جديد

درس كربلاء الخالد :بقلم الكاتب حسين شكران العقيلي

​الكاتب: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن وقانون عام اسلامي
التاريخ: السبت، 20 حزيران 2026

​لم تكن واقعة كربلاء مجرد حادثةٍ عرضية في سجل التاريخ، أو مجرد صراعٍ عابرٍ على سلطةٍ زائلة، بل كانت لحظةً مفصلية انبثق منها وعيٌ إنسانيٌ جديد، وإرادةٌ صلبةٌ لا تعرف الانكسار. إن المتأمل في أبعاد تلك الملحمة يدرك أنها تجاوزت حدود الزمان والمكان لتصبح مدرسةً متكاملة في الفلسفة الأخلاقية والاجتماعية، تُدرّس للأجيال مفاهيم الكرامة، والعدالة، والتضحية، وتكشف بوضوحٍ تام عن عمق الصراع بين الحق المطلق والباطل المستبد.
​في كربلاء، تجلت حقيقة الإنسان الذي يمتلك زمام أمره، حين اختار الحسين (عليه السلام) بوعيٍ تام طريق المواجهة لا المهادنة، والوقوف في وجه الظلم لا الرضوخ للأمر الواقع. هذا الاختيار لم يكن اندفاعاً عاطفياً بقدر ما كان تقديراً واعياً للمسؤولية التاريخية والأخلاقية، إذ رأى أن سكوت المصلحين أمام طغيان الفساد يعني ضياع القيم واندثار الحقوق. لقد كان الدرس الأول هو أن بقاء المبادئ يستحق بذل كل غالٍ ونفيس، وأن ثمن الحرية قد يكون باهظاً، لكنه يظل أرخص بكثير من حياة الذل والتبعية التي يُفرض فيها على الفرد أن يغلق عينيه عن الحقيقة.
​وعند النظر إلى التضحيات التي قُدمت في تلك البقعة المقدسة، نجد أننا لا نقف أمام فاجعة بقدر ما نقف أمام تجسيدٍ حيٍ لانتصار الدم على السيف، وإرادة الفكرة على بطش القوة. فالمعركة لم تنتهِ بانتهاء لحظات القتال، بل استمرت كفعلٍ تحرريٍ متجدد يوقظ الضمائر الغافلة. لقد استطاع الحسين (عليه السلام) بكلماته ودمائه أن يغير معادلات القوة، حيث حوّل الهزيمة العسكرية المادية إلى نصرٍ استراتيجيٍ معنويٍ خالد، أعاد ترتيب أولويات الأمة، ووضع المجتمع أمام مرآةٍ كاشفةٍ لواقعه، دافعةً إياه نحو مراجعة مواقفه من الظلم والاستبداد.
​إن شمولية الدرس الكربلائي تكمن في قدرته على مخاطبة كل إنسانٍ، مهما كانت خلفيته الفكرية أو الاجتماعية. فهو خطابٌ عالميٌ يدعو إلى التحرر من أغلال الخوف، وإلى الانتصار لقيم الحق والعدالة في مواجهة كل أشكال التسلط. إن ما يمنح كربلاء ديمومتها هو هذا الارتباط العميق بالوجدان الإنساني الباحث عن العدل، حيث يجد كل مظلومٍ في العالم في قضية الحسين صدىً لمعاناته، ومصدر إلهامٍ لصموده، وسبباً لإيمانه بأن الحق لا يضيع ما دام وراءه مطالبٌ ومضحٍّ يمتلك الشجاعة لقول “لا” في وجه السلطة الغاشمة.
​إننا، وفي ظل التحولات المتسارعة التي يعيشها عالمنا اليوم، أحوج ما نكون إلى استحضار روح كربلاء؛ تلك الروح التي ترفض الإذعان، وتدعو إلى التغيير الإيجابي وبناء المجتمع على أسسٍ من النزاهة والمشاركة والمسؤولية الجماعية. إن كربلاء ليست مجرد ذكرى عابرة تُستحضر في أوقاتٍ محددة، بل هي نهجٌ حياةٍ متكامل، يستوجب منا التحلي بالوعي والتبصر في قراءة الواقع، والسعي نحو الإصلاح من خلال الكلمة الحرة والموقف الشجاع والعمل الدؤوب، لتظل كربلاء دائماً بوصلة الأحرار في كل زمان، ودرساً خالداً في أن الكرامة أغلى من الحياة، وأن الفكرة الصادقة هي التي تبقى وتنتصر في نهاية المطاف.