هوية سياسية مطلقة.

وهكذا نشأت حالة من التماهي بين الأمة ومجرد إحدى سماتها، فجرى اختزال الوجود الاجتماعي المركب لشعوب المنطقة في عنصر لغوي واحد، بينما جرى تهميش الهويات الوطنية والتاريخية التي تشكلت على أرض الواقع عبر قرون طويلة.

إن العراقي ليس مجرد ناطق بالعربية، كما أن المصري ليس مجرد متحدث بها، وكذلك المغربي أو السوداني أو اليمني… ؛  فلكل مجتمع مساره التاريخي الخاص، وبنيته الاجتماعية الخاصة، وذاكرته الحضارية الخاصة، ومصالحه الوطنية الخاصة.

ومن هنا تبدو محاولة صهر هذه المجتمعات المختلفة في هوية قومية واحدة أقرب إلى مشروع أيديولوجي منه إلى توصيف علمي للواقع.

لقد تعاملت القومية العربية مع الأمة بوصفها فكرة ينبغي فرضها على التاريخ، بينما تقتضي المقاربة العلمية أن تُستخلص الأمة من التاريخ نفسه، لا أن يُعاد تشكيل التاريخ ليتوافق مع نظرية مسبقة.

ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتعثر مشاريع الوحدة العربية المتعاقبة، وأن تصطدم جميعها بصلابة الوقائع الوطنية التي أثبتت أن الشعوب لا تتخلى عن ذاكرتها التاريخية العميقة لصالح شعارات أيديولوجية عابرة.

إن الأمة ليست لغة فقط، وليست عرقاً فقط، وليست ديناً فقط، بل هي حصيلة معقدة من التجربة التاريخية المشتركة. وكل محاولة لاختزال هذا التعقيد في عامل واحد، مهما بدا براقاً، تنتهي غالباً إلى إنتاج أوهام سياسية أكثر مما تنتج حقائق اجتماعية.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يكمن في عدد الذين يتحدثون العربية، بل في عدد الذين يشتركون في تاريخ واحد ومصير واحد ومصلحة وطنية واحدة… ؛  وهنا تحديداً تبدأ إشكالية القومية العربية، وهنا أيضاً تنفتح أبواب النقاش حول مفهوم الأمة العراقية بوصفها مشروعاً تاريخياً نابعاً من واقع العراق نفسه، لا من تصورات أيديولوجية مستوردة أو مفروضة على الواقع من خارجه.

والمضحك في الأمر أن الهجين ساطع الحصري، الذي جعل اللغة العربية حجر الزاوية في نظريته القومية، ورفعها إلى منزلة العامل الحاسم في تكوين الأمم وصناعة الوجدان الجمعي، لم يكن هو نفسه ابنَ العربية في نشأته الأولى، بل كانت التركية هي لغته الأكثر حضوراً في تكوينه الثقافي المبكر… ؛  ومع ذلك، فقد جلس على كرسي التنظير ليخبر عشرات الملايين من البشر أن اللغة وحدها تصنع الأمة، وأنها القادرة على توحيد المشاعر والأفكار والوجدان والتاريخ والمصير…!!

وكأن العربية، في تصوره، ليست لغةً من لغات البشر، بل عصا موسى جديدة؛ ما إن تُلوّح بها فوق الشعوب حتى تتحول التناقضات إلى انسجام، والاختلافات إلى وحدة، والتواريخ المتباينة إلى سيرة واحدة، والكيانات الوطنية إلى جسدٍ قومي عملاق.

ولو أخذنا هذه النظرية إلى نهاياتها المنطقية لوجدنا أنفسنا أمام مشاهد أقرب إلى الكوميديا الفكرية منها إلى علم الاجتماع السياسي… ؛  فبحسب هذا المنطق، يصبح التشابه في اللسان كافياً لإلغاء الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والذاكرة الجمعية، وكأن اللغة تمتلك قدرةً سحرية على محو آلاف السنين من التجارب المختلفة بضربةٍ واحدة.

وما عشتَ أراك الدهر عجباً.

فلعلنا نستيقظ ذات صباح على منظر صومالي يكتب مؤلفاً ضخماً عن القومية الروسية، أو نجد أيسلندياً متحمساً للوحدة الصينية، أو نرى رجلاً من أقاصي الأمازون يشرح لشعوب اليابان أسرار الروح القومية اليابانية أكثر مما يعرفها اليابانيون أنفسهم.

وليس موضع العجب هنا أن يتبنى الإنسان فكرةً تتجاوز أصوله أو بيئته؛ فالأفكار ملك للبشرية كلها… ؛  وإنما موضع العجب أن يتحول عامل واحد من عوامل الهوية إلى عقيدة تفسيرية شاملة، تُختزل فيها الأمم والتواريخ والحضارات في مجرد أداة للتخاطب… ؛ وعلى يد أجنبي لا يكاد يفقه من لغة القوم شيئاً …!!

فاللغة، مهما عظمت مكانتها، ليست مصنعاً سحرياً لإنتاج الأمم… , وإلا لكانت أمريكا وبريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا أمة واحدة، ولكانت إسبانيا ومعظم أمريكا اللاتينية دولة واحدة، ولكانت فرنسا ومعظم إفريقيا الفرنكوفونية شعباً واحداً يعيش ذاكرة واحدة ومصيراً واحداً , كما اسلفنا .

غير أن التاريخ كان أكثر حكمة من المنظّرين.

فقد أثبت أن الأمم لا تتكون داخل القواميس، ولا تُصنع في قواعد النحو والصرف، ولا تولد من رحم الأبجدية وحدها، بل تنشأ من تراكم التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة والتجربة الإنسانية الملموسة… ؛  أما اللغة فتبقى، مهما بلغ شأنها، جسراً بين الناس، لا بديلاً عن الواقع الذي يعيشونه.

ولهذا بدا أحياناً أن بعض منظّري القومية العربية لم يكتفوا بمنح اللغة وظيفة التواصل، بل حمّلوها من المعجزات ما لم تحمله حتى كتب الأساطير القديمة.